الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

أيهما الشرعي : سلاح المقاومة أم سلاح السلطة ؟

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

 

محمد السمّري مجاهد فلسطيني خرج من انتفاضة الأقصى و قد فقد إحدى ذراعيه و مصاب في ساقه اليسرى إصابة بليغة ، لكنه يظل متجذراً في رمال غزة صامداً كالوتد الذي لا تهزّه الريح و كالشوكة تنخز أعين الصهاينة بالرغم مما فقد من أعضائه و رغم الآلام التي تعمل فيما تبقّى من جسده ، إلى هنا لم تكتمل هذه الحكاية الفلسطينية .   

مساء الخميس في 10/7/2003م تأتي عناصر من "فرق الموت" التابعة لجهاز الأمن الوقائي التي يرأسها المقاول الأمني محمد دحلان ؛ لتقدّم عرضاً أمنياً متميّزاً يكون ضحيته بطل حكايتنا نفسه محمد السمري ، إذ يطلق "بواسل" الأمن الوقائي النار على الساق الأخرى السليمة للسمّري فيصيبونه إصابة خطيرة و لم ينتهِ المشهد عند هذا الحد ، بل قام "حماة الوطن" بضربه بطريقة وحشية بينما جراحه تنزف .

من حق السمّري و غيره من أبناء الشعب الفلسطيني بل و من حق كلّ من يراقب المشهد الفلسطيني أن يتساءل : لماذا استيقظت هذه الرصاصات من غفوتها الطويلة طيلة انتفاضة الأقصى لتضرب اليوم ساق هذا المجاهد ؟ و أين كانت هذه "المراجل" الكامنة حينما كانت قوات الاحتلال و ما زالت تجتاح مدائن الضفة و غزة و مخيماتهما و تعيث في الأرض فساداً بينما سلاح السلطة "الشرعي" يغفو بين أكفّ المقاولين الأمنيين ؟

هذا المشهد الموغِل في السريالية و الإبهام يستدعي الوعي لكي يطرح موضوع السلاح الفلسطيني في دائرة النقاش ، و ليكن السؤال مباشراً و دون مواربة : أيهما الشرعي : سلاح المقاومة أم سلاح السلطة ؟

و في السياق الفلسطيني لو حاولنا إنتاج معيارٍ لقياس هذه الشرعية ينبغي توفّر عنصرين : شرعية القانون و شرعية الممارسة . و في إطار هذه المعادلة يمكن إدراج سندٍ قانوني لسلاح السلطة على أنه شرعي باعتباره سلاح السلطة الرسمية التي أنتجت وفقاً لاتفاقية أوسلو المعترف بها إقليمياً و دولياً . و هذا السند غير متفق على قانونيته لأن الاتفاقية المذكورة أصلاً لم تحظَ بوفاق فلسطيني و هي تعتبر في الأدبيات السياسية الفلسطينية و غيرها على أنها مقاولة أمنية قامت بها جهة متنفّذة تغوّلت على القرار الفلسطيني . ناهيك أن الاتفاقية حوت مضامين تتجاوز الحق الفلسطيني الكامل في الأرض و حق تقرير المصير و بالتالي تبطل بنيتها الأساسية . و كلّ اليافطات اللازمة للشرعية و التي تم إنتاجها بعد تكوين السلطة لا تعبّر إلاّ عن فئة سياسية خاصة من الشعب ، و من زاوية جغرافية فهي لا تعبّر إلا عن جزء من الشعب الفلسطيني و هم فقط الموجودون بالضفة الغربية و قطاع غزة . الأهم من ذلك أن انتفاضة الأقصى أسقطت هذه الاتفاقية و من المفترض أن تسقط كافة الهياكل القانونية التي قامت على قاعدتها .

و على صعيد شرعية الممارسة ، فأيّ قارئ للمشهد الفلسطيني سيخلص إلى نتيجة واحدة مؤدّاها أن سلاح السلطة لم يستخدم إلاّ في مواجهة المقاومة و ملاحقة مجاهديها سوى بعض الاستثناءات على استحياء و لكن دون إطار رسمي و بمبادرات فردية .

الأكثر غرابة أن تمويل سلاح السلطة "الشرعي" و العناصر البشرية التي تستخدمه يأتي من الدول الغربية التي تقف مساندة للمقاولة الأمنية التي تستهدف مقاومة شعبنا و بأيدي بني جلدتنا .

أما سلاح المقاومة فيتوفّر له إطار قانوني يستند إلى قاعدة القانون الدولي العام ؛ إذ تجيز قوانين الأمم المتحدة مقاومة المحتل بناء على أحكام لاهاي و اتفاقيات جنيف و ليس من حق أية دولة مهما تعاظمت قوتها و هيمنتها أن تصف مقاومة الشعوب التي تسعى للتحرر من الاحتلال بالإرهاب و غيرها من الصفات التي تستهدف تجريم المقاومة قانونياً . و هناك سجلّ تاريخي طويل يتحدّث عن حركات التحرّر التي حظيت بدعم المجتمع الدولي خلال القرن الماضي . بل إن السياق التاريخي يبرز دعم أمريكا نفسها للمقاومة الألبانية عام 1942م ضد الفاشية الإيطالية و كذلك للمقاومة الفرنسية عام 1943م ضد النازية الألمانية .

و نظراً لهذا السند القانوني الداعم للمقاومة يسعى الكيان الصهيوني حالياً لسن معاهدة دولية تستهدف تجريم العمليات الاستشهادية و كل الأعمال اللوجستية المتصلة بها حتى إعالة أبناء الشهداء و أراملهم .

و بخصوص شرعية الممارسة لسلاح المقاومة ؛ فقد كان هذا السلاح و ما زال هو أداة القوة الوحيدة التي عملت في مواجهة غطرسة الاحتلال و تعدّياته على الشعب الفلسطيني و مقدّراته ، بل استطاع هذا السلاح بالرغم من بساطته و بدائية الوسائل القتالية المستخدمة أن ينتج معادلة مواجهة مع قوات الاحتلال تقوم على مبدأ توازن الرعب ، و لم يتمكّن الجيش الصهيوني بتفوّقه النوعي أن يفكّ شفرة هذه المعادلة . و المشهد الصهيوني بكافة تفصيلاته الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية خير شاهد على حجم الوجع الاستراتيجي الذي أصاب بنية هذا الكيان الطارئ .

أما تمويل هذا السلاح المقاوم الذي يمارس نموذجاً مصغراً من فريضة الجهاد الغائبة فيأتي من أيادي أبناء الأمة في كافة أصقاع الأرض الذين يتعبّدون الله تعالى بهذا دفاعاً عن مقدّساتهم و إسناداً لبني جلدتهم من مجاهدي بيت المقدس .

و في سياق هذه المعادلة فأيهما الشرعي أخلاقياً و وطنياً و قانونياً : سلاح المقاومة أم سلاح السلطة ؟