|
ثقافة المقاطعة ضرورة عملية لمواجهة الهيمنة
دمشق - يوسف
البجيرمي
صحيفة البيان الإماراتية
24/3/2003
الثقافة بمعناها الأوسع هي
«مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية الخاصة، التي تميز مجتمعاً
بعينه أو فئة اجتماعية بعينها وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والإنتاج
الاقتصادي، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات»،
ومن هنا فإن ثقافة المقاطعة هي أن يتأكد في وجداننا ومداركنا وممارستنا من تقاطع
ولماذا نشاركهم في هذا الفعل الذي جمع بيننا؟ ثقافة المقاطعة كفكر ننقل هذا إلى
الآخرين وكيف تنعكس في مأكلنا وفي ملبسنا وفيما نقرأ وفيما نشاهد ونسمع، بهذه
الأسئلة بدأ الدكتور مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل المصري مداخلته
التي قدمها أمام مؤتمر الأحزاب العربية الذي عقد مؤخراً في دمشق.
قال الدكتور مجدي قرقر: إن
أمتنا العربية والإسلامية تواجه هجمة غربية شرسة من الحلف الصهيوني الأميركي
تستهدف شعوبها وخيراتها وهويتها بل وتستهدف بقاءها ذاته على وجه البسيطة وفي
مواجهة هذه الهجمة يبرز نهجان: نهج الاستسلام ونهج المقاومة ويظن أصحاب النهج
المستسلم أنهم بهذا ينجون بأنفسهم وربما بأوطانهم رغم أنهم لا يضمنون النجاة
بأنفسهم فما بالنا بالأوطان؟ وهم يتناسون عن عمد أو عن غفلة أن الحلف الصهيوني
الأميركي لو تمكن منا فإنه لن يرضى إلا بتقسيم أمتنا وشرذمتها وتقطيع أوصالها، ثم
إنه لن يرضى إلا أن نكون عبيداً على أرضنا نعمل لخيره باستنزاف خيرات أوطاننا
لصالحه، فهل تكون هذه حياة؟
وهل تكون هذه نجاة؟ ألا بئس
الحياة والنجاة التي ينشدونها (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا
يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر...) هناك نهجان: نهج
التطبيع ونهج المقاومة والمقاطعة فماذا نختار منهما؟ ليس أمامنا إلا نهج المقاومة
التي نستلهمها من ثقافتنا في تاريخنا القريب والبعيد والتي حمت الأمة في مواجهة
الكثير من الهجمات التي استهدفتها وفي هذه اللحظات المصيرية الحرجة علينا أن
نتشبث بجذورنا التي تحمينا من الاقتلاع وقت الحاجة للثبات في معركة البقاء.
لقد تداعت ثقافة المقاومة
وسطع نورها بقوة في انتفاضة شعبنا المباركة في فلسطين السليبة وفي صموده المستميت
للبقاء وتجاوز ذلك بالتنكيل بالعدو الصهيوني وتهديد مصالحه وإرغام البعض منهم على
الفرار من تلك الأرض التي اغتصبوها ومن هنا قلت الحاجة إلى استدعاء جذورنا
التاريخية بعد أن استدعاها إخواننا المجاهدون وأصبحت المقاومة واقعاً معاشاً
تضاءلت أمامه السير والملاحم وأخرجت معنى البطولة من بطون الكتب وحررته من أصفاد
التاريخ حتى صار واقعاً يمشي بيننا.
وتساءل الدكتور مجدي قرقر
الأمين العام المساعد لحزب العمل المصري المعارض: لكن ماذا عن الشعوب العربية
والإسلامية؟ ماذا لو تمكن الحلف الصهيوني الأميركي من العراق الشقيق ومن بغداد
عاصمة الخلافة الإسلامية التي بثت حضارتها إلى العالم ما يربو على الخمسة قرون؟
تبحث الشعوب عن منفذ هنا أو هناك تبحث عن ثغرة في هذا الاتجاه أو ذاك ومن خلال
هذه المنافذ والثغرات وثقوب الأبواب الموصدة تبرز بعض أشكال المقاومة وفي المقدمة
منها يبرز سلاح المقاطعة كسلاح مهم من أسلحة المقاومة والصمود في معركة البقاء
التي أشرنا إليها. إن كل قرش تشتري به بضائع الأميركان والصهاينة يتحول إلى رصاص
يقتل به الفلسطينيون، فالدكتور يوسف القرضاوي يقول: لقد قلنا للحكام «اقطعوا
العلاقات» فلم يصغوا إلينا لذا فنحن نتوجه للشعوب لكي يقاطعوا المنتجات الأميركية
والصهيونية لأننا نستطيع أن نقاوم عبر المقاطعة الاقتصادية.
ويعزز الدكتور مجدي قرقر
حديثه بمقولة للبروفيسور (روبرت جنسن) وهو أستاذ في جامعة تكساس الأميركية قال
فيها: «أنا ساعدت في قتل فلسطيني اليوم وإذا كنت تدفع ضرائب للحكومة الأميركية
فأنت فعلت الشيء نفسه وإذا لم تغير أميركا من سياستها فإن الغد لن يختلف عن اليوم
«ثم يتحدث عن حجم المساعدات المالية التي تقدمها أميركا لإسرائيل فيقول: «التقرير
الذي أصدره معهد الدراسات الجنوبية يشير إلى أن الحكومة الأميركية ضخت في السنة
التي تلت اتفاقية سلام شرم الشيخ في سبتمبر 1999م ما قيمته 6.3 مليارات دولار من
الأسلحة الأميركية لإسرائيل ويمضي في الحديث عن المساعدات المالية والعسكرية التي
تقدمها أميركا لإسرائيل فيقول: «علينا أن نتذكر أن هذه الدبابات «التي تقتل
الفلسطينيين» صنعت في أميركا واشترتها "إسرائيل" بأموال المساعدات الأميركية،
المقاتلات الإسرائيلية وطائرات الهيلوكبتر وطائرات إف 16 والصقور السوداء
والأباتشي والبنادق الآلية وقاذفات الصواريخ والقنابل كلها أيضاً صناعة أميركا
دفعت قيمتها من ضرائبنا ويتم استخدامها لسحق المواطنين الفلسطينيين».
ويضيف: لقد أفتى العز بن
عبد السلام ـ رحمه الله ـ بمقاطعة التتار وعدم بيع الأسلحة لهم أو بيع ما يعينهم
على قتال المسلمين وهكذا فعل صلاح الدين الأيوبي قبل موقعة حطين عندما أراد أن
يوحد المجتمع المسلم ضد الصليبيين الغزاة فأصدر أوامر واضحة بعدم التعامل التجاري
مع الصليبيين خاصة في مجال الأسلحة لعظم تأثيرها في المعركة.
وحول الأبعاد الاقتصادية
للمقاطعة يوضح الدكتور مجدي قرقر: أن الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس
الوحدة الاقتصادية العربية قدر حجم الأموال العربية المتواجدة في الخارج
والمستثمر به بنحو 2400 مليار دولار وفق عديد من التقديرات وليس 800 مليار دولار
كما هو شائع وبين جويلي أن المنطقة العربية من أكبر مناطق العالم الطاردة لأموال
مواطنيها والأقل جذباً للاستثمار حيث لا تحصل من الاستثمار الأجنبي المباشر إلا
على نسبة لا تتجاوز 1% من إجماليه. وإن أعلى رقم من الاستثمار قد دفع للمنطقة
العربية كان في عام 2000 وبلغ 5.9 مليارات دولار. في حين حصلت الصين بمفردها في
العام نفسه على 70 مليار دولار.
وقال إنه حتى الآن فإن
المنطقة العربية لم تنتبه إلى أن أكثر من 50% من تجارة العالم تمر عبر الدول
العربية خاصة في قناة السويس والخليج والبحر المتوسط وما يحصل عليه العرب منها لا
يتجاوز رسوم مرور وخدمات ولم تقم عليها أية أعمال حتى الآن لتنمية الاستفادة منها
في مجالات السياحة وإصلاح السفن وموانئ الحاويات على سبيل المثال فهناك موانئ في
المنطقة العربية بمستوى متميز في أبوظبي والكويت والبحرين واليمن وقطر وهو ما
يستوجب وضع خطة عربية متكاملة لتحقيق الاستفادة منها. وانتقد الدكتور جويلي
انخفاض مستوى التجارة البينية بين الدول العربية والتي لا تزال عند 5.8% وإنه من
بين 154 مليار دولار واردات الدول العربية لا تستحوذ منها التجارة البينية
العربية سوى على 14 مليار دولار فقط.
وأشار إلى أن حجم التجارة
العربية على مستوى العالم لا يتجاوز 3% حيث تبلغ 398 مليار دولار صادرات وواردات
في حين يصل حجم التجارة العالمية إلى 13 تريليون دولار.
وكشف الأمين العام لمجلس
الوحدة الاقتصادية أن نحو 19 مليون عاطل موجودون في الدول العربية من بين 92
مليون نسمة من القادرين على العمل نتيجة عدم كفاية المشروعات والاستثمارات.
ويضيف: لقد جاء في تقرير
لجامعة الدول العربية أن معدلات الاستهلاك الغذائي في العالم العربي تنمو بوتيرة
تتجاوز قدرة الدول العربية على إنتاج المواد الغذائية مما أدى إلى اعتمادها بشكل
متزايد على الاستيراد، وجاء في التقرير الذي اعتمد معدوه على إحصاءات حكومية في
التوصل إلى استنتاجاتهم أن الدول العربية استوردت مجتمعة ما قيمته 23 مليار دولار
من المواد الغذائية في عام 2000 وهو مبلغ يزيد بنسبة 20 في المئة عما كان عليه
عام 1997، وأوضح التقرير أن استيراد الحبوب مثل 40% من جملة المواد الغذائية
بينما جاءت الألبان في المركز الثاني بنسبة 14% تليها الزيوت النباتية والسكر
واللحوم الحمراء، أما مجموع الإنتاج العربي من المواد الغذائية فقد بلغ في العام
الماضي زهاء 153 مليوناً من الأطنان.
ويتناول الدكتور مجدي قرقر
الأمين العام المساعد لحزب العمل المصري المعارض الأبعاد الثقافية والعلمية في
قضية المقاطعة قائلاً: يكون تبسيطاً مخلاً إذا قصرنا قضية المقاطعة على جانبها
الاقتصادي متناسين الأبعاد التنموية الأخرى وفي مقدمة هذه الأبعاد تأتي الأبعاد
الثقافية والعلمية والفكرية والاجتماعية.
وبشكل عام فلقد نجح المثقفون
العرب في مقاطعة الكيان الصهيوني ثقافياً حيث شهدت معارض الكتاب في القاهرة في
الثمانينيات عدة مظاهرات ضد مشاركة الكيان الصهيوني امتنع بعدها عن المشاركة في
السنوات التالية، الموقف نفسه تكرر في مهرجان القاهرة السينمائي حيث تصدى
الفنانون مبكراً للمشاركة وتكرر هذا المشهد الثقافي في بعض العواصم العربية
الأخرى.
بل إنه في مهرجان قرطاج
السينمائي في دورته التاسعة عشرة «2002م» ذهب الجمهور التونسي لأبعد من ذلك حينما
قاطع فيلماً تونسياً عرض داخل الكيان الصهيوني حيث تجمع عشرات الشبان من نشطاء
نوادي السينما التونسية وعشرات الطلبة الذين تشبعوا بروح المقاومة من الأفلام
الفلسطينية أمام قاعة العرض التي تستقبل فيلم «فاطمة» للمخرج التونسي خالد غربال
مطالبين الهيئة المنظمة بإلغاء عرض الفيلم في الدورة واصفين المخرج بأنه عميل
رافعين شعارات ترفض كل أشكال التطبيع مع الدولة العبرية من مثل تونس أرض الجدود
لا تطبيع مع اليهود ولا مصالح صهيونية على الأراضي التونسية، واعتصم الشبان قرابة
الساعة أمام قاعة العرض رافضين السماح بعرض الفيلم وكادت تحدث مصادمات مع قوات
الأمن التي حضرت بكثافة لولا قرار الهيئة المنظمة بسحب الفيلم من الدورة 19 لأيام
قرطاج السينمائية وإعلام المحتجين بذلك رسمياً وهو ما اعتبره الملاحظون نجاحاً
لدعاة المقاطعة للدولة العبرية ودرساً لكل من يفكر في التطبيع الثقافي ودرساً
لوزارة الثقافة التونسية التي دعمت الفيلم وسمحت بعرضه وكانت إدارة مهرجان
الإسكندرية السينمائي الذي انعقد مؤخراً قد قررت منع عرض فيلم «فاطمة» وهو ما شجع
الصحافة التونسية على مهاجمة هذا الفيلم ومخرجه واصفين إياه بالابتذال والإسفاف.
في المقابل فشلت مقاطعة
الأفلام الأميركية وهي سمة عالمية إذ تتوارى السينمات المحلية ويسيطر الفيلم
الأميركي وهي نتيجة واضحة للعولمة الثقافية التي تغزو كل مكان حتى حجرات نومنا
دون استئذان.
ويؤكد الدكتور مجدي قرقر أن
الأهم يكمن في محاربة الثقافة الأميركية ككل وليس المقاطعة الاقتصادية للبضائع
الأميركية فقط ليس لكونها ثقافة إنسانية موجودة إلى جانب الثقافات الأخرى ولكن
لكون هذه الثقافة تتميز بعدة سمات أبرزها أن القيم الثقافية وربما الإنسانية التي
تبثها هذه الأفلام مناقضة لقيمنا الثقافية إضافة إلى أن البعد الثقافي الاقتصادي
في الأفلام الأميركية يروج لثقافة الاستهلاك بما يعطي دعاية كبيرة للنمط
الاقتصادي الأميركي وبالتالي للكثير من الصناعات الأميركية أو الخدمات ونمط
الحياة على الطريقة الأميركية وبما يتعارض مع جوهر أهدافنا في مقاطعة البضائع
الصهيونية والأميركية.
وهنا يمكننا أن نتوقف عند
معنى مهم من معاني المقاطعة الثقافية لأميركا حيث يجب ألا يفهم في هذا السياق أن
نقاطع الصناعة الثقافية بمعنى أن نضع رأسنا في الرمل كالنعام وإنما المطلوب في
هذا السياق أن نزداد فهماً وإدراكاً لطبيعة الثقافة الأميركية الموجهة إلى دول
العالم ومنطقتنا منها وهذا يدفعنا أساساً إلى المطالبة بمحاربة استيراد الأفلام
السينمائية الأميركية التي تحاول نشر الثقافة الأميركية الاستهلاكية عبر مواضيعها
وما تطرحه بشكل مباشر أو غير مباشر من أفكار وعادات وقيم مخالفة لمجتمعاتنا حيث
أن هذه المقاطعة تشمل في بعض جوانبها امتحان قدرتنا على مقاطعة الصناعة
السينمائية الأبرز في العالم ألا وهي صناعة هوليوود وهذا يوضح أهمية العمل على
تشجيع الإنتاج العربي المشترك والقيام بإنتاج ثقافي يؤصل هويتنا الخاصة نستطيع من
خلالها أن نواجه الثقافة الأميركية الاستهلاكية.
وأضاف المحاضر قائلاً: إن
المواجهة الثقافية الآن مواجهة شرسة حيث أن العولمة تنتهي في مؤداها إلى اعتبار
العالم أشبه بقرية صغيرة تتداخل فيها الثقافات وتتقارب فيها الشعوب وتمتزج فيها
العادات بل وتتحد فيها المناهج التنموية وتذوب في إطار واحد سائر التطلعات
المتفرقة للأمم ومن هنا تتضح خطورة العولمة الثقافية التي تسعى لمحو ذاكرة الأمة
كما يحاولون الآن في محاولاتهم لمحو الذاكرة العربية والإسلامية بما يسمى
بالتطبيع مع الكيان الصهيوني إلا أن العولمة في المقابل تدفع الشعوب لتتحصن
بخصوصياتها وأصالتها الدينية والثقافية والحضارية حتى لا تذوب أو تغرق في طوفان
العولمة الأميركية وبالتالي فإن تمسكنا بهويتنا الدينية - إسلامية كانت أو مسيحية
- والثقافية والحضارية يشكل الأساس الأمتن في الحفاظ على الذات وحمايتها من مخاطر
العولمة.
وختم الدكتور مجدي قرقر
محاضرته بالقول يجب ألا ننساق وراء أجهزة الحلف الصهيوني الأميركي الإعلامية وإلا
سألتنا الأجيال القادمة: وما هي فلسطين؟. لو انسقنا وراء أجهزة الإعلام الصهيونية
لكان في ذلك إقرار لليهود باحتلال أرضنا من حيث لا نشعر حتى إن بعض الساسة أصبحوا
يتحرجون من إطلاق كلمة فلسطين على الأرض المباركة التي دنسها الصهاينة إنهم
يحاولون أن يثبتوا مصطلحاتهم التي تخدم أغراضهم ومصالحهم وبالتالي فعلينا مقاطعة
هذه المصطلحات واستخدام المصطلحات الخاصة بنا.
تحرير المصطلح قضية مهمة
فلكل مصطلح دلالاته الخاصة التي يجب أن تتوافق وما نريده وفق مصالحنا القومية
وثوابتنا الدينية وقاموسنا المعرفي العربي الإسلامي وهنا قد يتساءل البعض وهل
قضيتنا قضية كلمات ومصطلحات؟ والجواب: أن هذه الكلمات والمصطلحات جزء لا يتجزأ من
القضية وإيحاءاتها وتأثير دلالاتها قد ظهر على كثير من العرب والمسلمين فثقافة
المقاومة تبدأ بتحرير المصطلح.
|