الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عادل أبو هاشم

عودة

 

من عهد سايكس- بيكو إلى زمن بوش - بلير

 

بقلم / الأستاذ عادل أبو هاشم

كاتب وصحفي فلسطيني - الرياض

 

الواقع الذي تعيشه الأمة العربية في هذه المرحلة بالذات يدعونا إلى التساؤل عما إذا كان التاريخ يعيد نفسه بعد سقوط بغداد و احتلال العراق على يد قوات الغزو الأمريكي- البريطاني ، و التهديد باحتلال سوريا ، و ضرب حركات المقاومة سواء في لبنان أو في فلسطين ؟!

و السؤال الكبير الذي لا بد من طرحه في هذه الأيام الصعبة هو : هل صحيح أن العرب – و من ضمن أوضاعهم القائمة - لا يملكون خيارًا إلا الرضوخ للمخطط الأمريكي – البريطاني - الصهيوني الذي يستهدف السيطرة على المنطقة و دفع العرب إلى الصحراء ؟! و ما هو المطلوب عمليـًا من أجل منع "جريمة الاستسلام" ، و بالتالي الحيلولة دون تبرير الحلول الأمريكية - الصهيونية التي تستهدف الوجود العربي بأسره ؟! .

إن متابعة سلسلة الأحداث و التغيرات عبر العشرين سنة الماضية و بالأحرى منذ الحرب العراقية - الإيرانية ، نجد أن القوى المسؤولة الحاكمة بأسرها من رأس الهرم إلى قاعدته و بالعكس ، قد قدّمت المهم في قضيتـنا الأساسية على الأهم ، مما جعلها تتخبط و تتـناقض على الصعيدين الداخلي و الخارجي ، و الذي لا ريب فيه أن ذلك لم يحدث بالصدفة مطلقـًا في معظمه ، إنما حدث بالوعي الكامل في الكثير من الحالات ، كما تم نتيجة للجهل و سوء التدبير و عدم الوعي في كثير من الحالات الأخرى .

نقول هذا من خلال عدم تجاهلنا لكافة الحقائق حتى لا تتجاهلنا هذه الحقائق نفسها ! . لسنا هنا في مجال التـنديد أو التهويل ، و توزيع قرابين الاتهام على الآخرين ، و لكن هناك أكثر من ظاهرة خطر داهم يدعونا إلى القول إن اتفاقية "سايكس- بيكو" جديدة في طريقها إلى التـنفيذ على مشرقنا العربي تحت مسمى اتفاقية "بوش - بلير" ، مما يحتم علينا التأكيد بأن قضايانا المصيرية لا يمكن و لا يجوز معالجتها على مستوى الصفقة بالرضوخ للمخطط المعادي ، و كأنها لا تتعلق بوجود هذه الأمة حاضرًا و مستقبلاً .

بعد الحرب العالمية الأولى قسّم الأوروبيون المنطقة ، و أعادوا تشكيلها على هواهم ، و فاز اليهود بوعد "آرثر بلفور" وزير الخارجية البريطاني الذي أعطاهم حق إقامة دولة لهم فوق أرض فلسطين ، كما أن الذين وثقوا في بريطانيا و تحالفوا معها ، و استخدموا في الهجوم على الدولة العثمانية و اجتياح مواقعها في الحجاز ، هؤلاء خدعوا في النهاية ، رغم وجود "بروتوكول دمشق" و اتفاق "حسين- مكماهون" - (الشريف حسين بن علي و المندوب السامي البريطاني في مصر) – و لا ننسى أن البريطانيين الذين طمأنوا الشريف حسين بن علي و عقدوا معه اتفاقـًا للشراكة في عام 1916م ، أداروا له ظهورهم و اتفقوا سرًا مع الفرنسيين على تقاسم النفوذ في العالم العربي في العام ذاته ! .

فقد وزّعت بريطانيا و فرنسا البلاد العربية بينهما في 9 مايو "أيار" 1916م ، و وقع على وثيقة التوزيع كل من "مارك سايكس" عضو البرلمان البريطاني و المندوب السامي و شؤون الشرق الأدنى ، و "جورج بيكو" قنصل فرنسا السابق في بيروت و معتمدها السامي ، و قد عرفت هذه الاتفاقية باتفاقية "سايكس- بيكو" ، و العرب سادرون في ثقتهم ببريطانيا ، و ماضون في شحذ أسنة حرابهم لمحاربة الأتراك ، و الشريف حسين آمن لما في حافظته من رسائل ، و لما في الرسائل من عهود و مواثيق .

و الآن و بعد احتلال عاصمة الرشيد ، يبدو أنه في غمرة التـنظير و التفسير و التبرير لما حدث نسينا كل الحقائق الأساسية أو تجاهلناها خجلاً ، لأنها تمسّ ذواتـنا جميعـًا ، و لأنها تفضحنا و تعرينا بيننا و بين أنفسنا بتـناسينا لأبسط القيم و المثل التي هي جزء من حضارتـنا و تاريخنا و مصالحنا ، و بالتالي تتعلق بصميم نظرتـنا المستجدة الخاطئة و الطارئة للبديهيات في قضايا الوطن و الأوطان .

من الأمور التي تعيد نفسها هذه الأيام ، و التي نشأت عن التغير في موازين القوة ، أن الأقوياء و المستكبرين لم يخفوا مقاصدهم ، و إنما أعلنوا صراحة عن أن المنطقة ستكون هدفـًا لإعادة التشكيل ، حيث لم يعد هناك ما يدعو إلى إخفاء السر ، و إذا بقيت هناك أسئلة كثيرة حول من و أين و كيف و متى ، إلا أن المقاصد واضحة و لم يخفها وزير الخارجية الأمريكي و غيره من أركان الإدارة الأمريكية و مسئوليها ، فقد قالوا صراحة إن المستهدف هو تحقيق المصالح الأمريكية، و تصفية القضية الفلسطينية ، ليست تلك هي الصدمة الوحيدة ، و إنما ما يصدم المرء حقـًا هو هذا الصمت المريب المخيم على العالم العربي ، الذي يبدو و كأنه أقرب إلى الاستسلام لعملية الذبح ، في الوقت الذي تدل إشارات كثيرة إلى أنه لن يسلم منها أحد ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، و هو ما قاله وزير الخارجية الأمريكي كولن باول قبل العدوان الأمريكي - البريطاني على العراق بأيام قليلة عن إعادة تشكيل المنطقة بعد إسقاط النظام العراقي .

إن فكرة إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط ليست جديدة تمامـًا ، فالكلام عن إعادة رسم خرائط المنطقة الذي بدأ مع احتلال العراق ، و التهديد باحتلال سوريا ، و ضرب حزب الله و حماس و الجهاد ، تردّد على ألسنة بعض المسئولين في الإدارة الأمريكية ، و من لفّ لفهم من الغلاة و أقرانهم المهووسين و المتعصبين ، الذين يتوهمون بأن الله كلف أمريكا بمهمة تطهير العالم من الأشرار و إقامة "مملكة الرب" .

لقد تابعنا ما قاله نائب وزير الدفاع الأمريكي بول ولفوفيتـز أحد أولئك الغلاة من أن الوقت قد حان لتغيير موازين القوة في منطقة الشرق الأوسط ، ليس فقط سعيـًا إلى تغيير "النظام" في هذا البلد أو ذاك ، و إنما أيضـًا عبر إنهاء دول بكاملها . و هو أيضـًا من قال إن شعوب العالم العربي إذا لم تكن قادرة على تغيير الحكومات المستبدة في المنطقة ، فإن الولايات المتحدة - التـزامـًا بمهمتها "الرسالية" ! - ستقوم بذلك نيابة عنهم .

كلام الغلاة و المتعصبين حمل على الغلو و التعصب ، و لم يحمل على السياسة الأمريكية ، ربما من باب التمنيّ أو حسن الظن ، شجعنا على ذلك في الأغلب أن وزير الخارجية كولن باول كانت له مقاربة مختلفة للموضوع ، بدت في حينها أكثر دبلوماسية . فقد تحدّث باول في 12 ديسمبر الماضي عما أسماه "مبادرة المشاركة من أجل الديموقراطية و التـنمية" ، و قد رفع شعار "نحو مزيد من الديموقراطية في العالم الإسلامي" ، و رغم أن كثيرين منا امتعضوا حينما استقبلوا المبادرة ، لأنها بمثابة دسّ للأنف الأمريكي في شؤوننا الداخلية ، إلا أن الكلام ظلّ عند الحدود التي احتملت الأخذ و الرد فيها ، بدليل أن منا من رأى فيها إشارات إيجابية قد تستفيد منها الشعوب العربية ، و منا من رفضها جملة و تفصيلاً . غير أن تلك الصورة اختلفت بعد أيام قليلة و في غمرة الاستعداد لشن العدوان على العراق .

 ففي شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ التي عقدت يوم الخميس 6 فبراير الماضي أطلّ علينا كولن باول بوجه صقوري بامتياز ، يخاطبنا بلغة وولفوفيتـز ، فيعلن أن إطاحة الرئيس صدام حسين قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط بصورة جذرية ، على نحو يعزز المصالح الأمريكية ، و يساعد في إنهاء الصراع العربي- (الإسرائيلي) ، الأمر الذي يعني أننا بإزاء سياسة دولة و ليس اجتهاد شخص أو تعبيرًا عن رؤيته و مزاجه الخاص .

إن التدقيق في كلام باول يعني أن الرجل تخلّى عن فكرة المشاركة التي أطلقها في مبادرته السابقة ، و بالتالي فدول الشرق الأوسط - ما عدا (إسرائيل) - مقبلة على إعادة تشكيل هدفه تحقيق مصالح الولايات المتحدة المتمثلة في تأمين منابع النفط و ضمان الانصياع للإرادة الأمريكية و فرض السلام مع (إسرائيل) و إنهاء الصراع العربي- (الإسرائيلي) عبر إغلاق ملف القضية تمامـًا .

 إن الأسباب الحقيقية للمأزق الذي تعيشه الأمة العربية اليوم ينبع من ذاتها ، و من داخلها في الأساس ، و كذلك من وجود كل العوامل و التيارات و الحقائق الموضوعية الخارجية التي لا يمكن تجاهلها أبدًا . قد جاءت مواقفنا في معظمها ردة فعل على فعل فوقعنا في المحظور الكبير ، و خلطنا بين الاستراتيجية و التكتيك ، فضاعت الرؤية منا ، و ضاعت معالم الطريق .

يجب على الجميع أن يدرك أن الذي يقرّر مصير الأمة العربية ليس بوش و بلير ، و ليس حجم الهجمة و شمولها و همجيتها ، و إنما الذي يقرّر مصير الأمة هو الأسلوب الذي تأخذ به الأمة هذه الهجمة فهمـًا و معالجة ، و أنه ليس خيار العرب الرضوخ للمخطط الإمبريالي الجديد ، و إنما خيارهم في إيجاد الوسيلة المناسبة لمواجهة الهجمة المعادية ، فالمعركة أكبر من الجميع ، و أكبر من القيادات ، و أكبر من القادة أنفسهم ، و ليس أجدى و أفعل منها في استرداد الكرامة المهيضة و الحق السليب .