|
قدر الشهداء يا
إسماعيل أن يزرعوا أكبادهم في الأرض لتحصد الأمة سنابل الكرامة.. فأنتم
يا شهداء بيت المقدس وقود الحياة لنا،
وبقية الزيت الذي يشعل فتيل العزة في قناديلنا الخافتة. وأنتم الأقمار
المقدسية التي تهتك أستار الليل العربي البهيم .. وأنتم تعرفكم السماء
بأسمائكم .. اختاركم
الرب الأعلى جلّ
شأنه من بيننا لتكونوا تحت سقف عرشه تُحلقون
طيوراً خضراً في فضاء وطنكم الأعلى جنة الرحمن ويا لها من كرامة.. كما أن
أرض وطنكم الأدنى
تعشق أجسادكم ومسك جراحكم فتضمكم إلى صدرها المقدس ضم الحبيب إلى الحبيب
.
إسماعيل الشهيد
.. !!
في صدري شحنات
مركبة من الحزن والغضب تعجز ريشة القلم عن تصويرها، وتضيق مساحات الأوراق
البيضاء عن احتوائها، وليس في لغتي قدرة على تحمل تبعات الحزن والرثاء ..
لكنّي لأني أحب
الشهداء وتطاردني وجوههم في كل طرقاتي .. كما فعلتَ أنت .. فقد طاردني
وجهك ببسمته التي تجمع مزيجاً غامضاً من الهدوء والتحدي في أفق السماء ..
في جدران منزلي.. في وجوه أطفالي واحتلت صورتك حتى أماكن سجودي . لأجل
ذلك حاولت الكتابة وأعلم
أن حروفي دون قامة الشهيد وأدنى بكثير من هامته.
لماذا قتلوك وأنت
الصوت الفلسطيني الدافئ
؟
لماذا حرقت
صواريخهم الملعونة جسدك الطاهر حتى تفحم .. ولماذا زرعوا شجرة الموت في
صدرك مع أنك من القادة السياسيين وبمنأى عن الجناح العسكري حتى ليقال
بأنك وزير خارجية حماس من كثرة الأدوار السياسية التي مثلت الحركة بها في
محاورة القوى السياسية الفلسطينية الأخرى وغيرها من الجهات السياسية في
الإقليم .
كان خطابك
السياسي مرناً مثلما كان قلبك يتسع للجميع وينبض بحب الشعب كله .. دفىء
صوتك كان يتسرب إلى سويداء القلوب ، وتغزو كلماتك كل المعاقل السياسية
الأخرى ولكن دون قتال حتى غدوت مقبولاً ومحل إجماع بين كافة الأطياف
السياسية الفلسطينية .
إذاً .. لماذا
غيّبتك اليد الصهيونية الغادرة يا أبا الحسن ؟
ألِأنك
كنت أحد صمامات الأمان التي تشارك في منع غول الاقتتال الداخلي. أم أنها
مدرسة "دغان" الاستخبارية التي ترفض الحواجز بين السياسيين والعسكريين من
قادة المقاومة، وبالتالي فجميعهم يقعون في دائرة الاستهداف، لأنه كما يظن
أصحاب هذه المدرسة بأن من السهل اصطياد الرؤوس الكبيرة من القادة
السياسيين في الوقت الراهن بسبب انخفاض السقف العربي ما بعد احتلال
العراق.
أو لعله رد على
رسالة عملية القدس وما تضمنته من رغبة لدى المقاومة لإرساء قواعد جديدة
للمواجهة ملخصها الحفاظ على الهدنة كونها صمام أمان يحول دون الاقتتال
الداخلي ويمنع الانهيار الإقليمي، وفي ذات الوقت فتح نافذة للرد على كل
خرق صهيوني للهدنة، بمعنى صناعة معادلة جديدة تجمع بين العودة لمنطق
توازن الرعب ولكن مع الحفاظ على الوضع السياسي الراهن الذي تمثله الهدنة
ريثما تتبدل القواعد السياسية الدولية السائدة، وربما يكون الملف العراقي
وتداعياته والانتخابات الأمريكية المقبلة أهم المتغيرات التي من الممكن
أن تؤثر على بنية هذه القواعد ، خاصةً
وأن المأزق الذي صنعته خارطة الطريق للمقاومة ليس أمراً
لا انفكاك منه بسبب أن الإدارة الأمريكية أصلاً
لا تبتغي من الخارطة حل المشكة ، إنما هي بمثابة دمية سياسية صيغت لكي
يتلهى بها القادة الإقليميون العرب باعتبارها جائزتهم على موقفهم من
احتلال العراق.
مهما يكن الأمر
.. فقد غيّبوا وجهك بابتسامته الودودة .. لكنهم لم ولن يُطفئوا
فتيل العزة المشتعل في عينيك المقاومتين حتى الموت .
هم يا إسماعيل ..
أغبياء حتى البلاهة لأنهم يظنون أن الرحم الفلسطيني عقمت بعد أن ولدتكم
. والصواريخ التي انطلقت لتفجر جدران قلبك يا إسماعيل لن تحطم إرادة
الشعب بالبقاء والحياة .
هم عابرون يا
إسماعيل كحطام الفخار الإغريقي وباطلهم مهما تورّم كالظلمة حينما تواجه
صدق النور .. وأما نحن فمتغلغلون في أحشاء الأرض كجذور الزيتون الرومي
العتيق وكهدير موج المتوسط الذي طالما خشع لمراكب أجدادنا .
"الجيّة" ستبقى
محفورة في قلب نجلك "الحسن" وستظل الحلم الذي يتراقص في عيني طفلتك "مسك"
. أما خارطة الحزن الفلسطيني مهما اتسعت ستعرف مدائنها يوماً طعم الفرح .
رحمك الله يا أبا
الحسن ورفع منازلك في عليين .. وبعد يا قمر الشهداء .. فإن القلب ليحزن
وإن العين لتدمع وإنا لفراقك يا إسماعيل لمحزونون.
|