الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة

 

المقاطعة الشاملة هي التي تؤثر في أمريكا

 

*نبيل عبد القادر

 

تحدث الكثيرون في الأسابيع الأخيرة حول جدوى المقاطعة العربية للبضائع الأميركية، ورأى بعضهم (أحمد الربعي من الكويت) أنها سلاح قديم بطلت موضته! ولا يليق بهذا العصر، كما أنه لا يؤثر·· ورأى آخرون- منهم الأستاذ أنور قرقاش من الإمارات - أن مقاطعة المأكولات والمشروبات الأميركية لا تفيد بشيء، بل إنها تضر لأنها تستعدي الولايات المتحدة في وقت يجب على العرب أن لا يستعدوا عليهم أحداً غير إسرائيل! أما زميلنا في الاتحاد عبد الله رشيد فقد أورد ألف دليل ودليل على اعتمادنا كلياً على الغرب بحيث يكاد يكون مستحيلاً أن نستطيع مقاطعته·· ومن المؤكد أن لا مصلحة للعرب أساساً في مقاطعة  الغرب  كله·· فقد وقفت أوروبا مؤخراً موقفاً أقرب إلى الحق العربي·· ولكن مقاطعة البضائع الأميركية ممكنة، وواجبة، ومؤثرة كل التأثير· وإذا كان ثمة أشياء لا نستطيع مقاطعتها فليس على المضطر حرج، وهذا لا يبطل المقاطعة ولا يضعف تأثيرها، وما لا يُدرك كله لا يُترك جُله!

ولعل من المفارقة أن يثور كل هذا الجدل في إعلامنا العربي حول جدوى المقاطعة العربية· فالمفترض أن من البديهي أن هناك جدوى كبيرة من تلك المقاطعة·· وفي ظل ظروف التخاذل الرسمي وإسقاط خيار الحرب نهائياً من قبل الكثير من الأطراف الرسمية المؤثرة، فإن خيار المقاطعة الشعبية يصبح الإجراء الأكثر إيلاماً للمعتدين، والأكثر تأثيراً على سياساتهم بشكل مباشر وغير مباشر· لماذا؟

يعرف كل مطلع على آليات العمل السياسي الأميركي أن الولايات المتحدة لا يحكمها السياسيون حقاً، بل تحكمها الشركات الكبرى· أما السياسيون والوزراء وأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب فهم في غالبيتهم ممثلون لتلك الشركات (كما يُطلقون هم على أنفسهم) والأصح تسميتهم أجراء لدى تلك الشركات مقابل أجور مباشرة، أو هدايا، أو إعادة انتخاب، أو مقابل توظيف أولئك السياسيين كمستشارين في تلك الشركات بعد تقاعدهم، أو مقابل أشكال أخرى من المنافع غير المباشرة·

وتمثل الإدارة الأميركية دوماً مصالح كبريات الشركات والكارتلات الصناعية· فمثلاً، انتهت الحرب الباردة، وأصبح الاتحاد السوفييتي في خبر كان، ولم يعد ثمة تهديد حقيقي لقوة الولايات المتحدة، ولكن ميزانية الدفاع لم تنخفض، بل بقيت على حالها، بل زادت في بعض السنوات· وأخذت الإدارة الأميركية تروج لتهديدات مزعومة مضحكة من دول صغيرة ككوريا الشمالية وليبيا والعراق وخطر الإرهاب·· وذلك كله لتبرير الاستمرار في تخصيص موازنات هائلة لوزارة الدفاع·· لماذا؟ لأن هذه الأموال تذهب بشكل مباشر إلى الشركات الأميركية الكبرى في مجالات التسليح، والإلكترونيات، والكيماويات، وبحوث الفضاء وغير ذلك من ميادين تتعلق بعمل الوزارة·

أي أن أموال دافع الضرائب الأميركي أصبحت تُحول سنوياً إلى الشركات الكبرى ذات الهيمنة المطلقة على المجتمع الأميركي· وأصبح هذا النمط من الاقتصاد يُسمى في الولايات المتحدة رفاه الشركات ((مْفنٌمط مُّفُُِْْ، وهو الأمر الذي حاربه مرشح حزب الخضر الأميركي رالف نادر في الانتخابات الأخيرة· كما حاربه ناشطو سياتل وغيرها··

إذن فإن الإضرار بمصالح الشركات الأميركية وأرباحها هو إضرار مباشر باللاعبين الحقيقيين خلف الستار، القادرين على تحويل مسار السياسة الأميركية بالفعل لا بالقول· وهو ضرب على العصب الحساس العاري كما يقول الإنجليز··  ولكن السؤال الأهم هو: هل تكفي المقاطعة الشعبية بشكلها الحالي لإحداث مثل هذا التغيير في السياسة الأميركية على المدى القريب والمتوسط؟ هذا سؤال قابل للأخذ والرد· لأن ذلك يعتمد على نقاط عديدة أهمها مدى شمولية المقاطعة وعمقها واستمرار الالتزام بها، ومنها تعمق هذه المقاطعة لتصل إلى بعض حلقات اتخاذ القرار الدنيا في المجتمعات العربية·  فمن المعروف أن سلسلة مطاعم الوجبات السريعة، وشركات الصابون، والسلع الاستهلاكية البسيطة الأخرى لا تُعتبر شركات شديدة التأثير على السياسة الأميركية، رغم أن لها تأثيرها المؤكد على المدى البعيد· وإذا ما استمرت مقاطعتها وتطورت فإنها ستمارس ضغوطاً لا يُستهان بها·· غير أن أهم القطاعات التي تمارس ضغوطاً فعلية على الإدارة الأميركية وتستطيع تغيير سياستها بشكل مباشر وملموس هي - حسب تسلسل أهميتها - شركات 1- النفط، 2- السلاح والطيران، 3- البرامج والإلكترونيات، 4- الأدوية، 5- السيارات·· وتأتي بعد ذلك الشركات الأخرى بما فيها شركات الأغذية والسجائر والمواد الاستهلاكية الأخرى·  ومن الطبيعي أن المواطن العربي لا يستطيع مقاطعة شركات النفط الأميركية،· (رغم أنه يستطيع مثلاً الضغط على شركات الطيران العربية بعدم ركوب طائرات بوينغ، وتفضيل طائرات إيرباص عليها مثلاً!) كما أنه يستطيع مثلاً مقاطعة الأدوية الأميركية عندما يتوفر بديل لها·· ونزعم أن 99 بالمئة من تلك المنتجات لها أكثر من بديل واحد لا يقل جودة عن الأدوية الأميركية، بل أن معايير صناعة الدواء الأوروبية أشد وأعلى بكثير من معايير صناعة الدواء الأميركية· كما يستطيع المواطن العربي مقاطعة السيارات الأميركية، خاصة بعد أن تجاوزتها السيارات اليابانية والأوروبية في جودتها وأدائها وتوفيرها للوقود· ويستطيع المواطن العربي مقاطعة ما يتوفر بديل له من أجهزة وبرامج الكومبيوتر·· ونزعم أن هناك صناعات بديلة شرقية وغربية في هذا المجال· وذلك كله يُضاف بالطبع إلى مقاطعة المطاعم والمشروبات والسجائر وغير ذلك من مواد··

إن مقاطعة عربية جادة وشاملة لهذه المواد التي يستطيع مقاطعتها المواطن العربي وحده كفيلة إذا ما استمرت سنة واحدة بأن تخلق ضغوطاً هائلة على الإدارة الأميركية لا بد أن تأخذ شكل مواقف سياسية حازمة مع العدو الصهيوني· بالإضافة إلى ما ستخلفه من احترام لهذه الأمة في نفوس الأميركيين أنفسهم بعد أن ظنوا أن العرب لا كرامة لهم، ولا إحساس قومياً يربطهم· فعندها سنجد أن الكثير من المناقصات لن ترسو بعد اليوم على الشركات الأميركية، وأن الكثير من الصفقات سيصدر القرار بعقدها مع الشركات التي تنافس الأميركان في المجالات المختلفة، وأن المسؤول عن استيراد الأدوية مثلاً سيجد أن من العبث التعاقد على أدوية أميركية تبقى مكدسة في الصيدليات بسبب المقاطعة، فيختار عندها مصادر بديلة·· وقد شهدنا جميعاً أكثر من مثال على إرسال الشركات الكبرى لكبار المسؤولين الأميركيين إلى الدول العربية للفوز بصفقة الطائرات الفلانية  - عسكرية كانت أم مدنية - أو لتمرير صفقة السلاح الفلانية· إن صفقة رئيسية واحدة من صفقات الطائرات المدنية مثلاً كفيلة بقلب المناخ السياسي في واشنطن رأساً على عقب، وخلق ضغوط لا نهاية لها على صانع القرار السياسي· وما من شك على الإطلاق أن تعاهد الشعب العربي في معظم أقطاره على مثل هذه الخطوات، وما يأتيه من المخلصين من مسؤوليه في المستويات الوسطى والعليا، وما يرفده من دعم مماثل من العالم الإسلامي·· ما من شك أن هذا كله سيغير الكثير من ملامح السياسة الأميركية في منطقتنا العربية، وسيمنح الزعماء العرب أنفسهم قدرة على المناورة ومواجهة الضغوط الأميركية·

إن المقاطعة سلاح عصري فعال تمارسه المؤسسات المدنية المتحضرة داخل الولايات المتحدة نفسها، وتمارسه الولايات المتحدة بشكل مقلوب ووحشي ضد الشعب العراقي، وهو سلاح فعال ومطلوب وضروري·

إن الشركات الأميركية الكبرى تدفع عشرات الملايين لحملاتها الإعلانية والترويجية، كي تتفوق على منافساتها الأوروبية والشرقية وغيرها·· وليس من السهل عليها أن تخسر سوقاً هائلاً كالسوق العربية لمنافسيها دون أن تمارس تأثيراً يعيد لها هذا السوق الضخم، ناهيك عن سوق العالم الإسلامي الذي بدأت البوادر تفيد بتطور مواقفه هو الآخر·  غير أن من الطبيعي لمن يمتلكون توكيلات لشركات أميركية واستيراداً وتصديراً معها أن يروا في المقاطعة عبثاً لا طائل من ورائه، وأسلوباً همجياً عفا عليه الزمن·· ففي المقاطعة قطع لأرزاقهم العزيزة، مهما تضمخت تلك الأرزاق بدماء الأبرياء·