|
الواقع الذي
تعيشه الأمة العربية في هذه المرحلة بالذات يدعونا إلى التساؤل عما إذا
كان التاريخ يعيد نفسه بعد سقوط بغداد و احتلال العراق على يد قوات الغزو
الأمريكي- البريطاني ، و التهديد باحتلال سوريا ، و ضرب حركات المقاومة
سواء في لبنان أو في فلسطين ؟!
و السؤال الكبير
الذي لا بد من طرحه في هذه الأيام الصعبة هو : هل صحيح أن العرب – و من
ضمن أوضاعهم القائمة - لا يملكون خيارًا إلا الرضوخ للمخطط الأمريكي –
البريطاني - الصهيوني الذي يستهدف السيطرة على المنطقة و دفع العرب إلى
الصحراء ؟! و ما هو المطلوب عمليـًا من أجل منع "جريمة الاستسلام" ، و
بالتالي الحيلولة دون تبرير الحلول الأمريكية - الصهيونية التي تستهدف
الوجود العربي بأسره ؟! .
إن متابعة سلسلة
الأحداث و التغيرات عبر العشرين سنة الماضية و بالأحرى منذ الحرب
العراقية - الإيرانية ، نجد أن القوى المسؤولة الحاكمة بأسرها من رأس
الهرم إلى قاعدته و بالعكس ، قد قدّمت المهم في قضيتـنا الأساسية على
الأهم ، مما جعلها تتخبط و تتـناقض على الصعيدين الداخلي و الخارجي ، و
الذي لا ريب فيه أن ذلك لم يحدث بالصدفة مطلقـًا في معظمه ، إنما حدث
بالوعي الكامل في الكثير من الحالات ، كما تم نتيجة للجهل و سوء التدبير
و عدم الوعي في كثير من الحالات الأخرى .
نقول هذا من خلال
عدم تجاهلنا لكافة الحقائق حتى لا تتجاهلنا هذه الحقائق نفسها ! . لسنا
هنا في مجال التـنديد أو التهويل ، و توزيع قرابين الاتهام على الآخرين ،
و لكن هناك أكثر من ظاهرة خطر داهم يدعونا إلى القول إن اتفاقية "سايكس-
بيكو" جديدة في طريقها إلى التـنفيذ على مشرقنا العربي تحت مسمى اتفاقية
"بوش - بلير" ، مما يحتم علينا التأكيد بأن قضايانا المصيرية لا يمكن و
لا يجوز معالجتها على مستوى الصفقة بالرضوخ للمخطط المعادي ، و كأنها لا
تتعلق بوجود هذه الأمة حاضرًا و مستقبلاً .
بعد الحرب
العالمية الأولى قسّم الأوروبيون المنطقة ، و أعادوا تشكيلها على هواهم ،
و فاز اليهود بوعد "آرثر بلفور" وزير الخارجية البريطاني الذي أعطاهم حق
إقامة دولة لهم فوق أرض فلسطين ، كما أن الذين وثقوا في بريطانيا و
تحالفوا معها ، و استخدموا في الهجوم على الدولة العثمانية و اجتياح
مواقعها في الحجاز ، هؤلاء خدعوا في النهاية ، رغم وجود "بروتوكول دمشق"
و اتفاق "حسين- مكماهون" - (الشريف حسين بن علي و المندوب السامي
البريطاني في مصر) – و لا ننسى أن البريطانيين الذين طمأنوا الشريف حسين
بن علي و عقدوا معه اتفاقـًا للشراكة في عام 1916م ، أداروا له ظهورهم و
اتفقوا سرًا مع الفرنسيين على تقاسم النفوذ في العالم العربي في العام
ذاته ! .
فقد وزّعت
بريطانيا و فرنسا البلاد العربية بينهما في 9 مايو "أيار" 1916م ، و وقع
على وثيقة التوزيع كل من "مارك سايكس" عضو البرلمان البريطاني و المندوب
السامي و شؤون الشرق الأدنى ، و "جورج بيكو" قنصل فرنسا السابق في بيروت
و معتمدها السامي ، و قد عرفت هذه الاتفاقية باتفاقية "سايكس- بيكو" ، و
العرب سادرون في ثقتهم ببريطانيا ، و ماضون في شحذ أسنة حرابهم لمحاربة
الأتراك ، و الشريف حسين آمن لما في حافظته من رسائل ، و لما في الرسائل
من عهود و مواثيق .
و الآن و بعد
احتلال عاصمة الرشيد ، يبدو أنه في غمرة التـنظير و التفسير و التبرير
لما حدث نسينا كل الحقائق الأساسية أو تجاهلناها خجلاً ، لأنها تمسّ
ذواتـنا جميعـًا ، و لأنها تفضحنا و تعرينا بيننا و بين أنفسنا بتـناسينا
لأبسط القيم و المثل التي هي جزء من حضارتـنا و تاريخنا و مصالحنا ، و
بالتالي تتعلق بصميم نظرتـنا المستجدة الخاطئة و الطارئة للبديهيات في
قضايا الوطن و الأوطان .
من الأمور التي
تعيد نفسها هذه الأيام ، و التي نشأت عن التغير في موازين القوة ، أن
الأقوياء و المستكبرين لم يخفوا مقاصدهم ، و إنما أعلنوا صراحة عن أن
المنطقة ستكون هدفـًا لإعادة التشكيل ، حيث لم يعد هناك ما يدعو إلى
إخفاء السر ، و إذا بقيت هناك أسئلة كثيرة حول من و أين و كيف و متى ،
إلا أن المقاصد واضحة و لم يخفها وزير الخارجية الأمريكي و غيره من أركان
الإدارة الأمريكية و مسئوليها ، فقد قالوا صراحة إن المستهدف هو تحقيق
المصالح الأمريكية، و تصفية القضية الفلسطينية ، ليست تلك هي الصدمة
الوحيدة ، و إنما ما يصدم المرء حقـًا هو هذا الصمت المريب المخيم على
العالم العربي ، الذي يبدو و كأنه أقرب إلى الاستسلام لعملية الذبح ، في
الوقت الذي تدل إشارات كثيرة إلى أنه لن يسلم منها أحد ، بصورة مباشرة أو
غير مباشرة ، و هو ما قاله وزير الخارجية الأمريكي كولن باول قبل العدوان
الأمريكي - البريطاني على العراق بأيام قليلة عن إعادة تشكيل المنطقة بعد
إسقاط النظام العراقي .
إن فكرة إعادة
تشكيل منطقة الشرق الأوسط ليست جديدة تمامـًا ، فالكلام عن إعادة رسم
خرائط المنطقة الذي بدأ مع احتلال العراق ، و التهديد باحتلال سوريا ، و
ضرب حزب الله و حماس و الجهاد ، تردّد على ألسنة بعض المسئولين في
الإدارة الأمريكية ، و من لفّ لفهم من الغلاة و أقرانهم المهووسين و
المتعصبين ، الذين يتوهمون بأن الله كلف أمريكا بمهمة تطهير العالم من
الأشرار و إقامة "مملكة الرب" .
لقد تابعنا ما
قاله نائب وزير الدفاع الأمريكي بول ولفوفيتـز أحد أولئك الغلاة من أن
الوقت قد حان لتغيير موازين القوة في منطقة الشرق الأوسط ، ليس فقط
سعيـًا إلى تغيير "النظام" في هذا البلد أو ذاك ، و إنما أيضـًا عبر
إنهاء دول بكاملها . و هو أيضـًا من قال إن شعوب العالم العربي إذا لم
تكن قادرة على تغيير الحكومات المستبدة في المنطقة ، فإن الولايات
المتحدة - التـزامـًا بمهمتها "الرسالية" ! - ستقوم بذلك نيابة عنهم .
كلام الغلاة و
المتعصبين حمل على الغلو و التعصب ، و لم يحمل على السياسة الأمريكية ،
ربما من باب التمنيّ أو حسن الظن ، شجعنا على ذلك في الأغلب أن وزير
الخارجية كولن باول كانت له مقاربة مختلفة للموضوع ، بدت في حينها أكثر
دبلوماسية . فقد تحدّث باول في 12 ديسمبر الماضي عما أسماه "مبادرة
المشاركة من أجل الديموقراطية و التـنمية" ، و قد رفع شعار "نحو مزيد من
الديموقراطية في العالم الإسلامي" ، و رغم أن كثيرين منا امتعضوا حينما
استقبلوا المبادرة ، لأنها بمثابة دسّ للأنف الأمريكي في شؤوننا الداخلية
، إلا أن الكلام ظلّ عند الحدود التي احتملت الأخذ و الرد فيها ، بدليل
أن منا من رأى فيها إشارات إيجابية قد تستفيد منها الشعوب العربية ، و
منا من رفضها جملة و تفصيلاً . غير أن تلك الصورة اختلفت بعد أيام قليلة
و في غمرة الاستعداد لشن العدوان على العراق .
ففي شهادته أمام
لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ التي عقدت يوم الخميس 6 فبراير
الماضي أطلّ علينا كولن باول بوجه صقوري بامتياز ، يخاطبنا بلغة
وولفوفيتـز ، فيعلن أن إطاحة الرئيس صدام حسين قد تعيد تشكيل الشرق
الأوسط بصورة جذرية ، على نحو يعزز المصالح الأمريكية ، و يساعد في إنهاء
الصراع العربي- (الإسرائيلي) ، الأمر الذي يعني أننا بإزاء سياسة دولة و
ليس اجتهاد شخص أو تعبيرًا عن رؤيته و مزاجه الخاص .
إن التدقيق في
كلام باول يعني أن الرجل تخلّى عن فكرة المشاركة التي أطلقها في مبادرته
السابقة ، و بالتالي فدول الشرق الأوسط - ما عدا (إسرائيل) - مقبلة على
إعادة تشكيل هدفه تحقيق مصالح الولايات المتحدة المتمثلة في تأمين منابع
النفط و ضمان الانصياع للإرادة الأمريكية و فرض السلام مع (إسرائيل) و
إنهاء الصراع العربي- (الإسرائيلي) عبر إغلاق ملف القضية تمامـًا .
إن الأسباب
الحقيقية للمأزق الذي تعيشه الأمة العربية اليوم ينبع من ذاتها ، و من
داخلها في الأساس ، و كذلك من وجود كل العوامل و التيارات و الحقائق
الموضوعية الخارجية التي لا يمكن تجاهلها أبدًا . قد جاءت مواقفنا في
معظمها ردة فعل على فعل فوقعنا في المحظور الكبير ، و خلطنا بين
الاستراتيجية و التكتيك ، فضاعت الرؤية منا ، و ضاعت معالم الطريق .
يجب على الجميع
أن يدرك أن الذي يقرّر مصير الأمة العربية ليس بوش و بلير ، و ليس حجم
الهجمة و شمولها و همجيتها ، و إنما الذي يقرّر مصير الأمة هو الأسلوب
الذي تأخذ به الأمة هذه الهجمة فهمـًا و معالجة ، و أنه ليس خيار العرب
الرضوخ للمخطط الإمبريالي الجديد ، و إنما خيارهم في إيجاد الوسيلة
المناسبة لمواجهة الهجمة المعادية ، فالمعركة أكبر من الجميع ، و أكبر من
القيادات ، و أكبر من القادة أنفسهم ، و ليس أجدى و أفعل منها في استرداد
الكرامة المهيضة و الحق السليب .
|