كيف
تكون مقاطعتنا فاعلة وبأقل الخسائر
تنظيم
المقاطعة ضروري للرد على المثبطين
والمتخاذلين
نبيل
شبيب
مع
اتّساع نطاق مظاهر المقاطعة الشعبية ضد
الكيان الصهيوني في الوقت الحاضر، ومع متابعة
مسيرة الانتفاضة نفسها، نجد أنفسنا أمام
ثلاثة أسئلة محورية:
1-
أليس من المحتمل إذا تغلّبت المناورات
السياسية الجارية، أو تغلّبت مواقف التخذيل
ومظاهر الضعف الرسمية على مسيرة الاستعداد
الكبير للعطاء والتضحية وما يرافقها من آلام،
فأوقفت فعاليات الانتفاضة القائمة على قوافل
الشهادة والإصابات والأحزان، وبعض الأعمال
المحدودة لإلحاق الضرر بصفوف العدوّ بشريًّا
.. أليس من المحتمل الراجح آنذاك أن تفقد
المقاطعة الشعبية أيضًا على المستوى العربي
والإسلامي قوّة الدفع المحرّكة لها
وجدانيًّا، فتعود الأمور إلى مجاريها
المخزية على منحدر التراجع والتنازلات؟!
2-
أليس من المحتمل بالمقابل أن تؤدّي "العشوائية"
أو"العفوية" في فعاليات المقاطعة
الشعبية، إلى أضرار ذاتية على المستوى
الاقتصادي وسواه، كما تتحوّل الأضرار إلى
ذريعة لتحرّك مضادّ لهذه المقاطعة الشعبية،
من داخل الصفوف وداخل الحدود .. وبالتالي تقع
"معارك جانبية" أشدّ ضررًا، أو يجري
إخماد فعاليات المقاطعة نفسها، فتضاف إلى سجل
طويل من صنع عوامل التيئيس ونشر الأوهام
بالعجز وإشاعة روح التبلّد .. في مجرى الصراع
الطويل مع العدوّ الصهيوني وحاضنته
الأمريكية؟
3-
ما الذي ينبغي صنعه لتوظيف المقاطعة توظيفًا
قويمًا يجعلها عنصرًا فعّالًا على هذا
الطريق، وبالتالي عنصرًا فعالًا على طريق
تحرير فلسطين ودحر الغزوة الأمريكية
والصهيونية المعاصرة؟..
حجج
واهية ومنطلقات أساسية
يوجد
حاليًا فريق لا يمنعه حـذره من مواجهة الغضب
الجماهيري من أن يمارس مباشـرة أو تحت رداء
الناصح الأمين مواقف تنطوي على تثبيط الهمم
والعزائم المتحرّكة تلقائيًّا على طريق
المقاطعة لكل ما هو صهيوني وأمريكي، بحجج قد
لا تكون واهية جميعًا، ولكنها توظّف في
الاتجاه الخاطئ، كالحديث عن ارتفاع نسبة
الأضرار الذاتية، أو عدم جدوى ما تسببه
المقاطعة من أضرار على صناعة القرار الأمريكي
أو السلوك الهمجي الإسرائيلي، أو – وتلك شرّ
هذه الحجج- تناقض أسلوب المقاطعة مع السلوك
"الحضاري" الذي ينبغي أن نظهر فيه بين
الأمم في عالمنا المعاصر..
و"النصيحة
الأمينة " تتطلب من صاحبها عند الحديث عن
هذه الحجج أن يبيّن أنها لا تستدعي الانكفاء،
ولكنها تستدعي فيما تستدعي تثبيت بعض القواعد
الأساسية كأمثلة، ومنها:
1-
الوصول إلى أي هدف يتطلب من البذل وبالتالي من
التضحيات ما يتناسب طرديًّا مع أهمية ذلك
الهدف...
2-
تخفيف الأضرار الذاتية ضروري، ولكنه يتحقق
بالتخطيط والتنظيم والتوجيه .. لا الامتناع عن
وسيلة تحقق منافع أكبر وأهم ...
3-
يظهر جدوى المقاطعة عند تحديد "الهدف"
المقصود منها، وهو جزء معيّن من بين أهداف
عديدة، نريد لها أن تتكامل على طريق التحرّر
من الهيمنة الأجنبية ... فليس المطلوب "تدمير
الاقتصاد الأمريكي أو الإسرائيلي" عبر
وسيلة المقاطعة الشعبية، إنّما ذلك ما ينشره
المعترضون أو الواهمون، كما لو كان هو الهدف،
ثم يقول المعترضون –تثبيطًا- هذا هدف غير
قابل للتحقيق عن طريق المقاطعة .. وهنا ينبغي
تصحيح مجرى النقاش، وتثبيت الهدف المقصود،
وليس رفض الوسيلة بذريعة استحالة تحقيقها
لهدف موهوم ..
4-
إنّ مجرّد اعتبار المقاطعة الشعبية جزءا من
تكوين الفرد والمجتمع على طريق استعادة
المبادرة في صناعة القرار وصناعة الحدث في
عالمنا المعاصر .. يكفي لتبرير الدعوة إلى
ممارستها والعمل على انتشارها وبيان خطأ
اعتراضات المثبّطين عليها، ولكنها تحقق ما هو
أبعد من ذلك أيضًا ..
5-
وأخيرًا .. الأصل أنّنا من ناحية تصوّراتنا
وقيمنا الذاتية، نرفض المقاطعة كوسيلة في
العلاقات بين الشعوب والأمم، ولكن فيما يقال
عن عدم ملاءمتها لعالمنا المعاصر وسلوكه
الحضاري من الضعف والوهن ما تصعب مناقشته
مناقشـة منطقية، فلا أوضح ولا أظهر من شدّة
تناقضه مع الواقع القائم في عالمنا المعاصر،
والمشهود بالعين المجرّدة، والملموس
يوميًّا، لا سيّما ما يصنعه الأمريكيون،
ولكنّ ما نثبّته لأنفسنا بغض النظر عمّا
يصنعه الآخرون، هو أن المقاطعة وسيلة من
الوسائل، وهي:
-
وسيلة "حضارية" عند استخدامها لتحقيق
هدف مشروع مثل تحرير الإنسان والأرض ..
-
وهي نفسها وسيلة "إجرامية" عندما
تستخدمها دولة كالولايات المتحدة الأمريكية
لفرض هيمنتها على أي دولة أخرى، وعندما تنطوي
على جهد مبذول مقصود من أجل نشر التخلّف الذي
يسببه مثلا حجر المنجزات البشرية المشتركة
على طريق التقدّم التقني الحديث، أو من أجل
نشر التجويع الذي يسببه مثلًا التعامل
الأمريكي مع تجارة الحبوب أو التعامل
الأوروبي مع الفائض الزراعي والغذائي، أو من
أجل نشر العجز في بلدان معينة عن مجرّد صدّ
خطر عسكري خارجي وهو ما يسببه احتكار السلاح
والعمل على منع توفّر قوّة دفاعية لصدّه .. هذا
علاوة على عشرات الأمثلة المعروفة عن ممارسات
المقاطعة بدءًا بالصين الشعبية وكوبا،
ومرورا بإيران وليبيا، وانتهاء بالعراق ..
أليس من "المضحك المبكي" إذن أن يعترض
معترض على مقاطعة شـعبية لبضـائع وسـلع
أمريكية، بحجة عدم تلاؤم أسلوب المقاطعة مع
روح العصر، أو عدم مسؤولية أصحاب الشركات
الأمريكية ومن يموّلها من يهود وغير يهود، عن
السياسات الأمريكية والإسرائيلية!..
على
أنّ في ساحة الحديث عن المقاطعة أمرًا آخر لا
علاقة له بالمعترضين عليها وهم نسبة محدودة،
وإنّما يتردّد على ألسنتنا عمومًا من منطلق
الإخلاص أيضًا، وهو الدعوة إلى المقاطعة تحت
عنوان "التضامن" مع شعب فلسطين..
والتضامن مطلوب، ولكنه يعني ضمنيًّا فصل "قضية
فلسطين" عن أرضيتها الأصيلة في المنطقة
بمجموعها، وذاك ما صنعه الهبوط بالقضية
المصيرية المشتركة على منحدر التنازلات
التاريخي في العقود الماضية من قضية إسلامية،
إلى قومية عربية، إلى قضية دول مواجهة وأخرى
مساندة، إلى قضية دول الطوق، إلى قضية مشكلة
" فلسطينيين مع دولة "إسرائيلية "
ومشكلة دول عربية مع "دولة "إسرائيلية"
مجاورة" .. أي من صراع شامل على سائر
المستويات، إلى مجرّد مشكلات جزئية متفرّقة
وثنائية "اعتيادية" يجري حلها بمفاوضات
واتفاقات وبترسيم حدود وتبادل سفارات!..
إنّ
في مقدّمة ما كشفه التحرّك الشعبي الأوّلي
المرافق للأيام الأولى من انتفاضة الأقصى، هو
أنّ الوجدان الشعبي يرفض هذا المسلسل على
طريق التسليم باسم السلام، ويدرك أنّ الوجود
الصهيوني في حدّ ذاته هو الخطر المشترك على
الجميع، ولا تمييز في خطره وعدوانيته ما بين
فلسطينيين وغير فلسطينيين، ولا بين عرب وغير
عرب، ولا بين مسلمين وغير مسلمين في هذه
الدائرة الحضارية المشتركة، التي لا يمكن
لجسم غريب أن يستقرّ فيها .. ولن يستقرّ،
ولكنّه "يؤذي" والمسؤولية مشتركة كما
أنّ المصلحة مشتركة في مواجهة هذا الإيذاء.
مستويان
للتعامل مع المقاطعة:
وهنا
لا يخفى المغزى العميق لحقيقة أنّ المقاطعة
الشعبية انتشرت ممارستها في مصر والأردن على
وجه التخصيص أكثر من سواهما، ولهذا ينبغي
التعامل مع المقاطعة على مستويين في الوقت
نفسه:
1-
فهي من جهة تعبير صادق وعملي عن المنطلق
الشعبي عبر الحدود المختلفة، والذي يرى في
قضية فلسطين قضية محورية مشتركة، ويرى في هدف
التحرّر من الهيمنة الأمريكية وفي هدف تحرير
الأرض المباركة هدفا محوريًّا مشتركًا،
ويستخدم المقاطعة الشعبية كوسيلة من الوسائل
للتعبير عن هذا الهدف، ودعم الوسائل الأخرى
الضرورية للوصول إليه..
2-
ومن جهة أخرى ينبغي توظيف المقاطعة الشعبية
نفسها كمنطلق من منطلقات العمل من أجل العودة
بالقضية وما يُطرح فكريًّا وسياسيًّا على
صعيدها، إلى مسارها الصحيح وإلى موقعها
الأصيل، كقضية محورية مشتركة، لا تصحّ
تجزئتها ..
لا
بدّ أن يستقرّ في الأذهان في أثناء الفعاليات
والممارسات الشعبية للمقاطعة أنّ المقاطعة
الشعبية في مصر أو الخليج هي لخدمة مصالح مصر
وفلسطين وسائر العرب والمسلمين ..وهذا ما يسري
على سائر الأطراف دون استثناء .. وأننا مع كل
ما يجب أن نقدّره وأن نمارسه تحت عنوان "التضامن
مع شعب فلسطين " لا ينبغي أن نحوّل هذا
التضامن إلى صيغة واجب نؤدّيه أو نقصّر في
أدائه تجاه طرف آخر، ففلسطين وشعبها، كمصر
وشعبها .. أو سورية وشعبها .. أو موريتانيا
وشعبها .. أو كشمير وشـعبها، جزء عضوي من الجسد
الواحد ومن البنيان المرصوص، وأنّ كل تضامن
بين العرب والمسلمين، هو في الوقت نفسه جزء من
الواجب المفروض لتحقيق المصالح الذاتية
علاوة على المصالح المشتركة .
ضوابط
رئيسية غائبة عن الممارسة
ومن
الخطأ إلى حد كبير تعميم النظرة إلى المقاطعة
الشعبية كما لو كانت مجرّد تعبير عن غضب، أو
وسيلة عاطفية غير منضبطة، وما شابه ذلك .. فهي
وسيلة بالغة الأهمية والخطورة في وقت واحد،
وبالتالي يجب التعامل معها على هذا الأساس،
ليس من جانب الناقدين باتجاه التخلص منها، بل
من جانب الداعين إليها ليحسن استخدامها
وتوظيفها.
لقد
بات من الضروري لتتحوّل تلك الظاهرة
العشوائية المخلصة المتفجّرة إلى تحرّك
جماعي هادف، أن يُبذل -في الوقت المناسب دون
تأخير- ما ينبغي بذله من الجهود، على مستوى
الدراسة والتخطيط والترشيد والتوجيه
والمتابعة والتقويم والتطوير .. وباعتبار ذلك
مهمة دائمة وليس كأمر طارئ يكتمل في مؤتمر ما
أو عبر بيان ما.
ومن
المفيد في هذا الإطار التنويه إلى بعض النقاط
الأساسية الأولية كأمثلة على سواها وبإيجاز
شديد:
1-
صحيح أنّ المقاطعة سيف ذو حدين كما يقال، ولكن
الأضرار المتفاقمة من جرّاء "عدم المقاطعة"
باتت أشدّ وأوسع نطاقًا على المدى القريب
والبعيد، من سائر ما يمكن أن تسببه المقاطعة
من أضرار .
2-
المطلوب مقاطعة شاملة تجاه الكيان اليهودي
الغاصب، لا تترك على المستوى الشعبي ثغرة من
الثغرات، وفي الوقت نفسه لا تتوقف المطالب
المشروعة الملحّة لممارسة المقاطعة الشاملة
المماثلة على المستوى الرسمي .. حتى تتحقق
الاستجابة بالشكل الكافي وبالمستوى المطلوب
والمفروض .
3-
وليس المطروح فيما يتعدّى ذلك، ولا سيما تجاه
الولايات المتحدة الأمريكية، هو التحوّل بين
ليلة وضحاها ممّا نعرف بوجوده من علاقات
قائمة على مختلف المستويات، وبمختلف الصور،
المقبولة وغير المقبولة، إلى سلوك طريق
المقاطعة بصورة شاملة، ولكنّ المطلوب على
الفور .. هو التحرّك في هذا الاتجاه،
تدريجيًّا، وبصورة تصعيدية، وبخطوات
وإجراءات ترافقها خطوات أخرى، مكملة وضرورية
للتعويض عن النقص حيث يمكن التعويض،
والاستغناء ببدائل أخرى حيث يمكن إيجاد
البدائل ..
4-
كذلك لا بدّ في كل خطوة من خطوات المقاطعة، من
اتخاذ ما يكفي من الإجراءات العملية، كيلا
تتحوّل عن هدف توجيه ضربات مشروعة وموجعة
لعدوّ خارجي، إلى تسبيب أضرار غير مشروعة ولا
مطلوبة لأي فئة من الفئات داخل بلادنا
العربية والإسلامية، على مستوى العاملين في
قطاعات ما طلبًا للرزق دون ما يكفي من الوعي
بالنتائج، أو حتى المتورطين في استثمارات
مشتركة مع جهات أجنبية معادية طمعا في مكاسب
ما يمكن تحقيقها في الأصل دون ذلك التورّط،
فضلا عن المعتادين إلى درجة شبيهة بالإدمان
على سلع معيّنة فهم في حاجة إلى "الشفاء من
الإدمان" لا الاستعداء أو إثارة أزمة
إضافية بدلًا من تخليصهم ممّا هم فيه.
كيف
نمارس المقاطعة؟:
لم
يعد السؤال الحاسم: هل نمارس المقاطعة أم لا ؟
.. فقد أجاب الموقف الشعبي على هذا السؤال
وحسمه، إنّما السؤال الحاسـم هو: كيف نمارس
المقاطعة، فآنذاك وعلى هذه الأرضية فقط، يمكن
أن يفيد النقاش والحوار بصـدد جدواها وكيفية
ممارستها وإمكانيات توجيهها وتنظيم
فعالياتها.
ولا
بدّ من التنويه بأنّ الحديث يدور إذن حول "المقاطعة
الشعبية" أوّلا، وحول "المقاطعة الرسمية"
على مستوى الدول ثانيـًا، ولكن لا يعني هذا
قطعًا تبرئة الدول من مسؤولياتها، إنّما يعني
الخروج من تحويل الحديث عن المقاطعة والدعوات
"المتناثرة " بصددها، دون تخطيط وتنظيم
وتنفيذ مدروس، إلى ضرب من العبث أو وسيلة من
وسـائل "امتصاص الغضب" فحسب .
يجب
أن يسقط على المستوى الرسمي كما سقط على مستوى
الشعوب، ذلك الحاجز الوهمي الخطير على صناعة
القرار والذي جعل من الحديث عن أي إجراء
يستهدف الولايات المتحدة الأمريكية، ومهما
بلغ عداؤها السافر لقضايانا المصيرية، أمرًا
محظورًا . وبالمقابل خرقت الشعوب ذلك الحظر
الموهوم، فيمكن أن توضع المقاطعة الشعبية
موضع التنفيذ مع اتخاذ ما ينبغي من الخطوات
لتوجيهها..)
القيادة
وتنظيم مسئولية النخبة
المطلوب
كما ذكر سالفا: تحويل المقاطعة الشعبية من
ممارسات عفوية، إلى وسيلة هادفة منظمة فعّالة
متطوّرة، بما يضمن استمراريتها وسلامة
طريقها باتجاه الغاية البعيدة، ويحول دون
وقوع سلبيات، ويحقق أهدافًا مرحلية مناسبة
نحو تلك الغاية.
المطلوب
أعمال تخطيط .. وتنظيم .. وتوجيه .. وضبط ..
وتقويم .. وتطوير .. وليس مجرّد الحديث أو
المقال أو البيان أو الخطبة الحماسية.
وهذه
مهمّة كبيرة، تقع على عاتق القادرين أكثر من
سواهم على أدائها لأسباب عديدة ..
هم
بالذات المقصودون بهذه المطالبة الملحّة من
أجل الإقدام على تحرّك فوري في اتجاه عملي
تطبيقي ..
هم
المطالبون بقيادة المقاطعة الشعبية قيادة
منهجية .. وليس مجرّد الدعوة إليها ..
وهم
على وجه التحديد ذلك الجمع من مئات العلماء
والدعاة والمفكرين والكتّاب والصحفيين
والمثقفين، الذين تداعَوا من وراء مختلف
الحدود والفواصل، إلى اتخاذ مواقف مشتركة،
وتحديد مطالب بيّنة، قبيل انعقاد القمة
العربية الأخيرة في القاهرة .. وتابعوا ذلك
التواصل من بعد.
هؤلاء
–ومن ينضم إليهم – يحملون المسؤولية
المباشرة، وينبغي ألا يقف عملهم عند اتخاذ
المواقف مع انعقاد قمّة ما، أو سوى ذلك من
المناسبات، بل هم مدعوون إلى التصدّي بأنفسهم
لقيادة تحرّك عملي يتجاوز الحدود والشكليات ..
ويحقق الغرض المطلوب من المقاطعة الشعبية ..
كساحة من ساحات العمل لقضية فلسطين وسواها.
والجدير
بالتأكيد هنا أنّ من يدعو إلى المقاطعة خارج
هذا الإطار، في بيان صحفي أو موقف نقابي أو ما
شابه ذلك، يمكن أن يعطي دعوته مصداقيتها
وفعاليتها على قدر ما يسعى لتنسيقها ووضعها
في إطار مشترك مع سواها، وبالتالي فهو مدعو
إلى التواصل مع تلك المجموعة من العلماء
والدعاة الذين يوجد ما يكفي من الأدلة على
أنّهم لم يتواطئوا فيما بينهم على عمل "مشترك"
إلاّ وفق ما استدعاه وجدان هذه الأمّة والحرص
على مستقبلها والإخلاص لقضاياها المصيرية ..
وهذا من وراء تعدّد التيارات والتوجّهات
واختلاف الآراء في قضايا أخرى.
كذلك
فالجدير بالتأكيد هنا أنّ "الرسميين"
إذا بقوا في حدود ما طرح على قمتي القاهرة
والدوحة، فستزداد الهوة الفاصلة بينهم وبين
"التيارات الشعبية" .. وهذا ما لا ينبغي
أن يقع، فعواقبه خطيرة، ولكن أقل ما يُنتظر
منهم الآن على مختلف المستويات وليس على
مستوى القمة فقط، هو احتضان تلك "المقاطعة
الشعبية"، وتأييدها علنًا، وأوّل ما يعنيه
ذلك على الصعيد التطبيقي، تمكين فعالياتها
الشعبية المستقلة عن الحكومات من التحرّك،
ومن السعي المضمون الآمن، لتنظيمها
وتوجيهها، بما يحقق غاياتها وأهدافها
المرحلية، دون أن تسبّب أضرارا ذاتية كبيرة.
الوعي
الجماهيري .. والتخريب!!
وقبل
الحديث عن الجهود الضرورية لتحقيق المطلوب
وتجنّب المحظور، ينبغي التنويه بتلك الحملات
المبالغ فيها تجاه بعض مظاهر "العنف
العشوائي" الذي رافق تحرّك الشبيبة
الغاضبة في بعض الأعمال الاحتجاجية، بما في
ذلك اقتران ممارسـة المقاطعة بارتكاب أعمال
تخريبية لمحلات تجارية، أو قذفها بالأحجار،
وما شابه ذلك.. فمع كل التأكيد دون تحفظ أن هذا
أحد المظاهر الرئيسية التي ينبغي العمل على
تجنّب وقوعها، ويساهم تطوير المقاطعة في
تجنّب وقوعها فعلا، ينبغي التأكيد أيضًا أن
بعض المواقف السياسية والأمنية والإعلامية:
أولا
- تتجاهل في تعاملها مع هذه المظاهر المرفوضة
ـ سببها الرئيسي الكامن في درجة الغليان
المكبوت الذي:
1-
صنعه من جهة ذلك الإجرام العلني المتواصل منذ
سنوات والبالغ ذروة جديدة في الوقت الحاضر،
على حساب أهلنا ومقدساتنا وممتلكاتنا .. وعلى
حساب كرامتنا وحقوقنا ومستقبلنا، ثمّ ما يجده
من عون مالي وغير مالي من خارج صفوفه وهو
يمارس ذلك الإجرام الذي تعفّ عن مثله الوحوش ..
وبالتالي ما يؤجّجه هذا الإجرام السافر من
مشاعر لا يسهل ضبطها ولا كبتها في النفوس ..
2-
وصنعه من جهة أخرى ذلك الخذلان المخزي للقضية
وما يرتبط بها ولضحاياها، بل وحقيقة أنّ
مستوى الخذلان وما واكبه من حملات تضليل
وتزييف، قد تردّى إلى درجة أخطر وأشدّ مدعاة
للفتنة، وهو قيام أجهزة أمننا وحكوماتنا بفرض
القيود والأغلال على كلّ تحرّك جماهيري، ليس
من أجل جهاد مفروض أو عمل فدائي مطلوب فحسب،
بل حتى لمجرّد التنفيس عن الغضب وإظهار مشاعر
التضامن بين العرب والمسلمين ..
إنّ
هذا الوضع لا يستدعي استغراب وقوع أعمال عنف
محدودة الحجم والأثر –وهي مرفوضة على كل حال-
بل يستدعي الإعجاب بمستوى الوعي الذي وصل
إليه عامّة الجماهير في بلادنا العربية
والإسلامية، فلم يتحوّل الغضب الكبير إلى سيل
جارف لكل ما أمامه دون ضبط ولا تفكير ..
ثانيا
- كما تتجاهل تلك المواقف أنّ أولئك الذين
ينطلقون في بعض البلدان الغربية، من مثل تلك
الحوادث المحدودة للتنويه سرّا وعلنا، بخطر
" الجماهير على الحكومات العربية
والإسلامية " وليس على الكيان الإسرائيلي
وحاضنته الأمريكية فقط إذا لم يستمرّ "ضبطها
أمنيًّا " .. هم أنفسهم الذين لا يواجهون في
بلادهم الغربية، بمثل تلك الأساليب الأمنية،
ولا بقوانين حظر التجمّعات وغيرها، ولا
بالأحكام الاستثنائية وأنظمة الطوارئ وما
شابهها، مجموعات غوغائية بمعنى الكلمة،
تتحرّك على أرض البلدان الغربية، فتدمّر
لمجرّد التدمير، وتقتل لمجرّد القتل، وتعتدي
لمجرّد الاعتداء، بدوافع عنصرية، أو حتى تحت
عناوين " الفوضوية "، بل وفي إطار ما هو
معروف من عنف دموي يمارسه " هواة ألعاب
رياضية .. فأين المصداقية في "نصائح"
زعماء تلك البلاد لزعماء بلادنا، أن يكبتوا
التعبير الشعبي عن الغضب بالأساليب الأمنية
المتبعة، حتى وإن أتى ذلك التعبير تحت تأثير
الألم من مشاهد قتل الإخوة الأشقاء، صغارًا
وكبارًا، بلا حساب ولا عقاب!..
هي
من قبيل ما يوصف بدسّ السّم في الدسم؛ طلبًا
للفتنة ما بين الحكومات والشعوب .
ولهذا
وجب في المقابل التأكيد على ما يلي:
إنّ
الدعوة إلى تنظيم "المقاطعة الشعبية"
بما في ذلك ضبط مظاهر التعبير الشعبي عن
المطالبة بها، ومظاهر ممارستها الجماهيرية،
لا تعني رؤية هذا المطلب من منظور غربي يزعم
الغيرة على مصالح حكومات بلادنا، ويوهم بأنها
لا تكمن في وقف دعم عدوّها وعدوّ شعوبها، بل
تكمن في "استعدائها" على شعوبها ..
إنّما
تنطلق هذه الدعوة إلى تنظيم المقاطعة وضبطها
من حقيقة أنّنا بمقاييس الدين الذي تدين به
الغالبية العظمى من تلك الجماهير، والقيم
الإنسانية المشتركة بين البشر، ومقاييس
مصالحنا الذاتية، نستشعر الأخطار الداخلية
التي يمكن أن تترتب على تلك المظاهر
المرفوضة، ونقدّر أنّ هذا الطريق لا يحقق
الغرض المطلوب من المقاطعة الشعبية، أو من
ممارسة الضغوط على الحكومات لتمارس بدورها
المقاطعة المنهجية على مستوى رسمي.
اعتراضات
مشروعة وأمثلة عملية
هناك
محاور بالغة الأهمية، لا بدّ من وضعها في
الحسبان في نطاق عملية" التخطيط والتنظيم
والمتابعة " المفروضة على الدعاة إلى تلك
المقاطعة، وهي بإيجاز:
-
إيجاد بدائل من السلع والخدمات عن "الضروريات"
التي يراد الاستغناء عنها عبر المقاطعة ..
-
فقر الغالبية من السكان مقابل " النفس
المالي الطويل " عند شركات عملاقة يمكن أن
تتحمّل الخسارة لفترة ما ..
-
إيجاد بدائل من أماكن العمل لتأمين رزق
العمال والمستخدمين المتضرّرين في المواقع
التي تنال المقاطعة منها..
-
إيجاد ضمانات قانونية وإغراءات كافية
لاستثمارات "العرب والمسلمين " كبديل
يعوّض الاستثمارات "المعادية"..
وعلاوة
على ما يُستخلص من هذه النماذج المشار إليها
من حديث عامّة المواطنين، يمكن أن نضيف عناصر
عديدة أخرى:
-
البحث عمّا يعوّض الضرائب لصالح خزينة الدولة
من مشاريع معادية.
-
ترتيب الأولويات فيما يمكن الاستغناء عنه على
المستوى الشعبي ومستوى الاقتصاد الوطني.
إلاّ
أن هذه التفاصيل بالذات، هي ما لا يمكن تحديده
ولا ينبغي تحديده في "مقالة إعلامية"،
ولا في مؤتمر محلي أو ندوة عابرة، ناهيك عن
إمكانية الوصول إليه على أرض الواقع،
وبالتالي تحقيق الهدف المطلوب على الوجه
الأمثل، إذا ما بقيت المقاطعة الشعبية من صنع
تحرّك جماهيري عفوي، دون ترشيد أو تنظيم، أو
إذا بقيت بعض مظاهر التوجيه المحدودة للغاية
حتى الآن، مقتصرة على مكان دون آخر، ومتفرّقة
عن بعضها بعضًا، فلا تبلغ من الأهداف
المرحلية أو الغاية البعيدة ما يستحيل بلوغه
دون تنسـيقها وتكاملها.
إنّ
العناصر المعدودة التي تكشف عنها الأمثلة
الواردة عن الاعتراضات الشعبية المشار
إليها، إنّما هي نماذج عن مجموعة العناصر
التي ينبغي أن توضع في الحسبان لتوجيه
المقاطعة الشعبية بصورة هادفة، وهي عناصر
تتطلب دراسة منهجية من جانب من يتوفر لديهم ما
يكفي من معلومات واختصاصات وخبرات، فضلا عن
الصلة المباشرة بالواقع الشعبي والاقتناع
العقلاني إلى جانب التأثر الوجداني، بدور"المقاطعة
الشعبية" ومفعولها في إطار قضية فلسطين،
وباعتبارها القضية المحورية بمختلف المقاييس
الوطنية والقومية والإسلامية الشاملة
والإنسانية.
ومن
خلال ما سبق يمكن القول: إن الدعوة إلى تنظيم
المقاطعة الشعبية يعني:
1-
أن تتلاقى خيوط توجيهها لدى جهة تجمع من
العناصر ما يضمن لها ثقة جماهيرية تتجاوز
الحدود القطرية وترقى بها فوق الشبهات، وهذا
ما نتوخاه في مجموعة العلماء والدعاة
والمفكرين والإعلاميين الذين سبقت الإشارة
إليهم ..
2-
أن تقوم تدريجيًّا لجان للمقاطعة على مستوى
الأحياء والقرى والمدن والأقطار على أساس
العمل التطوعي من جهة، وبما يضمن اجتماع
الاختصاص والكفاءة والمكانة الشعبية المحلية
لدى عناصرها، فضلا عن المستوى العالي من
الوعي والقدرة على التعامل مع الجهات الشعبية
والرسمية في وقت واحد ..