|
العمليات الاستشهادية
مصلحة وطنية عليا و وقفها لا يخدم إلا العدو
بقلم: عزت الرشق
كثرت في
الأيام القليلة الماضية الكتابات حول جدوى العمليات الاستشهادية وهل
تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني أم لا، ودب النشاط من جديد في عدد من
رموز السلطة الفلسطينية بعد غيابهم طوال العدوان و الاجتياح الصهيوني
و بدأ هؤلاء حملة تصريحات حول أضرار العمليات الاستشهادية، وحرَكت
السلطة الفلسطينية الكتاب والصحافيين الذين يدورون في فلكها لمهاجمة
تلك العمليات و منفذيها و من يقفون وراءهم، فما حقيقة تلك الحملة؟
وما هي خلفياتها؟ وأين هو موقع العمليات الاستشهادية في حركة النضال
الوطني الفلسطيني ؟ و هل تخدم الشعب الفلسطيني و حقوقه أم أنها تخدم
شارون و مشروعه ؟ ..
يمكن القول
إن العمليات الاستشهادية تعتبر السلاح الأهم الذي تمتلكه المقاومة
الفلسطينية اليوم ، فهو فعال جدا في إلحاق أكبر الخسائر في صفوف
العدو الصهيوني ، و هو متوفر أيضا لا يمكن منعه أو تجفيف ينابيعه ، و
على الرغم من الفروق الشاسعة و التي لا يمكن مقارنتها بين الإمكانات
التسليحية للعدو الصهيوني و ترسانته المعروفة ، و جيشه المدرب و
المجهز جيدا من جهة و بين المقاومة الفلسطينية المسلحة بمختلف
أطيافها من جهة أخرى ، و رغم أن هذا الجيش تهابه – للأسف - الأنظمة
العربية كافة و تعمل له ألف حساب ، و تتقي الدخول معه في حرب ، إلا
أن هذا الجيش و كل الأجهزة الأمنية الصهيونية وقفت و تقف عاجزة أمام
الاستشهادي الذي يخرج لهم كما القدر ، و يخترق كل تحصيناتهم و
إجراءاتهم الأمنية ، لا يأبه لحالات التأهب القصوى في صفوفهم ، و
يأتي سريعا كالغيث بعد الجرائم الصهيونية و المجازر البشعة و اقتحام
المدن و تدمير البيوت على رؤوس أهلها الأبرياء و الاغتيالات و القتل
للكبار و الصغار و النساء و الأطفال بدم بارد ، يأتي خاطفا مزلزلا
كالرعد ، يأتيهم من حيث لا يحتسبون ليشف صدور قوم مؤمنين .
هذا السلاح
هو ورقتنا الرابحة الذي حوَل ضعفنا و قلة حيلتنا إلى قوة ، و أوجد
حالة من التوازن لم يشهدها تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني من قبل ،
و جعل شعبنا قادرا على الرد و الردع و إيذاء العدو و الإثخان فيه ، و
لم يعد وحده الذي يتلقى الضربات .
هذا السلاح
أعطى الأمل للشعب الفلسطيني بأن هناك إمكانا لتحقيق حلمه و إنجاز
حقوقه و دحر المحتلين عن أرضه ، و أكد أن حركة حماس و القوى المجاهدة
التي تتبنى خيار التحرير و ترفض خيار التسويات و المساومات لا تطرح
شعارات في الهواء أو أوهاما يصعب تحقيقها ، بل تطرح برنامجا واقعيا و
عمليا و له فرص مؤكدة للنجاح و له مصداقية عالية ، لأنها وفرت لهذا
البرنامج أدوات نجاحه و هي المقاومة و على رأسها العمليات
الاستشهادية .
نعم ،
فالعمليات الاستشهادية هي السلاح الاستراتيجي الرادع الأهم المتوفر
الآن بأيدي المقاومين الفلسطينيين وفق إمكانياتهم المتاحة ،
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ
الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )
(لأنفال:60) ، و نزع هذا السلاح من أيديهم يعد أكبر خدمة للاحتلال
الذي يعيش كابوسا مزعجا جراء هذه العمليات ، و يعني أيضا ترك الشعب
الفلسطيني في العراء بلا سلاح يحميه ليكون لقمة سائغة و سهلة للمجرم
شارون و حكومته .
هذه العمليات
حولت الشعب الفلسطيني إلى حالة استشهادية لم تقتصر على الشباب ،حيث
فاجأت الاستشهاديات الفلسطينيات العالم بإقدامهن على المشاركة في
الدفاع عن شعبهن ، بل لقد ذهب شعبنا إلى أبعد من ذلك ، فما تعرض له
شعبنا من مجازر و حرب إبادة دفع الأطفال في سن الثانية عشر إلى
مهاجمة المستوطنات بصدورهم العارية و سقط منهم عدد من الشهداء رغم
تحفظنا على ذلك في هذه السن المبكرة ، و وجدنا أن الأمهات في فلسطين
يجددن سيرة الخنساء و هذا ما فعلته أم الشهيد محمد فرحات و أم الشهيد
محمد حلس ، في صور جهادية و ملحمية رائعة .
إن ثقافة
الشهادة و الاستشهاد أصبحت تسري كالدماء في عروق أبناء شعبنا ، و هذا
يعني أن المقاومة عثرت على كنز لا ينضب و امتلكت ترسانة هامة من
القنابل البشرية في مواجهة ترسانة العدو الضخمة .
هذه العمليات
جعلت كبار قادة العدو يتساءلون عن مدى قدرة (دولة "إسرائيل") على
البقاء ، و اعتبروا أن حرب (الاستقلال) لم تنته بعد ، و قالوا إنه
ليس بالإمكان منع وقوع العمليات الاستشهادية في اعتراف واضح بالعجز ،
من جانب آخر فقد أثرت هذه العمليات على كل نواحي الحياة في الكيان
الغاصب ، فالرعب يزلزل قلوبهم و لا يستطيعون التجول في الميادين
العامة أو ركوب الحافلات أو الذهاب للمطاعم و الملاهي و النوادي ، و
ارتفعت نسبة الهجرة العكسية من الكيان الصهيوني طلبا للأمن و
الاستقرار ، و ضربت السياحة كما تأثر الوضع الاقتصادي و تراجع بشكل
كبير و اضطرت الكثير من الشركات الكبرى و البنوك لإغلاق أبوابها ، و
قراءة للانتكاسات الاقتصادية المتتابعة لدولة العدو منذ بدء
الانتفاضة يعطي صورة واضحة للإنجاز الفلسطيني في ضرب مقدرات الاحتلال
: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا
تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ
مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)
(النساء:104) .
كما تكمن أهمية
العمليات الاستشهادية في أنها حققت أكبر عدد من القتلى في صفوف العدو
حيث زادوا على 400 قتيل ، مقابل 1600 شهيد تقريبا هم عدد الشهداء من
الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى الحالية ، لتصبح نسبة قتلاهم إلى
شهدائنا 1 إلى 4 و هي أكبر نسبة في تاريخ الصراع مع العدو ، و هذه
نسبة مخيفة بالنسبة لقادة العدو الذين باتوا يخوضون حرب استنزاف
حقيقية ، و هم لا يستطيعون الصبر على هذا الوضع طويلا ، و هذا يعني
أن وعود شارون لناخبيه بتحقيق الأمن ذهبت أدراج الرياح ، و فشل حملة
السور الواقي في تحقيق أهدافها .
وهي (أي
العمليات الاستشهادية) استطاعت أن تضرب في العمق الأمني للكيان
المحتل، في القدس و حيفا و يافا وتل أبيب و ناتانيا وغيرها،
الأمر الذي جعل كل أماكن الوجود الصهيوني مهددة و غير آمنة وعرضة
لعملية استشهادية في أية لحظة ، و استطاعت أن تحرم الصهاينة من الأمن
طالما أن الفلسطينيين محرومون منه.
لا عجب إذاً أن
تأخذ العمليات الاستشهادية اهتماما كبيرا من قادة الكيان الصهيوني ،
و أن تستخدم الإدارة الأمريكية كل نفوذها و ضغوطها على السلطة
الفلسطينية و الدول العربية من أجل وقفها ، و في هذا السياق يطرح
البعض فكرة عقد لقاء للقوى الإسلامية و الوطنية الفلسطينية في مصر ،
و الهدف الأساسي منه هو ممارسة ضغوط على حركة حماس و قوى المقاومة من
أجل وقف العمليات الاستشهادية .
و الغريب
واللافت في نفس الوقت أن السلطة الفلسطينية و معها كل الذين يشنون
حربا إعلامية و تحريضية على العمليات الاستشهادية كانوا قبل أيام
قليلة أثناء الاجتياح و العدوان الصهيوني و أثناء حصار عرفات
يعتبرونها دفاعا عن النفس و مقاومة مشروعة و ردا طبيعيا على الإرهاب
الصهيوني ، لكن في اللحظة التي تم التوصل فيها لصفقة لفك الحصار عن
السيد عرفات انقلبت مواقف هؤلاء رأسا على عقب و أصبحت العمليات
الاستشهادية عمليات "إرهابية" لا تخدم المصلحة الوطنية و تعطي
الذرائع لشارون ليشن هجوما و حربا على شعبنا و تسهل عليه اقتحام غزة
! ، فالمشكلة الوحيدة عند هؤلاء هي حصار عرفات و بعده فليذهب الشعب
إلى الجحيم ! ، و استمرار حصار كل الشعب و اقتحام باقي المدن و
ملاحقة و تصفية المجاهدين و المخلصين كل ذلك لا يعني لهم شيئا و لا
يستدعي الرد أو الثأر .
الذين يزعمون أن
العمليات الاستشهادية تعطي الذريعة لشارون لشن حربه على شعبنا و
اقتحام غزة بعد اقتحامه رام الله و بيت لحم و جنين و غيرها ، هؤلاء
يستخفون بعقول الناس و يتجاهلون الحقيقة ، فشارون لا ينتظر الذرائع
ليقوم بعدوانه و مجازره ، و إن أراد فهو يختلق الذرائع و يوجدها مهما
كانت واهية ، كما أن عدوانه متواصل و لم يتوقف لحظة حيث لا زال يقتحم
المدن و المخيمات و يقوم بعمليات التصفية ضد أبناء شعبنا ، و دباباته
تخنق المدن و القرى ، قبل العمليات الاستشهادية و بعدها ، و لقد
رأينا في الأشهر الماضية عندما أعلنت حركة حماس تعليق هذه العمليات
في أرضنا الفلسطينية عام 1948 شريطة أن يتوقف العدوان الهمجي على
أهلنا العزل رأينا شارون يصعَد عدوانه و حصاره و عمليات القتل و
الاغتيالات بحق رموز شعبنا الإسلامية و الوطنية ، فوقف العمليات
الاستشهادية لم تسحب الذرائع من شارون و لم توقف شروره و عدوانه و
إنما أغرته بالمزيد .
و من يطالب بوقف
العمليات الاستشهادية لإعطاء فرصة لعملية التسوية و للجهود الدولية
لإعادة إحيائها ، فهو كمن يتعلق بحبال الهواء ، فليس هناك عملية
"سلام" و ليس هناك جهود حقيقية لإحيائها ، و شارون و حكومته لا
يؤمنون بالتسوية ، و يهدفون إلى وقف الانتفاضة و المقاومة و إعادة فك
و تركيب السلطة و أجهزتها الأمنية على مقاسهم و بما يخدم مصالحهم و
أمنهم ، و برنامجه يقوم على الدخول في حل مرحلي طويل الأمد ، و تأجيل
الحل النهائي ليكرس واقع الاحتلال ، و الإدارة الأمريكية ليس لديها
رؤية واضحة لحل الصراع ، و جهودها تقوم على سياسة إطفاء الحرائق و
التهدئة فقط و لا تقدم حلولا حقيقية أو جدية ، و الدول العربية التي
تبنت مبادرة "السلام" في بيروت تلقت صفعة من شارون فور انتهاء القمة
باقتحامه المدن الفلسطينية ، و هي تقف عاجزة عن فعل شيء غير مناشدة
أمريكا للتحرك ، و لم تقدم بديلا عمليا يحمي الشعب الفلسطيني و يردع
العدوان الصهيوني.
لذلك فإن مقولة
وقف العمليات الاستشهادية لإعطاء فرصة للتسوية و المفاوضات لا تقنع
أحدا ، لأنه لا يوجد أي أفق لتلك التسوية التي أخذت أكثر من فرصتها و
استنزفت من شعبنا أكثر من عشر سنوات و لم تسفر عن شيء يذكر ، فاتفاق
أوسلو فشل فشلا ذريعا و أصبح جثة هامدة ، و شعبنا ليس لديه الاستعداد
ليدخل مرة ثانية في متاهة المفاوضات العقيمة لإضاعة عشرة أعوام أخرى
، ثم إنه ليس من المنطق أو المعقول مطالبة شعبنا بإلقاء سلاحه على
أمل – مثل أمل إبليس في الجنة - أن تأتيه تلك المفاوضات بشيء ، لقد
رفضنا أوسلو في حينه و قلنا إنه يحمل بذور فشله . و قد أثبتت الأيام
صحة رؤيتنا في حركة حماس و قراءتنا و فهمنا لحقيقة الصراع مع العدو
الصهيوني ، و قد آن الأوان لنعطي الفرصة للمقاومة – و ليس للتسوية -
للتعامل مع العدو باللغة التي يفهما ، و ستثبت المقاومة و العمليات
الاستشهادية أنها كفيلة - بإذن الله - بانتزاع النصر و دحر الاحتلال
، تماما كما فعلت المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان .
ليس من الحكمة و
لا من الكياسة لرموز السلطة و كتّابها في معرض هجومهم على العمليات
الاستشهادية إعادة معزوفة الاتهامات القديمة لحركة حماس و قوى
المقاومة بتلقي الدعم الخارجي ، فهذه يمكن أن تكون تهمة عند العدو
الصهيوني ، لكن أن تكون تهمة لدى السلطة أو كتّابها فهذا يسيء لمن
يطرحها و لا يسيء للمقاومة ، فمن حق شعبنا أن يتلقى دعم الأمة
العربية و الإسلامية في جهاده و مقاومته ، بل من واجب الأمة أن تقدم
الدعم بالمال و السلاح لشعبنا ، و هذا ليس تهمة بل كان و لا زال
مطلبا شعبيا ضاغطا ، فمعركتنا مع العدو هي معركة الأمة جمعاء . ثم أن
هؤلاء الذين يسوقون مثل هذه التهم المتهافتة ينسون أن السلطة نفسها
تعيش على الدعم المالي الخارجي ليس من الدول العربية فحسب بل من
أمريكا و الدول الأوروبية ، كما أنها حاولت الحصول على السلاح من
خلال الدعم الخارجي و الذي كان آخره سفينة الأسلحة التي ضبطها العدو
، و في حينه فقد اعتبرنا ذلك حقا و واجبا.
البعض يطرح
مقولة إن العمليات الاستشهادية من شأنها أن تهز هيبة السلطة ، و
تظهرها بمظهر العاجز الذي لا يستطيع وقفها و الوفاء بالتزاماته أمام
(إسرائيل) و أمريكا ، و هؤلاء يضعون رؤوسهم في الرمال كالنعامة و
يتجاهلون حقيقة أن (إسرائيل) هي التي لم تترك للسلطة هيبة تذكر من
خلال تدميرها لمقراتها و مؤسساتها و أجهزتها الأمنية و حصارها لرئيس
السلطة و منعه و كل رجالات السلطة من التحرك إلا بإذن منها ، و
نتساءل لماذا يتذكر هؤلاء هيبة السلطة عندما تقوم المقاومة بالرد
على العدو الصهيوني و الدفاع عن شعبنا و الثأر لشهدائه ؟ و لا
يتذكرون هذه الهيبة عندما تقف السلطة عاجزة عن الدفاع عن شعبنا ، و
هل بقي من هيبة السلطة شيء و العدو يقوم بتدمير المخيمات و اقتحام
المدن و حصار الشعب و فرض شروطه بتسليم المناضلين و وضعهم في سجن تحت
إشراف أمريكي و بريطاني ، و هل بقي للسلطة هيبة أو سلطة حين توافق
على إبعاد بعض المحاصرين من أبناء شعبنا في كنيسة المهد إلى قبرص ، و
تكون بذلك قد فتحت الباب لسياسة الإبعاد من جديد .
أستغرب من أولئك
الذين يقولون إن حركة حماس ضربت رأي الغالبية الساحقة من الفلسطينيين
بعرض الحائط من الذين يعارضون هذا النمط من العمليات ، ذلك أن
العمليات الاستشهادية تحوز على تأييد و التفاف شعبي عارم في أوساط
الشعب الفلسطيني و الشعوب العربية و الإسلامية التي هي مع المقاومة و
مع العمليات الاستشهادية و ضد التسوية و التفريط و استجداء شارون من
جديد ، و من يقول غير ذلك فهو يحاول تضليل الرأي العام و قلب الحقائق
الراسخة على الأرض ، و يكفي أن نقول إن هذا النمط من العمليات الذي
بدأته حركة حماس أصبح نمطا يحتذى من كل الفصائل الفلسطينية الوطنية
الأخرى .
|