الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

الهوية أغلى من الرغيف

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

 

لم يكن يتوقع اليتيم نادر إبراهيم النحال أن تغدو مخصصاته المالية ولقمة عيشه التي يتسلمها من جمعية الصلاح في غزة مادة سياسية تدخل ميدان المساومات واللعب السياسي . لم يدر في رأسه الصغير ولم يكن في حساباته الطفولية أن يقحم بوش رئيس أكبر دولة في العالم أنفه في هذه المسألة . نادر وكل أطفال فلسطين يتوقعون من بوش أن تقصف طائراته الأباتشي بطياريها الصهاينة بيوتهم وتحرّق أجسامهم . ويتوقعون أن يفرض عليهم حكومة بمقاسات أمريكية ورئيس وزراء متوافق مع مواصفات الجودة والنوعية الأمريكية . ويتوقعون والحال كذلك أن يصبح المجاهد إرهابياً وأن تغدو ثقافة المقاومة تحريضا . ويتوقعون أيضاً أن يتدخل المبعوث الأمريكي "وولف" من أجل منع انعقاد أو تأجيل المجلس التشريعي الفلسطيني خوفاً من حجب الثقة عن حكومة الانتداب الأمريكي على فلسطين . وكذلك لايستغربون في حراك هذا العبث السياسي أن يتهدد بعض أعضاء المجس التشريعي لمنعهم من التصويت لحجب الثقة .

ومع هذه الصورة من الكاركاتير السياسي في المشهد السريالي الفلسطيني لم يكن يتوقع اليتيم نادر أن توقف كفالته ويسجل هذا الإيقاف التعسفي على أنه جزء من الأجندة الوطنية الفلسطينية ويتناغم مع التزامات السلطة نحو خارطة الطريق .

فهل حقاً أن تجويع الشعب أصبح أحد مكونات الأجندة الوطنية ؟

في مرحلة أوسلو الأولى وحتى بدايات انتفاضة الأقصى جهدت السلطة الفلسطينية على تسويق مفهوم جديد للعمل الوطني عملت من خلاله على خرط كوادرها الأمنية في برنامج مكثف لملاحقة مجاهدي المقاومة وتعذيبهم وحتى قلتهم في مسالخ السجون تحت عنوان تنفيذ التزامات السلطة الدولية .

واليوم وبكل جرأة مستهجنة يعلن نبيل عمرو أن إجراءات غلق الجمعيات الخيرية يتوافق مع التزامات السلطة تجاه خارطة الطريق . إذا كان الوزير الفلسطيني المبجل يعتقد أن تجويع فقراء شعبه التزامات ينبغي الوفاء بها ، فلماذا أصلاً تقبل السلطة بهذه الاشتراطات المجحفة والغريبة ؟ إذ لا يعقل أن سلطة وطنية وفي أية بيئة دولية مهما كان شكلها يمكن أن تقبل بتجويع شعبها بحجة الضغوط الدولية ، لأن الحد الأدنى اللازم للشرعية العملية لأية سلطة أن تعمل على حماية كينونة مواطنيها وحاجاتهم الأساسية .

وفي ضوضاء النعيق السياسي حول الشعار الأجوف .. وحدانية السلطة .. يتبجح البعض حول ضرورة توحيد السلطة والقضاء على ما يسمونه فوضى السلاح . وفي المطلق يتوجب على أي شعب أن يلتف حول سلطة واحدة ، ولكن في الحالة الفلسطينية يثار السؤال : أية سلطة يرتضيها الشعب : سلطة المقاومة أم سلطة الانتداب الأمريكي المتجسدة في حكومة أبو مازن . لا شك أن الشعب يختار سلطة المقاومة لأنها تدافع عن الأجندة الوطنية الحقيقية وليست الأجندة المزيفة التي انضغطت بفعل الأمر الأمريكي وقبلت حتى مبدأ تجويع الشعب الفلسطيني المتمثل بغلق الجمعيات الخيرية التي تخفف عن الفئات الفقيرة التي سحقها الحصار الصهيوني .

وبكلمات واضحة إن الذي يجري في الساحة الفلسطينية ما هو إلا تنفيذ ميداني لاستراتيجية الحصار الإقليمي والدولي بمشاركة السلطة التي تسمى وطنية لتركيع الشعب الفلسطيني وكسر إرادته ، استهدافاً لوقف الانتفاضة بغية الانكسار في مواجهة شارون والخضوع لأجندته السياسية التي لن تمنح الشعب الفلسطيني سوى قشور سيادة وطنية على جزر أرضية بتجمعات سكانية منزوعة الكرامة والاستقلال الوطني .

الشعب الفلسطيني الصامد في مدائن بيت المقدس لا يستحق هذا الخذلان العربي ويحرم على قيادته الرسمية أن تتاجر بمنجزاته الوطنية. وإذا كانت همة هذه القيادة أدنى من طموحات هذا الشعب العصي على الانكسار والذي ما زال يجاهد منذ قرن من الزمان فعليها أن تتنحى وتسلم الراية لغيرها .

وإذا اقتحمنا دائرة السؤال الجدلي الشائك : هل نحن في حالة تحر وطني تستدعي مفاعيل المقاومة أم حالة بناء وطني تستلزم سلطة الدولة .. فإرادة الشعب تلتصق بالخيار الأول، وكل المفردات الميدانية تدعمه .

وبصراحة أكثر أي صورة للمثال الوطني أنقى في وجدان وذهنية المواطن الفلسطيني : الرنتيسي أم دحلان ؟ سرايا القدس وكتائب الأقصى أم قوات الأمن الوقائي ؟ لا ريب أن الإجابة يدركها الجميع .

على كل اللاعبين في الساحتين الدولية والإقليمية أن يدركوا حقيقة مفادها : إن هذا الشعب له هوية قلبها القرآن .. وهوية نواتها القرآن عصية على التزييف أو الذوبان. وللتذكير فقط فوعاء العقيدة والأفكار في القلب والعقل لا المعدة والأمعاء... واليتيم نادر التي قطعت كفالته وسائر أطفال فلسطين الذين لم يتربوا في فضاء ثقافة الاستهلاك مهما جُوّعوا لن يتنازلوا عن حقوقهم لأن الهوية أغلى من رغيف الخبز .