يوليوس العربي وبروتوس الباكستاني
خيري منصور
صحيفة الخليج
الإماراتية 11/9/2005
من حق العرب
والمسلمين أن يغضبوا على موقف الرئيس الباكستاني مشرف لأنه قدم للدولة
العبرية براءة ذمة من الدم الفلسطيني، وغفراناً مجانياً، لكن مطالبة أي
دولة غير عربية حتى لو كانت إسلامية بأن تكون ملكية أكثر من الملك تبدو
من قبيل التعجيز غير المنطقي، وهذا ليس بأي حال دفاعاً عن موقف مشرف أو
تبرئة له مما اقترف.
وثمة دول عديدة
من دول عالمنا منها ما هي غير إسلامية تمسكت لعقود بالقطيعة مع تل
أبيب، لكنها ما أن شاهدت أعلامها ترفرف في عواصم عربية حتى راجعت
نفسها، وقبلت بما قبل به بعض العرب، تماماً كما قبل العرب أنفسهم بما
قبل به الفلسطينيون في أوسلو، ليس احتراماً للإرادة الفلسطينية بقدر ما
هو بحث عن مبرر يحفظ ما تبقى من ماء الوجه.
وتركيا التي
لعبت دوراً في تعبيد الطريق بين تل أبيب وكراتشي، دولة إسلامية، رغم
حرصها على التأورب، ورغم كل المحاولات الأتاتوركية التي تنزع عنها هذه
الصفة، لكنها اقتربت من تل أبيب، وتحالفت معها مراراً، ولم تكن بحاجة
إلى قرار بأثر رجعي من الباب العالي في الاستانة.
العرب هم الذين
فتحوا الباب على مصراعيه أمام دول العالم كي تعيد علاقاتها مع تل أبيب،
لأن أصحاب الحق فرطوا في حقوقهم، وأفرطوا في التسامح المجاني، وبلا أي
مقابل مع من سرقهم واستباح مقدساتهم، وقرر طردهم من الجغرافيا وإقصاءهم
من التاريخ!
إن بمقدور أي
زعيم لدولة آسيوية أو أفريقية سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة أن يتذرع
بموقف العرب، ويعتبره "فيزا" تاريخية، يعبر بها الجسر الذي كان منسوفاً
نحو تل أبيب، ولديه من الردود الجاهزة ما يفحم عربياً أشاح عن سفارات
الدولة العبرية في عواصم عربية، ورأى بنصف عين ما كان عليه أن يراه
بعيني زرقاء اليمامة!
لقد أعلن
"شالوم" وزير خارجية الكيان الصهيوني، قبل أسابيع، أن هناك عشر دول
عربية تتهيأ لإقامة علاقات علنية مع تل أبيب، وما كان سرّياً لن يبقى
كذلك، ما دام الانسحاب من غزة هو المبرر الذي يشهره العرب عرفاناً
لشارون وامتناناً لانسحابه!
ويبدو أن قادة
الدولة العبرية على اختلاف انتماءاتهم الحزبية، كانوا يدركون منذ
البداية أن مسألة التطبيع بين العواصم العربية وتل أبيب هي مسألة وقت
فقط، وبانتظار مناسبات يجري تضخيمها والنفخ فيها كالقرب كي يبدو
التخريج معقولاً أو مقبولاً على الأقل بالنسبة لمن غسلوا أيديهم من
الصراع العسكري، ولا يرون أن بالإمكان أفضل لما كان.
والإلحاح على
الخلل الجذري في موازين القوى والتسليح بين العرب والدولة العبرية
المقصود به هو التيئيس، وإحراق آخر سفينة على شاطئ المتوسط. لا على
طريقة ابن زياد وابن النصير، بل على طريقة اللائذين الذين حولوا
الأشرعة إلى رايات بيض، ورفعوا أيديهم، متجرعين الهزيمة حتى الثمالة.
إن ما أقدم
عليه "مشرف" زج باكستان في مرحلة قد تتحول خلالها إلى مجال حيوي جديد
للصهيونية، لهذا لا يمكن الدفاع عنه أو تبرير خطوته، لكن من يتحملون
العبء الأكبر من مسؤولية إغواء دول إسلامية وتوريطها في علاقات علنية
مع تل أبيب هم العرب أنفسهم، أصحاب الناقة والجمل في المسألة كلها.
وإذا صدقت وعود
"شالوم" وسارعت عشر دول عربية إلى التطبيع المباشر وغير المنقوص مع
الدولة العبرية، فإن الرواية تكون قد شارفت على الانتهاء، لأن فصلها
الأخير هو خلاصة الدراما كلها، وإن كانت رواية من طراز غريب، ينقلب فيه
الشخوص على المؤلف، وتصبح قابلة لقراءة معكوسة تبدأ من خاتمتها.