الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة

 

المقاطعة الاقتصادية .. سلاح فعال قد يوازي الحرب العسكرية

هل يمكن العودة للمقاطعة الشاملة للكيان الصهيوني؟ سؤال شائك يزداد تعقيدا مع بروز معطيات جديدة تفرض اعادة قراءة الواقع الراهن مرات عدة للتوصل الى رأي حاسم ازاءه. هذه المعطيات،

تفيد بأن مسألة التسوية السلمية هي الخيار الوحيد الذي اتخذه النظام الرسمي العربي منذ مؤتمر مدريد الذي عقد في صيف 1991م, يعد اسدال الستار على حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى تنافس الولايات المتحدة وتشاركها في رعاية عملية التسوية حتى سقوطها المدوي وانفراد واشنطن بالرعاية الكاملة للعملية, الامر الذي يعني وجود راع منحاز بالكامل الى وجهة نظر طرف واحد في المفاوضات, تعزز دوره مع حجم التنازلات التي قدمها المتفاوضون العرب منذ تجزئة الوفود العربية كي ينفرد بها الكيان الصهيوني واحدا تلو الآخر.

فجاءت اتفاقية اوسلو في الثالث عشر من سبتمبر 1993م بين الكيان والسلطة الفلسطينية, تبعها بعد عام اتفاقية وادي عربة بين الكيان الصهيوني والاردن, في الوقت الذي كانت المسارات الاخرى (السوري واللبناني) تشهد عمليات شد وجذب, وارتخاء وتوتر لم يمنع من عقد المزيد من الصفقات مع الجانب الفلسطيني الذي كان يعتبر المحور الرئيسي في عملية التسوية برمتها.

وكان الرهان الكبير الذي دخلته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يعتمد بدرجة كبيرة على الجانب الاقتصادي نظرا لما تمتلكه الدولة العبرية من قدرة تتفوق على كل دول الطوق (مصر وسوريا ولبنان والاردن.. ولاحقا الضفة الغربية وقطاع غزة), مدعومة برأسمال يهودي متمركز في الولايات المتحدة ودول اوروبا الغربية, ناهيك عن اللوبيات الصهيونية المنتشرة في اكثر من عاصمة كبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية بالطبع.

وفي سياق واقع كهذا برزت فكرة (الشرق اوسطية) التي افرد لها شيمون بيريز كتابا كاملا نظر من خلاله لاهمية تجسيد هذا الشعار على أرض الواقع استنادا الى الفعل الاقتصادي الذي يراه حاسما في موضوع تطبيع العلاقات بين تل أبيب والدول العربية.

ولكن تبدأ رحلة الألف ميل بخطوة عقدت المؤتمرات الاقليمية التي ضمت الدول العربية والكيان اضافة الى تركيا واثيوبيا ودول اوروبا والولايات المتحدة, وبعض الدول البعيدة, ما اثار تساؤلا جديا عن فحوى (الشرق الاوسط الجديد) الذي يريده بيريز والادارة الامريكية, فهو بلا شك ليس تجمعا جغرافيا, انما قام على اساس خلفيات سياسية تحددت بعد انتهاء حرب الخليج الثانية وانهيار المنظومة الاشتراكية.

وكان الهدف البارز في كل المؤتمرات التي عقدت يتمحور حول كيفية خلق علاقات اقتصادية بين اسرائيل وجيرانها, اي اسقاط المقاطعة العربية لاسرائيل وانهائها حتى قبل الولوج في مفاوضات التسوية على بعض المسارات لذلك كان الضغط قويا من ناحية واشنطن لالغاء المقاطعة العربية للكيان فما ان عاد الموقعون على اتفاق اوسلو الى بلدانهم حتى اصدرت الجامعة العربية قرارا مثيرا يقضي بإلغاء المقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة, وفي ضوء هذا القرار اتخذ مجلس التعاون الخليجي اواخر العام 1994م قرارا مماثلا, شجع الشركات التي تتعامل مع الكيان على الاستمرار في الضغط على حكوماتها لاسقاط كل اشكال المقاطعة. ففي دراسة اصدرتها لجنة التجارة الدولية الامريكية حول المقاطعة العربية للكيان الصهيوني بينت انه في العام 1993م وحده خسرت الشركات الامريكية 400 مليون دولار بسبب ضياع الفرص, وخسرت ايضا 140 مليون دولار بسبب تقيدها بأحكام المقاطعة وهذا ما قاد الممثل التجاري للولايات المتحدة الامريكية آنذاك (ميكي كانتور) لان يصرح بأن (ما كشفته الدراسة يؤكد الاهمية الحاسمة لانهاء مقاطعة الجامعة العربية لاسرائيل بجميع اشكالها وأن الادارة الامريكية ستواصل العمل لتفكيك ما تبقى من مقاطعة).

وبعد اتفاقيتي اوسلو ووادي عربة, وما تبعها من تطبيع مع الكيان, فتح الباب على مصراعيه للاقتصاد الصهيوني الذي غزا اسواق الدول الصديقة للعرب والتي كانت متضامنة مع قضاياهم وملتزمة بعدم اقامة اي نوع من العلاقات مع العدد الصهيوني فتضاعفت التجارة الخارجية وتحول النمو الاقتصادي من سلبي في الثمانينيات يصل فيه التضخم الى 400 بالمئة الى نمو ايجابي في التسعينيات يفوق معدلات النمو في الدول العربية, خاصة باعتماد الكيان على الحقول الاقتصادية الجديدة مثل الالكترونيات وأجهزة الحاسوب والبرامج.

في هذا الوقت كان اقليم الحكم الذاتي الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية يزداد تبعية للكيان بحكم اتفاق (اوسلو) وذهاب السلطة الفلسطينية بعيدا في مسألة التنازلات فالاقتصاد الاسرائيلي يتفوق على اقتصاد الضفة والقطاع بأكثر من عشرين مرة, ويفوق نظيره الاردني بنحو خمس عشرة مرة, ما يعني ان الحديث عن تشكيل مثلث قوامه الكيان والاردن و الحكم الذاتي الفلسطيني, الذي جرى الحديث عنه ابان زهوة التوقيع على الاتفاقيات... هذا المثلث لن يكون, في حال تأسيسه, الا اسرائيلي الرأس والقيادة, بالضبط كما هو الحال مع السوق الشرق أوسطية.

ولم يكن هذا التصور مغايرا للواقع فمع اندلاع الانتفاضة الشعبية في فلسطين اواخر شهر سبتمبر الماضي, خسر الاقتصاد الفلسطيني اكثر من مليار دولار بسبب الحصار الذي يفرضه الكيان الصهيوني, وارتفعت البطالة الى معدلات تصل في بعض المواقع الى 75 بالمئة وفقد اكثر من مئة وعشرين ألف فلسطيني مصادر رزقهم بسبب منعهم من التوجه الى الكيان للعمل. ويؤكد وزير الصناعة بالسلطة الفلسطينية د. سعدي الكرنز ان الخسائر اليومية للقطاع الصناعي تصل الى 8.12 مليون دولار اي 520 مليون دولار خلال 37 يوما من عمر الانتفاضة.

وفي الجانب الزراعي تعمد قوات الاحتلال على عملية تصحير المناطق الزراعية عبر اقتلاع الاشجار, حيث تقدر المصادر الفلسطينية ان الجيش الصهيوني اقتلع قرابة 5000 شجرة زيتون, ناهيك من التدمير الممنهج للقطاع الزراعي برمته.

وبالاستناد الى المعادلات الاقتصادية, فإن الاقتصاد الاقوى هو الاقدر على الصمود فبالرغم من تأثر الاقتصاد الصهيوني بسبب الانتفاضة الا ان الجرعات التي حصل عليها منذ مؤتمر مدريد وحتى الآن, وضعته في مصاف الاقتصاديات العالمية الكبيرة, ولأنه يحاصر اكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة, فإن الآثار السلبية ستكون اكبر على الاقتصاد الفلسطيني الذي هو اصلا اقتصاد تابع للكيان, بينما هذا الاخير يمتلك حرية التصدير لكل الموانىء بما فيها الموانىء العربية التي تخترق اسواقها عبر ميناء ثالث تجري فيه عمليات التغليف واخفاء دولة المنشأ!.

نعود الى ذات السؤال: هل يمكن العودة للمقاطعة الشاملة للكيان الصهيوني؟

حسب المعلومات الاخيرة الصادرة عن مكتب المقاطعة العربية لاسرائيل فإن خطوة كهذه تكلف الكيان مبلغا يقترب من 92 مليار دولار. لكن هذا المكتب لم يجتمع منذ اتفاق أوسلو. فما العمل؟

كل المؤشرات تؤكد بأن العودة لسلاح المقاطعة ممكنة اذا كان هناك قرار سياسي واضح, ليس تجاه الكيان فحسب, انما ضد الدول التي تدعمه ايضا. فالولايات المتحدة لا تخفي دعمها المطلق للدولة العبرية, وقد شاهد الملايين كيف تحولت حملات المرشحين لمنصب الرئاسة الى تنافس على كسب ود اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة, مع ان اليهود يشكلون نسبة لا تزيد على اثنين بالمئة من سكان الولايات المتحدة. ليس هذا فحسب, بل ان الموقف الامريكي تجاه الارهاب الصهيوني الذي تضاعف ابان الانتفاضة كان واضحا ولا لبس فيه. أي ان الدعم مطلق في كل الحالات بما فيها عمليات الابادة الجماعية التي يمارسها الجيش الصهيوني ضد الفلسطينيين العزل. ان هذا يفرض تحركا عربيا رسميا بعد ان تحرك الشارع وقال كلمته المعادية للتطبيع مع الكيان وايضا مع داعميه. فالاستثمارات العربية في الخارج تقدر بأكثر من 700 مليار دولار والجزء الاكبر منها موجود في الولايات المتحدة, وإذا كان هناك توجه جدي فليشرع في تأسيس السوق العربية المشتركة وقبر مشروع الشرق اوسطية ولتعاد بعض هذه الاموال لتنفيذ المشاريع الكبرى على المستوى العربي كالطرق وفتح الحدود والربط الكهربائي وغيرها من المشاريع المؤسسة لوحدة اقتصادية حقيقية غير قابلة للعطب والانفلاش. ولكن قبل كل ذلك فليقل متخذو القرار السياسي كلمتهم الواضحة ازاء عملية التطبيع القائمة حاليا.

تأثير المقاطعة ومدى فاعليتها

اختلفت الاراء في تقويم فاعلية المقاطعة العربية وتقدير الآثار التي ألحقتها بمختلف المجالات, فالبعض اعتبر ان المقاطعة حققت نجاحا كبيرا وأنها أثرت على العدو ونموه وتعامله مع الخارج تأثيرا سيئا الى الحد الذي جعل من اسرائيل كناية عن غيتو (معزل) في الشرق الاوسط, والحقيقة ان هذا التقييم لم يكن يخلو من المبالغة والتهويل في تقييم النتائج. في حين ذهب البعض الآخر الى التقليل من شأن المقاطعة وتأثيراتها الى حد المبالغة ايضا في التشاؤم والتشكيك في النتائج, وفي واقع الامر, فإن المقاطعة قد حققت قدرا من النجاح النسبي, وهو الأمر الذي لا ينفي معه ان اسرائيل قد استطاعت, بوسائل متعددة اختراق المقاطعة والتحايل عليها.

الا انه من الصعب تقويم مدى الاضرار التي ألحقتها المقاطعة الاقتصادية العربية لاسرائيل, والوصول الى تقدير دقيق من خلال ارقام ومعطيات, فقد كانت اسرائيل حريصة على سرية الدراسات في هذا المجال, كما لا يمكن لأحد معرفة ما كان يؤول اليه الاقتصاد الاسرائيلي في غياب المقاطعة الا انه يمكن القول ان هذه الاضرار قد زادت بعد سنة 1973 بسبب القوة المالية للدول العربية النفطية واحتلال العرب مكانا مهما في عالم المال والاعمال. إلا ان هذا لا يخفي الخروقات الاسرائيلية للمقاطعة.

التغلغل الاسرائيلي في المقاطعة

هناك عدة عوامل وأسباب اسهمت جميعا في الحد من فاعلية المقاطعة والحيلولة دون تمكين العرب من تحقيق جميع الاهداف وفيما يلي ابرزها:

خضوع بعض الاقطار العربية للضغوط الخارجية, وحالت هذه التبعية دون تطبيق المقاطعة بشكل فاعل, ولقد وصل عدم جدية مواقف بعض الدول العربية حيال المقاطعة, الى ابعاد تمثلت في الاحجام عن تنفيذ مقررات مكتب المقاطعة الرئيسي, والضغط على المكاتب الاقليمية والتدخل في شئونها.

كما استطاعت اسرائيل ان تؤمن كميات كبيرة من النفط من العراق عبر خط انابيب النفط العراقي الذي ينتهي في حيفا عبر الاردن, وذلك منذ 1948م حتى اكتشف هذا الخط وتم تفجيره اثناء العدوان الثلاثي على قناة السويس. عجز مكاتب المقاطعة عن القيام بواجباتها بسبب عدم توافر موظفي الاجهزة المتخصصة وعدم توفر الامكانيات المادية وغيرها, وكما تبين سابقا لم تفسح بعض الدول العربية المجال امام هذه المكاتب للعمل بحرية وبالشكل المطلوب, الامر الذي ادى في نهاية الامر الى عدم تمكين هذه المكاتب من تطبيق اجراءات المقاطعة تطبيقا كاملا.

مقاومة القوى المعادية للمقاطعة العربية, حيث اتسمت سياسة الدول الغربية ازاء المقاطعة بالرفض والعرقلة واصدار التشريعات والقوانين المناهضة, ودأبت عدة حكومات غربية على الامتناع عن منح تأشيرة دخول لضابط المقاطعة المكلف بالالتحاق بمكاتب الجامعة العربية في عواصم الغرب, في حال كان الاتحاد السوفييتي يأخذ بعين الاعتبار قوانين المقاطعة العربية فيما يؤدي الى دعم اسرائيل.

الثغرات في المقاطعة والتغلغل الاسرائيلي في الاسواق العربية

أ) الجسور المفتوحة مع الاردن:: قبل أن يمضي شهر على حرب يونيو 1967 عمدت اسرائيل الى ترميم الجسور القائمة على نهر الاردن وفتحها امام انتقال سكان الضفة الغربية وقطاع غزة الى الاردن والعكس, وتشير المصادر الاسرائيلية الى عبور اكثر من مليون شخص من الزوار العرب والسياح الاجانب خلال الفترة من 1968 وحتى عام 1975 مما ادى الى تدفق عملات صعبة قدرت بأكثر من 750 مليون دولار, الى الخزينة الاسرائيلية خلال الفترة المذكورة. كما تسربت المنتجات الاسرائيلية الى الدول العربية عبر هذه الجسور وعن طريق الاردن على انها منتجات من الضفة الغربية وقطاع غزة تحت لافتة (دعم صمود سكان المناطق المحتلة).

ب) الجدار الطيب: تمكنت اسرائيل اثناء الحرب اللبنانية سنة 1976 ان تحدث ثغرة اخرى في جدار المقاطعة العربية, وذلك عبر الحدود اللبنانية, عندما اقامت ما يسمى بالجدار الطيب لينتقل عبره الافراد والبضائع الاسرائيلية تحت ستار تقديم المساعدات الانسانية لسكان الجنوب, وقد تحول هذا الجدار بعد اجتياح لبنان عام 1982م الى ما يعرف بمنطقة الحزام الامني, وتشير بعض المصادر الاسرائيلية الى ان اسرائيل صدرت الى لبنان بضائع بقيمة 60 مليون دولار من شهر يوليو 1982 وحتى نهاية العام نفسه, وفي دراسة نشرت في اوائل التسعينيات كشفت ان حجم التبادل التجاري بين لبنان واسرائيل قد فاق المليار دولار في بعض السنين. ج) اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1970.

تغلغل اسرائيل عبر الدول الاجنبية القريبة من الوطن العربي السؤال الذي يثار الآن ما هو مصير المقاطعة العربية لاسرائيل بعد مؤتمر مدريد وأوسلو وشرم الشيخ وغيره وبعد قيام السلطة الفلسطينية؟

الضغوط الامريكية لالغاء المقاطعة ألقت الولايات المتحدة بكل قوتها ونفوذها في دعم اسرائيل منذ قيامها وكانت المقاطعة العربية لاسرائيل هدفا سهلا لها, ولقد أنشأت لهذه الغاية الآلية المناسبة لمكافحة المقاطعة, ساعدها على ذلك ازدياد ضغوطها على بعض الدول العربية عقب حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت. ولقد تتبعت امريكا مسألة المقاطعة, ضمن خطتها لاخضاع العرب لهيمنتها بغية تصفية القضية الفلسطينية, وسلكت السبل المختلفة من اجل ذلك كإصدار قوانين تقاطع كل شركة ودولة تقبل المقاطعة العربية. وعمل جهاز المخابرات الامريكي في الاتجاه ذاته. ان تحطيم المقاطعة العربية لاسرائيل جزء من خطة امريكا لافساح المجال امام اسرائيل لكي تصبح جزءا من نظام امريكي يعد للمنطقة تحت اسم الشرق الاوسط. الصراعات العربية ــ العربية والتشرذم وحالة التردي التي وصلت اليها العلاقات العربية, وقد ادى ذلك الى تحلل كثير من الدول العريقة من نظام المقاطعة ووفرت هذه الظروف المناخ الملائم لكي تؤتي هذه الحملة ثمارها, كما ادت المشاركة العسكرية الامريكية في حرب الخليج الثانية الى قناعة واشنطن بأن فرصتها في اقناع الكويت والدول الخليجية الاخرى, بقبول ما رفضته هذه الدول على مدى السنوات السابقة من انهاء بعض صور المقاطعة, قد باتت في قبضة اليد. وقد تمثلت مظاهر هذه الحملة في ثلاثة امور: الاول: الضغط السياسي بالطرق الدبلوماسية والذي يشمل اشعار الدول العربية بأن قضية انهاء المقاطعة هي أولوية سياسية لدى الولايات المتحدة. الثاني: ضغوط قانونية: قرنت الولايات المتحدة ضغوطها السياسية بضغوط قانونية. الثالث: عقوبات جزائية: لارهاب الشركات ومنعها من الخضوع لقوانين المقاطعة العربية. وهكذا تتضح قوة الحملة الامريكية وشراستها من اجل الاجهاز على آخر الاوراق العربية في مفاوضات السلام, فلا غرو اذن ان ترحب الولايات المتحدة بشدة بقرار دول مجلس التعاون الخليجي بإلغاء الدرجة الثانية والثالثة من المقاطعة, واصفة اياه بأنه خطوة مهمة. ولكن بنظرة ثاقبة للامور,نجد ان هذا القرار ليس الا تعبيرا عن واقع فعلي تم فيه عمليا التغاضي, وإن بدرجات متفاوتة عن تطبيق المستويات غير المباشرة للمقاطعة, خاصة اثناء السنوات الخمس التي اعقبت انتهاء حرب الخليج الثانية, فالشركات الامريكية على وجه الخصوص اعفيت بشكل تام من شهادات المنشأ, والأمر نفسه حدث مع الشركات الالمانية بعد تطبيقها قوانين مماثلة للقوانين الامريكية. ويمكن القول ان احتمال الغاء المقاطعة المباشرة مع اسرائيل امر وارد بدرجة كبيرة في المستقبل القريب في ظل التطورات المهمة الجارية والدعوة الى اقامة سوق شرق اوسطية في المنطقة, إلا ان المقاطعة بشكلها المباشر ستظل الى حين ظهور المؤشرات التي تؤكد ان الطريق ممهد امام السلام الشامل القائم على مبدأ الارض مقابل السلام وعلى تنفيذ قرارات مجلس الامن المتعلقة بالصراع العربي الاسرائيلي, ولا شك ان قرارات الامة العربية الاخيرة في اكتوبر الماضي في القاهرة واندلاع الانتفاضة سوف يكبح المواضيع المتعلقة بتخفيف المقاطعة او الغائها. وأخيرا تجدر الاشارة الى انه حتى مع رفع اجراءات المقاطعة بأشكالها المختلفة تظل هناك ما يمكن تسميتها (المقاطعة الشعبية) اذ لن يكون هناك اي تشريع يستطيع ان يجبر المواطن العربي او الشركات العربية على شراء البضائع والخدمات الاسرائيلية, كما يحدث في الاردن في تصدي الهيئات الشعبية الى مكافحة التطبيع والدعوة الى قطع العلاقات مع اسرائيل. فكما يقول المثل الانجليزي تستطيع ان تقود الحصان الى الماء لكنك لا تستطيع ان تجبره على شربه. وهنا تثار قضية التطبيع وهو نوع شعبي من المقاطعة بابعاد مقاومة, ازدهرت في مصر والاردن وامتدت الى دول الخليج مؤخرا.