|
لا شك أن لوحة
المشهد الدولي الراهن تبدي حالة فريدة في التاريخ البشري يمثله الانفراد
القطبي لأمريكا بقيادتها القسرية للعالم . ويستند هذا الانفراد على دعائم
قوة يجسدها تفوق في المجالات الرئيسة : الثقافية والاقتصادية والعسكرية .
وقد أتاح لها هذا التفوق أن تعربد في مناخ من الهيمنة الطاغية لتفرض
سياساتها على العالم ، والأدهى من ذلك قسر الأمم الأخرى على الايمان
بقيمها .
وما قبل 11
سبتمبر في عقد التسعينات من القرن الماضي – بداية الحقبة الفرعونية
لأميركا – أغرى بريق القوة السياسة الأميركية أن تتعرى من لباسها
الدبلوماسي لينطق بعض ساستها واستراتيجييها بتصريحات تحمل نغمة الاستعلاء
الامبراطوري الطاغية . وفي سياق هذه الموجة من نشوة القوة يقول نيوتن
غنغريش زعيم الأغلبية للحزب الجمهوري في الكونجرس في عهد كلينتون بمقال
له في لوموند الفرنسية بعنوان : "الأمة الضرورية" (إذا اختفينا غداً فمن
غير المرجح أن يكون لليابانيين أو الألمان أوالروس كشعوب الأمكانية أو
القدرة على إدارة المعمورة ، بدون حضارة أميركية حية فإن البربرية والعنف
والدكتاتورية سوف تسيطر على الأرض) . وبعنجهية أكثر يتبجح أنطوني ليك
مستشار الرئيس الأميركي السابق لشؤون الأمن القومي قائلاً وبلهجة خاقان
تتري : (أميركا تمتلك القدرة العسكرية الأعظم والاقتصاد الأكبر والمجتمع
متعدد الأعراق الأكثر دينامية في العالم .. زعامتنا تحترم ويبحث عنها في
أرجاء العالم الأربعة .. مصالحنا ومبادؤنا لا تجبرنا فقط على الانخراط
ولكن على القيادة ) . وكي تكتمل صورة امبراطورية جنكيز مان الأميريكية في
ذهن القارىء أنقل تصريحاً لأولبرايت وزيرة الخارجية السابقة تقول فيه
للأوروبيين (الحلفاء) :(أريد أن ينظر إليّ الأوروبيين كممثلة لأمريكا
مقتنعة بأن لديها مسؤوليات شاملة وأنها أمة لا يمكن الاستغناء عنها ، ما
يعني أنه عندما يكون في مقدورنا تغيير الأشياء علينا أن نفعل) .
الأدهى أن
المفكريين الاستراتيجيين الأميركيين ومنهم بريجنسكي المسؤول الأسبق لمجلس
الأمن القومي يؤمنون بأن سيطرة أميركا على العالم هي لخيره قبل أن يكون
خيراً لها ، ذلك لأنه - كما يقول هانتغتون - بأن أميركا دولة ديمقراطية
متعددة الأعراق والثقافات والأديان وبسبب هذه التعددية يسهل على الآخرين
قبول هيمنتها لأن أي مواطن في العالم يمكنه أن يكون أمريكيا .
ورغم هذه الغطرسة
التي ربما تحجب الرؤية الحقيقية لمستقبل أميركا ، إلا أن الكثير من
المراقبين تمكنوا من اختراق غلاف القوة العسكرية لأميركا ليشككوا بقدرتها
على البقاء بل البعض منهم تنبأ بأفولها خلال عقدين أو ثلاثة . وفي هذا
الإطار يقول تشارلز كوبتشان في كتابه "نهاية العصر الأمريكي" : (إن مدة
الهيمنة الأميركية على العالم ليست طويلة ... فليس من السهل على دولة
واحدة أن تكون مسؤولة عن شؤون العالم ، فهذه المسؤولية تكسر الظهر ..
وبالتالي فقد آن الأوان لكي يفهم الرئيس جورج بوش أن الاستفراد بالقرار
العالمي شيء سلبي ولا يمكن أن يدوم ) .
أطروحة الانحطاط
هو العنوان الذي يطرحه المراقبون المؤمنون بأن القرن الحادي والعشرين لن
يكون أميركياً ، وعلى رأسهم المؤرخ والمفكر الأميركي بول كيندي الذي يرى
بأن انحطاط القوة العظمى يبتدأ عادة حينما يصبح إنفاقها العسكري أكبر من
قدرة اقتصادها على تحمله ، وبالتالي يصبح التوسع الامبراطوري المفرط أكبر
من قدرتها على تحمل مسؤولياته . وبتعبير آخر فإن اختلال معادلة توازن
الثروة والقوة العسكرية يؤدي بالغريزة إلى أن تلجأ القوة الاقتصادية التي
تتعرض للانحطاط الى تعظيم إنفاقها العسكري بقصد التعويض فترمي بنفسها في
دائرة التراجع والانحطاط . ولعل السلوك الحالي للإدارة الجمهورية يجسد
هذا المرض الإمبراطوري .
مفصل هام للغاية
يشير إليه جارودي في كتابه "أميركا : طليعة الانحطاط" إذ يقرر بأن
الولايات المتحدة تعيش أعلى بكثير من إمكانياتها لأنها تستغل العالم عبر
هيمنتها على المؤسسات المالية الدولية وباعتبار دولارها عملة للعالم
بأسره، وبتعبير آخر فإن النظام المالي العالمي السائد ودورته المرسومة
تصب في نهاية المطاف في وعاء الاقتصاد الأميركي ، وبرغم ذلك فأميركا أكثر
دولة مدينة في العالم ، إذ تبلغ ديونها ثلاثة أضعاف ديون كل دول العالم
الثالث مجتمعة . وفي هذا الإطار تشير الأرقام بأن أميركا انتقلت من
المركز الدائن الأول بين عامي 1945-1950 الى مرتبة البلد الأكثر مديونية
في العالم ، وتراجع الاحتياطي النقدي لديها من 50% من الاحتياط النقدي
العالمي عام 1945 الى 9% فقط في عام 1980. وبرأي البروفيسور هانتغتون فإن
هذا التراجع ليس عابراً بل هو بنيوي يصعب ترميمه .
وتركز كافة
أطروحات الانحطاط القائلة بأفول القوة الأميريكية على البنية الأميركية
ذاتها ولهذا فكلها تتنبأ بانفجار على الذات من الداخل على إثر أزمة
اقتصادية أو إجتماعية مثل انهيار النظام القيمي المستند على التعددية
الثقافية والعرقية . وفي هذا الإطار يشير بعض الباحثين بأن نظام تعدد
القيم يتعرض حالياً لحالات حادة من الاهتزاز ربما تؤدي إلى انفجاره
وبالتالي انهيار العملاق . وقد بدأ بعض المراقبين الأميركان يعيدون النظر
في المقولة الشهيرة المعبرة عن التعددية الثقافية (بوتقة الانصهار) .
النظرة الثاقبة
غير المضبوعة بهيلمان العسكرتيريا الأميركية تدرك أن القوة الأميركية
الحالية لا تعدو عن كونها غولاً خرافياً نظراً لأن مكونات القوة الحقيقة
لأميركا بدأت تتلاشى على صعيد الاقتصاد والثقافة ولم يتبق منها سوى
العسكرتيريا وهذه ليست كافية لقيادة العالم وفق منطق التاريخ . وربما
تصدق قريباً كلمات ادوار ليتواك مستشار الرئيس الأميركي الأسبق ريغان حيث
قال : (إن الولايات المتحدة سوف تنضم في العقود المقبلة إلى صفوف العالم
الثالث دون أي أمل بالعودة يوماً إلى العصر الذهبي للإزدهارالمفقود) .
|