عودة إلى المحور التركي - "الإسرائيلي"
محمد نور الدين
صحيفة الخليج
الإماراتية 12/9/2005
هل طوت حكومة
حزب العدالة والتنمية سياسات الانفتاح التي شرعت بها مع العرب، وسوريا
وإيران تحديداً، منذ وصولها إلى السلطة في خريف 2002؟
وهل توصلت
حكومة رجب طيب أردوغان إلى قناعة بأن "ثوابت" السياسة التركية منذ
خمسين عاماً لا يمكن تغييرها بسهولة ومن دون دفع أثمان باهظة على حساب
وحدة الأرض والاستقرار الاجتماعي؟
وهل ما ظُنَّ
أنه تحول حقيقي في اتجاه "تخفيف" العلاقة مع "إسرائيل" كان مجرد سراب
وزوبعة في فنجان؟
وهل انبعث من
جديد المحور التركي – "الإسرائيلي" المدعوم أمريكياً ليشكل قاعدة ومنصة
للتحولات التي يشهدها العالم الإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط في إطار ما
يعرف ب"الشرق الأوسط الكبير"؟
أسئلة كثيرة
تبحث عن إجابات، فيما القلق يسود أوساط الذين تفاءلوا، ونحن منهم، بأن
أنقرة، مع "العدالة والتنمية"، طوت للأبد صفحة الشكوك التي طبعت
العلاقات العربية - التركية منذ ظهور كيانات الطرفين.
منذ زيارة رئيس
حكومة تركيا رجب طيب أردوغان إلى "إسرائيل" في مطلع أيار/مايو الفائت،
من دون مبررات مقنعة للعلاقات الثنائية، بدا أن شيئاً ما يرتسم في
الأفق. وإذ استفسرنا مقربين من العدالة والتنمية، قيل لنا إنها "زيارة
المضطر" لكي يكسب ودَّ الإدارة الأمريكية، بعد اشتداد الضغوط الداخلية
على أردوغان وحزبه.
ثم كانت زيارة
أردوغان إلى واشنطن في يونيو/ حزيران ورغم الاختلاف حول موضوعي العراق
وسوريا، إلا أن تصريحات أعضاء حزب العدالة والتنمية وفي مقدمتهم
أردوغان وعبدالله جول، كانت تتجنب انتقاد الولايات المتحدة.
بعد ذلك كان قد
أُعلن أن الرئيس السوري بشار الأسد سيقوم بزيارة خاصة ليوم واحد أو
يومين إلى مسقط رأس أردوغان في مدينة "ريزي"، فيما وصف ب"الدبلوماسية
المعطلة". وانهالت الضغوط الأمريكية التي أفضت ضمناً إلى إلغاء، غير
معلن، للزيارة التي كانت ستتم في شهر آب/أغسطس.
وعندما وصل
محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة الإيرانية، ارتبكت أنقرة ولم تبادر، كما
هي العادة، إلى تهنئة الرئيس المنتخب. وعندما عُيّن منوشهر متقي وزيراً
للخارجية الإيرانية، تكرر السيناريو نفسه وبدت أنقرة غير مرتاحة
لتعيينه، وهو الذي كان سفيراً في تركيا في نهاية الثمانينات.
وقبل أيام، حصل
لقاء مفاجئ في اسطنبول بين وزيري خارجية "إسرائيل" سيلفان شالوم،
وباكستان خورشيد قصوري، وظهر أن تركيا قامت بدور الراعي لهذه الوساطة
التي أنهت 57 عاماً من العداء بين "إسرائيل" والدولة الإسلامية الوحيدة
التي تمتلك قنبلة نووية. وتأكدت الرعاية التركية مع ظهور وزير الدولة
محمد ايدين متوسطاً الوزيرين المذكورين. فيما غاب (منعاً للإحراج
النظري وليس العملي) الوزير الأصيل عبدالله جول.
واكتملت سلسلة
"المبادرات" السيئة للعرب وإيران، بالإعلان عن أن "إسرائيل" ستفتح
مكاتب تمثيلية لها في دول إسلامية كثيرة، تكون ضمن السفارات التركية في
هذه الدول. أي أن تركيا ستكون راعية وحامية هذه الممثليات، وهو الأمر
الذي لم تفعله حتى في ذروة تحالفها مع الكيان الصهيوني منذ تأسيسه.
وفي السياق
نفسه، لا ينقطع سيل التصريحات التركية حول "التجديد" في العالم
الإسلامي في وقت تكاد تتعرى تركيا "إسلامياً" أمام متطلبات الاتحاد
الأوروبي الذي شرع حظر الحجاب في تركيا، وأخرج "الزنى" من كونه جريمة.
عندما يتبصر
القارئ في مضمون رسالة أردوغان إلى أرييل شارون مشيداً بشجاعته وحبه
للسلام لمناسبة الانسحاب من غزة، يكاد المرء يفرك عينيه لهذا الكم من
التعامي عن الواقع والحقائق.
أنا واحد ممن
استبشروا ودافعوا عن سياسة "العدالة والتنمية" منذ وصوله إلى السلطة.
لكن لم أكن أتوقع أن الانقلاب على هذه السياسة من جانب الحزب الحاكم
سيكون سريعاً إلى هذه الدرجة.
لا تعيدوا
عقارب الساعة إلى الوراء وتخطئوا أيها الأصدقاء في حزب العدالة
والتنمية.