|
في عقد
الثمانينات من القرن الماضي وعلى إثر حرب الخليج التي أعقبت أزمة الكويت
تكثف الخطاب السياسي العربي الداعي للتكيف مع مناخ الهيمنة الأميريكية
تحت ستار الواقعية السياسية التي انتهجت المنهج البراغماتي في التعاطي مع
الصراع القائم مع الكيان الصهيوني الغاصب .
خلال تلك الفترة
وفي ظلال هذا المناخ تنامت خصوبة هذا الخطاب وأصبح دعاته سادة المشهد
السياسي العربي وغدا المناهضين لهذا الخطاب كتحف بشرية من بقايا الماضي
وتم التعامل معهم على أنهم كائنات فضائية خارج السياق السياسي .
كان ذلك في معظمه
في النطاق النخبوي بل في القطاع ذي الحنجرة عالية الصوت من تلك النخبة
المدجنة ؛ بسبب تنفذ هذا النطاق واقترابه من سدة السلطة الرسمية وامتلاكه
للأدوات الإعلامية النافذة والمؤثرة .
الصوت العالي
لهذا الخطاب آنذاك لم تكن قوته ذاتية بل اعتمد في تسويق مفرداته على
نفوذه وبسبب الدعم الدولي له متوازياً مع ضغط شديد على مناوئيه .
في المشهد
الثقافي والاجتماعي كانت الصورة معاكسة لذلك ، حيث الظاهرة الإسلامية
متمددة في الأفق الإسلامي الواسع يلازمها سيادة قوية للمشروع الثقافي
الإسلامي . وفي رحم هذا المشروع تناقض جوهري مع الوجود اليهودي في فلسطين
وبالتالي تضاد مع الخطاب السياسي المذكور آنفا . وتأسيساً على ذلك
فالخطاب البراغماتي المفرط لم يتمتع بشرعية ثقافية ولم يكن مؤسساً على
قاعدة جماهيرية أصلا .
وفي تلك الفترة
ولا زال الصراع قائماً بين هذا الخطاب ذو السقف الواطىء والخطاب الذي
يتبنى ثقافة المقاومة . وفي تاريخ الصراع بين الخطابين كان كل منهما يسجل
نقاط سياسية لصالحه بغض النظر عن الشرعية والقاعدة الشعبية لكل منهما .
ولكن برغم الدعم الدولي والإقليميي الرسمي غير المحدود ظل تيار الواقعية
المفرطة يعرج سياسياً حتى ترنح في انتفاضة الأقصى المباركة ، إذ أن
المقاومة وجهت له ضربات موجعة وسقط في الميدان الفلسطيني – شعبياً
وفصائلياً – إلى حد كبير ، وأصبح دعاته في عزلة بل إن برنامجه الأساسي -
أوسلو- الذي أقيم على أساسه أصبح نفاية تاريخية متعفنة .
في حفبة أوسلو
كان الخطاب المقاوم يكافح من أجل البقاء وكانت أجساد الإستشهاديين
المتفجرة بمثابة الأكف التي تضغط على قلب الأمة لإنعاشه كي تستفيق من
غشيتها . لكن السياق المقاوم ازداد زخماً في الانتفاضة الفلسطينية
الجارية واستطاع أن يصنع معادلة صراع مع الطرف الصهيوني تقوم على توازن
الرعب من خلال ضرب النواة الأساسية لنظرية الأمن الصهيونية المتمثلة
بالقدرة على الردع . وفي هذا السياق يعترف كرفيلد الخبير الصهيوني بأن
مطرقة الردع الصهيونية نجحت في إخضاع الغلاف العربي لكنها غير مجدية مع
الجسم المقاوم الذي يتداخل جغرافياً وديمغرافياً مع الوجود اليهودي في
فلسطين . وقد تحولت معادلة توازن الرعب هذه في الميدان الفلسطيني إلى
حالة إنكسار استراتيجي لدى الكيان الصهيوني تمثلت بتحول جذري في بنية
فكره السياسي الاستراتيجي ، وعبر عن ذلك بناء الجدار العازل وخطة الهروب
من غزة .
ونظراً لهذا
العجز اتجهت أنظار اليمين اللكيودي في تل أبيب وواشنطن لحل المأزق
الاستراتيجي صوب الغلاف العربي ، ومن هنا توافقت أوساط اليمين الأميركي
والصهيوني على استخدام المطرقة الثقيلة لضرب الغلاف العربي لتطويع تمرد
القلب الفلسطيني من خلال احتلال العراق ولتحقيق أهداف أخرى تهم الأجندة
الاستراتيجية الأميريكية .
ولكن ماذا قالت الفلوجة لبوش ؟
رغم أن الخيار
العراقي في الأجندة الأميريكية جاء لإنقاذ المشروع الصهيوني إلا أن هذا
الخيار المنقذ تحول إلى مستنقع وأزمة استراتيجية للبلدوزر الأميركي الذي
يحاول اكتساح العالم والهيمنة عليه وخاصة المنطقة العربية ، وأنعكس ذلك
بطبيعة الحال على الشريك الصهيوني .
الأداء الفاعل
للمقاومة العراقية أغرق الإدارة الأميريكية في مستنقع شبيه بالحالة
الفيتنامية . وتكثف فاعلية المقاومة في مدينة الفلوجة ومعركتها الأخيرة
بالذات كسرت أنف غطرسة القوة الأميريكية ؛ إذ أجبر مقاومي الفلوجة
بأسلحتهم المتواضعة قوات - دولة السبر بور- أن يطلبوا الهدنة مرارا ، بل
إن المقاومين تقدموا بشروط للهدنة على درجة عالية من الندّية ؛ إذ أنهم
في مقابل مطالبة الأميركان بتسليم الأفراد الذين مثلوا بقواتهم قبل حصار
الفلوجة طالب المقاومين بتسليمهم الطيارين الأميركان الذي قصفوا الأهداف
المدنية وكذلك القواد الذين أمروهم بذلك. وهي شروط ندية لم يسبق أن طرحت
على طاولة المفاوضات قبالة جنرالات البنتاجون الأميركي.
خلاصة القول أن
الفلوجة المقاومة والمتمردة على صمت المدائن العربية قد قالت لبوش وبصوت
عالٍ : إن استراتيجيتك المسماة الضربة الإستباقية فاشلة ، وقد هربت أنت
وشريكك شارون من رمضاء الميدان الفلسطيني إلى نار الساحة العراقية ،
وعليك أن تعود أنت وجيشك للبيت .
وفي حال تعطل هذه
الإستراتيجية وفشلها ستنكفىء الهيمنة الأميريكية ليس بالمنطقة فحسب بل في
العالم بأسره . وسيترنح الحلم الإمبراطوري الأميركي وسينزوي جنرالات
مشروع القرن الأميركي الجديد لتكتب أسماؤهم كغزاة فاشلين وبحروف صغيرة في
صفحة هامشية من تاريخ هذه المنطقة المتمردة دوماً على قوى الإستعمار.
غزة الكنعانية
أجبرت شارون المتغطرس أن يخطط للهروب ، والفلوجة العباسية تضغط على بوش
لكي يهرب ، ولن تنفعه حتى وصفة كيسنجر الأخيرة مع الفريق الأميركي
الأوروبي المسماة "إحياء الشراكة الأطلسية" .
غزة والفلوجة
نموذج لحالة واحدة هي المقاومة ، وقد جربها الإستعمار الكولونيالي منذ
بدايات القرن الماضي وقد رحل آنذاك بسببها ، وعلى العقل الإستعماري أن
يفقه دورس التاريخ.
ولقطاع النخبة
داخل البيت العربي والإسلامي ... فبعد غزة والفلوجة من يجرؤ بعد الآن أن
يتهم خيار المقاومة بأنه غير مثمر !
وللمستوى الرسمي
... إذا كنتم غير قادرين على دعمها فكفوا أيديكم عنها ودعوها تُعبّد درب
التحرير وحدها .
|