|
جبهة
وطنية للمقاطعة الشعبية السلمية
بقلم:
أ. د. توفيق الشاوي
أستاذ
الفقه الجنائي بالجامعات العربية
*
إعداد القوي الشعبية لمقاومة السيطرة
الاقتصادية الغربية هو الحل نظر ا لتضاؤل دور
الدول بعد اتفاقات الجات
*
سلاح المقاطعة لبضاعة معينة أو مشروع بعينه
هو وسيلة لمقاومة المخططات في المنطقة دون
حاجة للمصادمة مع الحكومات الوطنية
من
الحقائق المسلم بها أن المصالح المالية
والاقتصادية هي التي توجه سياسة الدول كبيرها
وصغيرها علي السواء, وسوف يزداد ذلك في
المستقبل بنمو تيار الحضارة المادية, التي
تزيد من حاجات الأفراد وضروريات المعيشة
للأفراد والجماهير حتى إن كثير ا من مواد
الترف والكماليات المستحدثة أصبحت حاجات, بل
ضرورات يطالب بها الأفراد, وتعتبر كثير من
الحكومات والدول أن مهمتها الأولي هي توفير
هذه المطالب المتزايدة - ولو شغلها ذلك عن
مهمتها التقليدية في حماية استقلال الشعوب
وحقوق الإنسان وقيمه الحضارية والروحية - ومن
واجبنا الوقوف في وجه هذا الإسراف الترفي
لتوجيه الجماهير والأفراد لصرف أوقاتهم
وجهودهم وأموالهم لما هو أولي بذلك, وتذكير
الحكومات بأنه لا يجوز أن تشغلها الخدمات عن
تدعيم الاستقلال وسيادة الأمة وحرية الشعوب
والأفراد.
إن
العامل الاقتصادي مكن الدول الغنية من إقامة
نظام مالي واقتصادي عالمي لها سيطرة كبري فيه
وتتخذ إمكاناتها الاقتصادية أداة لإذلال
الدول الصغيرة وإخضاعها لمشيئتها, مستخدمة في
ذلك مبدأ اقتصاديات السوق والمنافسة الحرة
الذي تتخذه مبرر ا لمنع الدول الصغيرة أو
الناشئة من حماية منتجاتها, وبذلك تعطي
بضائعها فرصة كبيرة للسيطرة علي اقتصاديات
الدول الصغيرة, وتهديدها بعد ذلك بالمقاطعة
وبالحصار الاقتصادي كما نراه بالنسبة
للسودان وإيران... إلخ.
وتعتمد
في ذلك علي قرارات من المنظمات الدولية التي
تسيطر عليها الدول الكبرى, حتى إن بعض
الحكومات أو الدول الناشئة تتردد في مقاومتها
بحجة التزامها بالشرعية الدولية, وأنها
ملتزمة أولا بتوفير مطالب العيش
والرفاهية لشعوبها, وأنها لا تستطيع ذلك إلا
عن طريق الحصول علي رضاء القوي الكبرى لكي
تحصل علي المساعدات الأجنبية أو القروض من
بعض الدول الكبرى والمؤسسات المالية
العالمية التي لا تقدمها مجان ا ولا بدون
مقابل.
الشركات
والمؤسسات المالية ودور الصهيونية العالمية
وهناك
حقيقة أخري هي أن الذي يتحكم في المصالح
المالية والاقتصادية في الدرجة الأولي هي
البنوك والشركات الكبرى, وخاصة تلك التي توصف
عادة بأنها متعددة الجنسيات, فقد زاد نفوذها
وسينمو في المستقبل حتي تصبح هي الموجهة
الحقيقية للدول والحكومات كبيرها وصغيرها
علي السواء.
ومنذ
بدأ المد الاستعماري فيما مضي كانت الشركات
والبنوك هي القوة الفاعلة التي بدأت التوسع
الاستعماري, وهي التي استدرجت الدول الصناعية
الأوروبية إلي التوسع الاستعماري في أفريقيا
وآسيا وأمريكا, ودفعتها إلى استخدام
المؤامرات السياسية والقوة العسكرية في فرض
سيطرتها علي الشعوب المستضعفة لتمكن رءوس
الأموال والمؤسسات والشركات من تنفيذ خططها
التوسعية للحصول علي المزيد من الثراء عن
طريق استغلال ثروات الشعوب الأخرى, بل
واستغلال العنصر البشري فيها للعمل لصالحها
في المجال السياسي والتجاري (كممثلين تجاريين
ووسطاء أو موظفين وحكام ووزراء), أو في المجال
العسكري كمجندين (أو مرتزقة متطوعين للحصول
علي لقمة العيش, أو مجندين مجبرين بأمر
القوانين الاستعمارية وقوانينها والإدارة
المحلية التي تسيطر عليها الإمبراطوريات
الكبرى).
ويكفي
أن نذكر أن استعمار الهند بدأته شركة الهند
التجارية, وكذلك حرب الأفيون ضد الصين كانت
لصالح الشركات التجارية, كما أن التغلغل
الأجنبي في الدولة العثمانية وإيران وفي مصر
بدأته البنوك الربوية والشركات عن طريق
القروض للحكام والحكومات... إلخ.
ثم
إن الوضع الحالي تجاوز ذلك إذ أصبحت هناك
مؤسسات عالمية مالية ونقدية هي محور النظام
العالمي الذي تستغله الدول الغنية لمزيد من
التحكم في ثروات وحكومات الشعوب الأخري,
وخاصة منها شعوب الدول الصغيرة أو الضعيفة أو
المتخلفة من أجل تحقيق السيطرة علي السياسة
العالمية, وأصبح من الواضح لديهم أن نمو هذه
السيطرة يستلزم زيادة فقر الشعوب المستهدفة
لتزداد حاجتها إلي القروض, حتى أصبحت الديون
والقروض هي الأغلال والقيود التي تتخذها
المراكز المالية العالمية وسيلتها لإذلال
الشعوب والدول, وتسيير الحكومات في الطريق
الذي يمكنها من زيادة الاستغلال المالي
والاقتصادي للشعوب, وفرض سيطرتها علي المال
والسياسة في العالم كله بصورة كاملة.
ولابد
أن نعرف أنه في هذا السوق العالمي للمال
والمراكز المالية والقوي الاقتصادية متعددة
الجنسيات لابد أن يزداد نفوذ الصهيونية التي
استطاعت أن تعتمد في نفوذها الدولي والعالمي
منذ زمن طويل علي القوة المالية لليهود
المنتشرين في جميع أنحاء العالم, والذين
سيزداد نفوذهم في كثير من الدول عن طريق زيادة
نفوذهم المالي وزيادة المشاكل المالية
والاقتصادية في العالم, مما أدي إلي تغلغلهم
في مراكز التخطيط والتوجيه, واختراقهم لأجهزة
الاستخبارات الكبرى والأحزاب التي تعتمد علي
التمويل والإعلام المحلي والعالمي الذي
تسيطر عليه قوي المال والاقتصاد العالمي.
إن
العالم الآن في مرحلة جديدة صارت فيها الدول
الكبرى تحتكر السيطرة العالمية وتتخذها
وسيلة لتنمية ثرواتها علي حساب الشعوب الأخرى,
ونجحت في فرض ما يسمي باقتصاد السوق الذي
تعتبر اتفاقات ؛الجات« عنوان ا لما تميز به,
وخاصة إلزام الدول بعدم فرض رسوم جمركية
لحماية مشروعاتها وصناعاتها الناشئة, وعدم
تقديم دعم مالي لمنتجاتها الوطنية الزراعية
أو الصناعية, وبذلك جرد الاقتصاد الوطني من كل
حماية وأصبح محروم ا من كل سلاح يدفع به غزو
سوقه المحلي من جانب منتجات الدول الغنية,
التي تتمتع بجميع الميزات التي تمكنها من
اكتساح السوق الوطني وإغراقه للقضاء علي
الإنتاج المحلي الناشئ الضعيف.
لقد
تحولت الشعوب الصغيرة والدول الناشئة إلي
مجرد مجتمعات استهلاكية وسوق لبضائع الدول
المتقدمة ومنتجاتها.. سواء كانت زراعية أو
صناعية, وهذه الحالة تفرض عليها التبعية
والخضوع لقرارات الدول الصناعية, سواء في
النواحي الاقتصادية والمالية أو النواحي
السياسية والعسكرية, وهذا هو الاستعمار
الجديد الحقيقي الفعلي الذي تواجهه الشعوب
الصغيرة الناشئة إذا استسلمت له أو لم تجد
وسيلة لمقاومته.
تضاؤل
دول الحكومات
تضاءلت
أدوار الدول والحكومات كبيرها وصغيرها حتي
أصبحت الدول الكبري مجرد أداة في يد المراكز
المالية والشركات العالمية, ومن باب أولي
الدول الصغيرة والناشئة التي تتحكم فيها
القوي المالية العالمية عن طريق الدول الكبري
والمنظمات الدولية العالمية التي تسيرها.
وستزداد
هذه الظاهرة بالنسبة للدول الصغيرة بحكم
عجزها عن مقاومة ما تفرضه القوي العالمية من
ضغوط وإغراءات وتوجيهات لا تملك وسيلة
لمقاومتها.
أسباب
زيادة المطامع في الشرق الأوسط
بعد
انهيار الكتلة الشيوعية واستسلام دول الكتلة
الاشتراكية للهيمنة الرأسمالية أصبح الشرق
الأوسط هو الهدف الأول للقوي المالية
العالمية, وذلك للأسباب الآتية:
أ
- أن الصهيونية واليهودية العالمية تسعي لكي
تتخذ دولة الكيان قاعدة لإمبراطورية يهودية
عالمية مسيطرة علي الشرق الأوسط المحيط بها
الذي تعتبره المجال الحيوي لقوتها العسكرية
والمالية, بل والاجتماعية والثقافية, وأطلقت
عليه اسم ؛الشرق الأوسط« لاستبعاد هويته
العربية والإسلامية أو القضاء علي وحدة الأمة
العربية والإسلامية.
ب
- أن الموقع الاستراتيجي لهذه المنطقة يجعلها
قاعدة ممتازة وضرورية للتحكم في العلاقات
الدولية, سواء من الناحية العسكرية أو
السياسية أو الاقتصادية.. بسبب توسطها بين
جميع القارات والبحار والمحيطات, وتاريخها
كمنبع للحضارات والأديان العالمية منذ أقدم
العصور.
ج-
- أن ثروات هذا الإقليم تزداد أهميتها, وخاصة
في العصر الحاضر منذ ظهرت أهمية البترول
والجاز, وسوف يزداد ذلك بما تضمه الصحاري
الواسعة من نظائر مشعة ومواد ضرورية للعصر
النووي الذي ستصبح للذرة فيه أهمية اقتصادية
وعسكرية متزايدة.
حاجتنا
لخطة جديدة علي أربعة أسس
إننا
نري أن مواجهة هذا الواقع بجميع عناصره تحتاج
إلي خطط جديدة واستراتيجية طويلة الأمد تقوم
علي الأسس الآتية:
أ
- الاعتماد علي القوي الشعبية:
يجب
إعداد القوي الشعبية لكي يكون لها الدور
الأول في مقاومة السيطرة المالية الاقتصادية
الأجنبية, نظر ا لتضاؤل دور الدول والحكومات
في حماية الإنتاج الوطني خصوص ا بعد اتفاقات
الجات والتزامها بمبدأ الاقتصاد الحر, فضلا
عن أن بعضها قد يصبح في نظر الجماهير مجرد
أدوات في يد القوي العالمية المسيطرة علي
المال والاقتصاد وسوق السلاح والإعلام
العالمي والمنظمات الدولية; لأنها تغريها
بالقروض والمساعدات المالية والعسكرية.
واجبنا
الآن أن نساعد شعوبنا علي الاعتماد علي قواها
الذاتية وتعتمد علي السلاح الذي لا تستطيع أي
قوة في الأرض أن تنزعه منها أو أن تبطل مفعوله,
وهو سلاح المقاطعة الشعبية الاقتصادية
لبضائع معينة أو مشروعات معينة.
المقاطعة
الشعبية عملا سلبي ا كما يظنون, بل إنها
تبدأ بتربية الجماهير علي الثقة بذاتها
والاعتماد علي إمكاناتها ومقوماتها في بناء
اقتصادها, والاستغناء بمنتجاتها عن كثير من
المستوردات الأجنبية التي قد تكون في نظر
كثيرين أكثر جودة أو أقل ثمن ا.
ب
- المواجهة المباشرة مع السيطرة الاقتصادية
الأجنبية:
إن
هدف المقاطعة الاقتصادية الشعبية هو توجيه
الأفراد والجماهير للمواجهة المباشرة مع
القوي المالية والسيطرة الاقتصادية للقوي
الأجنبية المستغلة, ومقاومة الهجوم علي
الاقتصاد الوطني عن طريق ما يفرض علي الدول
والحكومات باسم مبدأ اقتصاد السوق وحرية
التجارة, وهو المبدأ الذي يمكن المنتجات
الأجنبية من السيطرة علي السوق المحلي
والقضاء علي الصناعة والزراعة والإنتاج
الوطني الناشئ الذي يكون في مركز ضعف بالنسبة
للمستوردات الأجنبية, ويزداد ضعفه بالتزام
الدول والحكومات بما يسمي اقتصاد السوق الذي
تعتبر اتفاقات الجات مؤشر ا واضح ا لأهدافه
ومعالمه.
ثم
إن المقاطعة وسيلة عملية لمقاومة الدعايات
الانهزامية وتيار الاستسلام للهيمنة
الاقتصادية والسياسية الأجنبية الذي يغري
الجماهير لقبول السيطرة العالمية بحجة أنها
حتمية; بسبب أن العالم أصبح وحدة اقتصادية
ومالية لابد أن تتحكم فيها القوي الاقتصادية
الكبري, وأن الواقع العالمي يفرض هذا التحكم
ويلزمنا بأن نسير في تيار الخضوع له
والاستسلام لقراراته وتوجيهاته بحجة
؛العولمة« أو الكونية.
إن
استسلامنا للسيطرة المالية الأجنبية يغريها
بالتمادي في نهب مواردنا المائية والمالية
وثرواتنا المعدنية والنفطية, وإذلال شعوبنا
ودولنا وحكوماتنا وإخضاعها لتوجيهاتها
وتحويل مجتمعنا وأفراده إلي مجرد خدم للسادة
المتحكمين بحجة السياحة, أو جنود ا مرتزقة
يبيعون دماءهم لتنفيذ قرارات النظام العالمي
في القوات الدولية التي تستخدم للسيطرة علي
الشعوب المتخلفة أو الناشئة أو الضعيفة أو
الصغيرة, وإعفاء مواطني الشعوب الكبري التي
تستفيد من هذا النظام العالمي من المواجهة
الدموية في هذه العمليات التي تدبرها
وتستغلها, ويصبح مجتمعنا غير منتج ومجرد
مستهلك لما يستورده من فائض إنتاج الدول
الكبري, والصناعات المتقدمة.
إن
مجرد الاستسلام للسيطرة الاقتصادية الأجنبية
يمكنها من تنفيذ ذلك دون أي مشقة أو تكلفة, لكن
المقاومة والصمود يفرض عليها أن تدفع ثمن هذه
السياسة بتعطل مصالحها الاقتصادية, وكلما
وجدت أن هذا الثمن يضعف اقتصادها أو يخلق لها
مشاكل مالية فإنها ستعيد النظر في سياستها.
ج-
- قدرة المستهلك على التحكم في اقتصاديات
المنتجين:
يجب
أن يبدأ أفرادنا وشعوبنا في البحث عن القوة
الذاتية التي تمكن المستهلك من التحكم في
اقتصاديات المنتجين وسياستهم, والضغط عليهم
عن طريق التحكم في مشترواته ورغباته وحاجاته
بطريقة تمكنه من استعمال سلاح المقاطعة
الاقتصادية الشعبية لبضاعة معينة أو مشروع
معين حتي يقضي عليه أو يصيبه بخسائر, وبذلك
يفرض علي القوي العالمية أن تبحث عن وسيلة
لإرضائه واسترضائه وإعطاء مطالبه وطموحاته
الأهمية التي تستحقها, وتضطر إلي مراجعة
خططها وتغييرها أو العدول عنها بسبب ما تفرضه
عليها من تكاليف لا يتحملها اقتصادها.
د
- إن سلاح المقاطعة الشعبية لبضاعة معينة أو
مشروع معين يعطي للقوي الحية وسيلة لمقاومة
الخطط الأجنبية دون حاجة للمصادمة مع
الحكومات الوطنية بحجة أنها خاضعة لتوجيهات
القوي العالمية, وتخف الضغوط السياسية التي
تفرضها تلك القوي المستغلة علي حكوماتنا بعد
أن يتضح لها أنه لا فائدة في مواصلة هذه
الضغوط والتهديدات علي الدول والحكومات,
وتصبح مضطرة إلي أن تواجه تحدي القوي الشعبية
وتسعي لإرضائها بصورة مباشرة, وهنا لابد أن
تتسلح هذه القوي الإنسانية الشعبية بعقيدة
وإيمان يمكنها من تحمل مسئولية هذه المجابهة
المباشرة مع القوي المالية والاقتصادية,
وتصبر علي مشاق هذه المقاطعة التي ستحملها
كثير ا من أعباء التقشف والخشونة التي يستطيع
الإيمان بالله ثم الوطن والثقة بالنصر أن
يعينها علي مواجهتها.
إن
مجتمعات الدول الكبرى الغنية المهيمنة علي
العالم اليوم تواجه مشاكل اقتصادية ومالية
داخلية وخارجية تنشأ عنها تناقضات بين دولها
وتكتلاتها وعناصرها المختلفة, ويمكننا نحن
بالتفكير والتخطيط والعزم أن نوجه شعوبنا نحو
أساليب من المقاطعة الاقتصادية التدريجية
لبضائع معينة أو شركات معينة; لكي يكون ذلك
سبب ا في زيادة هذا التناقض بين الدول
والتكتلات الاقتصادية الكبرى, الذي يؤدي حتم
ا إلي مشاكل اقتصادية وسياسية فيما بينها هي
التي تفرق صفوفهم وتستدرجهم إلي الفتن
والمنازعات, بل والحروب فيما بينهم فينشغلوا
هم بالفتن في صفوفهم بدلا من انشغالنا نحن
بفتن داخل صفوفنا.
|