|
محمد السمّري مجاهد
فلسطيني خرج من انتفاضة الأقصى و قد فقد إحدى ذراعيه و مصاب في ساقه
اليسرى إصابة بليغة ، لكنه يظل متجذراً في رمال غزة صامداً كالوتد الذي
لا تهزّه الريح و كالشوكة تنخز أعين الصهاينة بالرغم مما فقد من أعضائه و
رغم الآلام التي تعمل فيما تبقّى من جسده ، إلى هنا لم تكتمل هذه الحكاية
الفلسطينية .
مساء الخميس في
10/7/2003م تأتي عناصر من "فرق الموت" التابعة لجهاز الأمن الوقائي التي
يرأسها المقاول الأمني محمد دحلان ؛ لتقدّم عرضاً أمنياً متميّزاً يكون
ضحيته بطل حكايتنا نفسه محمد السمري ، إذ يطلق "بواسل" الأمن الوقائي
النار على الساق الأخرى السليمة للسمّري فيصيبونه إصابة خطيرة و لم ينتهِ
المشهد عند هذا الحد ، بل قام "حماة الوطن" بضربه بطريقة وحشية بينما
جراحه تنزف .
من حق السمّري و
غيره من أبناء الشعب الفلسطيني بل و من حق كلّ من يراقب المشهد الفلسطيني
أن يتساءل : لماذا استيقظت هذه الرصاصات من غفوتها الطويلة طيلة انتفاضة
الأقصى لتضرب اليوم ساق هذا المجاهد ؟ و أين كانت هذه "المراجل" الكامنة
حينما كانت قوات الاحتلال و ما زالت تجتاح مدائن الضفة و غزة و مخيماتهما
و تعيث في الأرض فساداً بينما سلاح السلطة "الشرعي" يغفو بين أكفّ
المقاولين الأمنيين ؟
هذا المشهد الموغِل
في السريالية و الإبهام يستدعي الوعي لكي يطرح موضوع السلاح الفلسطيني في
دائرة النقاش ، و ليكن السؤال مباشراً و دون مواربة : أيهما الشرعي :
سلاح المقاومة أم سلاح السلطة ؟
و في السياق
الفلسطيني لو حاولنا إنتاج معيارٍ لقياس هذه الشرعية ينبغي توفّر عنصرين
: شرعية القانون و شرعية الممارسة . و في إطار هذه المعادلة يمكن إدراج
سندٍ قانوني لسلاح السلطة على أنه شرعي باعتباره سلاح السلطة الرسمية
التي أنتجت وفقاً لاتفاقية أوسلو المعترف بها إقليمياً و دولياً . و هذا
السند غير متفق على قانونيته لأن الاتفاقية المذكورة أصلاً لم تحظَ بوفاق
فلسطيني و هي تعتبر في الأدبيات السياسية الفلسطينية و غيرها على أنها
مقاولة أمنية قامت بها جهة متنفّذة تغوّلت على القرار الفلسطيني . ناهيك
أن الاتفاقية حوت مضامين تتجاوز الحق الفلسطيني الكامل في الأرض و حق
تقرير المصير و بالتالي تبطل بنيتها الأساسية . و كلّ اليافطات اللازمة
للشرعية و التي تم إنتاجها بعد تكوين السلطة لا تعبّر إلاّ عن فئة سياسية
خاصة من الشعب ، و من زاوية جغرافية فهي لا تعبّر إلا عن جزء من الشعب
الفلسطيني و هم فقط الموجودون بالضفة الغربية و قطاع غزة . الأهم من ذلك
أن انتفاضة الأقصى أسقطت هذه الاتفاقية و من المفترض أن تسقط كافة
الهياكل القانونية التي قامت على قاعدتها .
و على صعيد شرعية
الممارسة ، فأيّ قارئ للمشهد الفلسطيني سيخلص إلى نتيجة واحدة مؤدّاها أن
سلاح السلطة لم يستخدم إلاّ في مواجهة المقاومة و ملاحقة مجاهديها سوى
بعض الاستثناءات على استحياء و لكن دون إطار رسمي و بمبادرات فردية .
الأكثر غرابة أن
تمويل سلاح السلطة "الشرعي" و العناصر البشرية التي تستخدمه يأتي من
الدول الغربية التي تقف مساندة للمقاولة الأمنية التي تستهدف مقاومة
شعبنا و بأيدي بني جلدتنا .
أما سلاح المقاومة
فيتوفّر له إطار قانوني يستند إلى قاعدة القانون الدولي العام ؛ إذ تجيز
قوانين الأمم المتحدة مقاومة المحتل بناء على أحكام لاهاي و اتفاقيات
جنيف و ليس من حق أية دولة مهما تعاظمت قوتها و هيمنتها أن تصف مقاومة
الشعوب التي تسعى للتحرر من الاحتلال بالإرهاب و غيرها من الصفات التي
تستهدف تجريم المقاومة قانونياً . و هناك سجلّ تاريخي طويل يتحدّث عن
حركات التحرّر التي حظيت بدعم المجتمع الدولي خلال القرن الماضي . بل إن
السياق التاريخي يبرز دعم أمريكا نفسها للمقاومة الألبانية عام 1942م ضد
الفاشية الإيطالية و كذلك للمقاومة الفرنسية عام 1943م ضد النازية
الألمانية .
و نظراً لهذا السند
القانوني الداعم للمقاومة يسعى الكيان الصهيوني حالياً لسن معاهدة دولية
تستهدف تجريم العمليات الاستشهادية و كل الأعمال اللوجستية المتصلة بها
حتى إعالة أبناء الشهداء و أراملهم .
و بخصوص شرعية
الممارسة لسلاح المقاومة ؛ فقد كان هذا السلاح و ما زال هو أداة القوة
الوحيدة التي عملت في مواجهة غطرسة الاحتلال و تعدّياته على الشعب
الفلسطيني و مقدّراته ، بل استطاع هذا السلاح بالرغم من بساطته و بدائية
الوسائل القتالية المستخدمة أن ينتج معادلة مواجهة مع قوات الاحتلال تقوم
على مبدأ توازن الرعب ، و لم يتمكّن الجيش الصهيوني بتفوّقه النوعي أن
يفكّ شفرة هذه المعادلة . و المشهد الصهيوني بكافة تفصيلاته الاجتماعية و
السياسية و الاقتصادية خير شاهد على حجم الوجع الاستراتيجي الذي أصاب
بنية هذا الكيان الطارئ .
أما تمويل هذا
السلاح المقاوم الذي يمارس نموذجاً مصغراً من فريضة الجهاد الغائبة فيأتي
من أيادي أبناء الأمة في كافة أصقاع الأرض الذين يتعبّدون الله تعالى
بهذا دفاعاً عن مقدّساتهم و إسناداً لبني جلدتهم من مجاهدي بيت المقدس .
و في سياق هذه
المعادلة فأيهما الشرعي أخلاقياً و وطنياً و قانونياً : سلاح المقاومة أم
سلاح السلطة ؟ |