|
شهيدنا رامي سعد ..
ليس من السهل أن
يكتب المرء عن رامي سعد ، فالرجل ليس شهيدًا و حسب ، إنه شاعر و أديب و
مجاهد ، و هو فوق ذلك يتدفق شفافية و يفيض أحاسيس .
كل كتابة عنه ستكون
ناقصة ، لأن قضيته لم تكتمل بعد .
ذلك أن "أبا نور" لم
يكن في حياته و في التـزامه مجرّد شخصٍ اختار طريق الجهاد و النضال و
المقاومة ، بل كان إلى جانب ذلك نموذجـًا بارزًا لجيل فلسطيني كاملٍ هو
جيل انـتفاضة الأقصى ، انـتفاضة الحرية و الاستقلال ، و من خلال تمثيله
لهذا الجيل ، و من خلال تعبيره عنه بالبندقية المقاتلة و الكلمة الحرة
الأبية ، اكتسب قيمته كمناضلٍ و كمعلم و كرمزٍ لهذا الجيل .
أن يستشهد رامي سعد
فهذا أمر طبيعي ، فلقد استشهد في كلّ لحظة من لحظات حياته القصيرة
زمنيـًا ، الطويلة جهادًا و نضالاً ، فسيرة نضاله من أجل وطنه و شعبه و
قضيته العادلة ، كان الاستشهاد نهايتها الطبيعية ، و سيرة نضاله هي في
الواقع حياته العملية كلها .
فقد طلب "أبو نور"
الاستشهاد لنفسه ، و عمل له ، و سعى إليه ، لأنه آمن به .
آمن بأن العمل
لفلسطين لا حدود له ، و أن فجر النصر آتٍ لا محالة رغم الظلام الحالك
الذي يلفّ الأمة ، و أن الدم و المشاركة في الجهاد ضد المحتل لا تكون من
بعيد ، و أن هناك طريقـًا آخر غير طريق الخنوع و الاستسلام ، أو القبول
بالفتات أو انـتظار ما يسمح به العدو الصهيوني بالتـنازل عنه ألا و هو
طريق الجهاد و الاستشهاد .
لقد آمن رامي سعد أن
الكتابة الثورية (و هي هوايته و قناعته و معاناته في آنٍ واحد) لا معنى و
لا أثر لها إذا لم تتجسّد بالممارسة و السلوك اليومي ، و أن مقاومة
المحتل لا تتحمّل المواقف الوسط ، و لا المهادنة ، و لا التأجيل ، و لا
الاستراحة ، وأن الكلمة الثائرة لا تعرِف المواربة ، و لا الدبلوماسية ،
و لا التلفيق ، و لا الاصطناع .
لقد كان في رامي سعد
من صدق المجاهد و جرأته ما يعجز الواقع عن تحمّله ، فيثير فيه بكلماته و
أشعاره و أعماله موجات متلاحقة من التأزم فيجعل هذا الواقع قلقـًا
مستـنفرًا يبحث عن الحقيقة بكلّ ما فيها من مرارة ، و عن الخلاص بكلّ ما
فيه من تضحيات .
كان رامي سعد صورة
من صور الحياة النابضة بالمقاومة و الوطنية و الطموح الخلاق ، يرنو إلى
العلا في كلّ مجال من مجالاته ، و يتقن فن الجهاد و المقاومة و يحفظ
دروسها عن ظهر قلب ، و يلقّنها لأبناء شعبه البطل .
لقد كان تلميذًا و
أستاذاً في آنٍ واحد .
فقد عظّم الكلمة في
فكره و عقيدته ، و قدر العمل في نضاله و كفاحه اليومي ، و سبق الآخرين
بنظره الثاقب ، فكان فارسـًا يجيد السباق في كلّ ميدان من ميادين الجهاد
و النضال و العمل الوطني .
كان رامي سعد صاحب
حجة قوية و عقلٍ منظّم و ذهن وقّاد تتدافع الأفكار في رأسه كأمواج البحر
تتلاطم بعنفٍ لتعود مرة أخرى إلى الأعماق في حركة مد و جزر واعية مستمرة
لا تـنقطع أبدًا .
يبدو أن العدو
الصهيوني قد سبقنا بتقييم أهمية رامي سعد في حياته ، حتى أخذنا الآن ندرك
حقيقة عظمته بعد استشهاده ، فالعدو أدرك أن رامي سعد كان عاملاً رئيسيـًا
في جعل قتاله محببـًا للجماهير ، مما يعني أن بقاءه سيكون من العوامل
المساعدة على ديمومة الانـتفاضة ، و استعداد الجماهير و رغبتها في أن
تمدّها بالمزيد من المجاهدين .
كان العدو الصهيوني
يدرِك أن دور رامي سعد في كونه شاعرًا في ملحمة الانـتفاضة ، من شأنه أن
يرسّخ في وجدان الجماهير ديمومة الانـتفاضة و حتمية انـتصارها .
من الصعب أن أرثي
الشهيد رامي سعد بالكلمة و هو الذي رثا قبل أيام قليلة الشهيد طارق أيوب
، و من الصعب أن أرثيه بالدمع الساخن لأن مآقينا جفت منذ عشرات السنين .
جفت مآقينا منذ أن
وطأت أول قدم صهيونية أرض وطننا الحبيب .
جفت مآقينا منذ أن
سقط أول شهيد فلسطيني برصاص العدو الصهيوني .
فلن نرثي بعد اليوم
شهداءنا ، بل سنثأر لهم من قتلتهم ، من عدونا الأبديّ و الأزلي ، سارق
أرضنا و أحلام طفولتـنا .
عاش رامي سعد حياة
قصيرة ، و لكنها عريضة كما يقولون ، و لم يكن ابنـًا بارًا لأهله و
عائلته و شعبه و وطنه بالمفهوم الأخلاقيّ للكلمة فحسب ، و لكنه كان
ابنـًا بارًا لشعبه و وطنه بالمفهوم الإبداعي للكلمة أيضـًا .
لقد علّمنا رامي
دروسـًا كثيرة في الانسجام و الصدق و الاحترام من أجل قضيتـنا العادلة ،
و أول ما علّمنا إياه هو أن الفلسطيني يفقد ذاته و حضوره الإنساني في
العالم و الكون إذا كفّ عن أن يكون فلسطينيـًا .
ستبقى كلّ كتابة عن
رامي سعد ناقصة ، لأن قضيته هي قضية الشعب الفلسطيني كله ، هي قضية الجيل
الذي يصنع المسيرة ، و هي قضية لم تكتمل بعد.
لقد كان رامي سعد في
حياته شعلة مضيئة في زمن الظلام العربي الدامس ، فرسم لنا الطريق ، و
أثبت بدمائه الطاهرة أن الشعب الذي يزرع أرضه بالتضحية لا بدّ و أن يحصد
النصر .
كانت "الحقائق"
تعتـز برامي سعد أخـًا و صديقـًا و زميلاً : يكتب لها و يشير عليها ،
يعلّق على محتوياتها ، و ينـتقد بقسوة و بصدق و بإخلاص .
و بفقدان رامي سعد
تفقد "الحقائق" واحدًا من أخلص و أقدم و أجرأ رجالاتها ، و تفقد أيضـًا
صوتـًا مشجعـًا و نبرة محذّرة و قلمـًا جبارًا و قلبـًا واسعـًا ، و تخسر
أخـًا .
لقد خسرنا رامي سعد
بإخلاصه و قدرته و جرأته ، و بصوته المشجّع و نبرته المحذّرة و قلمه
الجبار و قلبه الواسع ، و خسرنا الأخ ، و لسوف نفتقده كثيرًا ، و نفتقده
طويلاً .
لقد استشهد رامي سعد
و تركنا فجأة ، و لكنها ليست مفاجأة على الإطلاق أن يستشهد "أبو نور" ،
فالذي يعيش حياته كلها مناضلاً تكون الشهادة نصب عينيه دائمـًا ، و حين
تأتي ، تأتي كجزءٍ من العمل ، تأتي كرمزٍ لهذا العمل ، تمامـًا مثل الرمز
الذي حمله معه في كلّ لحظة من لحظات الانـتفاضة ، كلّ ما فعله رامي أنه
أكمل الرمز حتى النهاية .
فهنيئـًا لك الشهادة
و وسامها يا رامي ، و نم قرير العين ، فإن رحلت عنا فسينبت فينا ألف رامي
سعد نجوماً في سماء الوطن و عنوان الأمل القادم ، و لتظلّ ذكراك أنشودة
فلسطينية متجدّدة على لسان الأطفال و الأمهات ، يزرعنها في الأبناء جيلاً
بعد جيل حتى تحين ساعة النصر بإذن الله .
رامي سعد ..
و نحن نستعيد مسيرة
جهادك و نضالك و تضحياتك و استشهادك ، و نحن نغمِض أجفاننا على طيفك ، و
نضمّك إلى جوانحنا ، نكتب لزوجتك الفاضلة الصابرة السيدة "أمية جحا" و
طفلتك البريئة "نور" ، و للحزانى من شعبك و أهلك و إخوانك و أصدقائك ما
كنت أنت ستقوله لهم جميعـًا في مثل هذا المجال ، حول استشهاد مجاهدٍ عنيد
من مجاهدي شعبنا البطل .
اليوم عرسك يا "أبا
نور" في جنة الرحمن ..
في مقعد صدق عند ملك
مقتدر ..
اليوم يستقبلك
الشهداء الأبرار .. و حسن أولئك رفيقـًا ..
هذا هو العرس الذي
لا ينـتهي .
في ساحة لا تـنتهي .
في ليلة لا تـنتهي
..
هذا هو العرس
الفلسطينيُ .
لا يصل الحبيبُ إلى
الحبيبْ .
إلا شهيدًا أو
شريدًا .
|