تطبيع.. مقابل ترويع
بقلم: د. علي
فاضل حسن
صحيفة الأهرام
24/10/2005
إذا لم ينعقد
مؤتمر الجامعة العربية فوراً الآن.. فمتى يتداعى ويتنادى أعضاؤه إذن
لإنقاذ هذه الأمة؟
لقد وقف شارون
مؤخراً.. في ساحة هيئة الأمم المتحدة.. يختال ويحتال علي
محفلها.. باسم السلام.. الذي أملي عليه قرارات مؤلمة.. منها
الاختفاء من قطاع غزة.. المغتصب أصلا بقواته.. في غزوة عسكرية..
ولم يجد حرجاً في إدارة اسطوانته المشروخة.. من أنه لا يبغي أبداً
السيطرة على الفلسطينيين.. بل يرجو لهم - في تهويم غير مفهوم -
الحرية والرخاء.. ودون أن يفصح للمستمع العاقل عن وسيلة رفع القواعد
من دولتهم.. وقد تغلغلت في الضفة المستعمرات.. ومزقها السور..
وسلخت منها تخوم القدس الكبرى؟
بيد أنه لم يطل
أجل الجدل الذي أثاره ذاك الانسحاب.. وهل هو حقاً خطوة مقدامة نحو
إنجاز خريطة الطريق.. أم خدعة لتحويل القطاع إلى سجن مغلق محاصر..
لينفجر في النهاية من داخله.. صريع تلاطم حشوده الهائلة المتقاتلة
وراء أسواره.. فما لبثت مجنزرات نجمة داود أن اجتاحت قرية علاو
المجاورة لمدينة طولكرم بالضفة تظللها طائرات الأباتشي لتغتال ثلاثة من
نشطاء حركة حماس.. ثم استكثرت واستكبرت أن تطلق الحركة بضع قذائف
يدوية محلية الصنع لم تصب أحداً.. من غزة في اتجاه "إسرائيل"..
تنفيساً عن غضبها.. فكان أن قصفت بصواريخ طائراتها عرضاً عسكرياً
لكتائب القسام بمخيم جباليا شمال غزة.. أسفر عن استشهاد 19 وجرح
85 من رجالها.. وما أن تنصلت دولة بني صهيون من هذه المجزرة..
حتى انبرت بكل صلف وجبروت بعملية أشد ضراوة أسمتها أول الغيث تفضح كنه
السلام الذي تضمره لأمتنا.. طائرات بلا طيار اغتالت بصواريخ جو/
أرض قائد سرايا القدس وأخرى من طراز إف16 المصممة لميادين قتال
الحروب دكت مدرسة أطفال الأرقم ومقر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين..
وأتبعتها باثنتي عشرة غارة في يومين متتابعين على كل أرجاء القطاع..
مع إعلانها إغلاق الأراضي المحتلة إلى أجل غير مسمى.
ترى ماذا يسطر
القلم.. وقد فاض القلب واكتلم؟ إن تاريخ الدولة العبرية في
منطقتنا.. كريه كئيب.. وكم دلتنا مجريات الأحداث.. أن ما أقدم
عليه شارون حيال غزة.. من جانب واحد.. وبدون جدول زمني يحدد مواقيت
الجلاء عن بقية الشريحة الهزيلة.. من أرض فلسطين المسماة بالضفة..
لا يعدو كونه إعادة انتشار.. قابل للمراجعة في أية لحظة.. وللقوة -
كما قال سعد زغلول - أن تفعل بنا ما تشاء!! وتستبد بي الدهشة أن ما
حققه الجنرال المظفر من انتصار كاسح.. على شعب أعزل كسيح.. قد مر
مرور الغمام على دولنا العربية.. ناهيك عن أنباء صدمتنا عن قرب زيارة
السفاح لإحدى دول المغرب العربي لم تكن تربطها بدولة الصهاينة علاقة
ما.. إلى جانب تسرب تصريحات تشي برفع دول خليجية الحظر عن البضائع
الإسرائيلية.. متذرعة بكونه شرطاً لتصديق الولايات المتحدة على
انضمامها لاتفاقيات التجارة الحرة.
وإذ كانت
القضية الفلسطينية إحدى المعضلات المدرجة في جدول القمة العربية
العاجلة التي كان مقرراً انعقادها خلال شهر سبتمبر الفائت.. لولا
ظروف طارئة أفضت إلى تأجيلها.. رغم بقاء إلحاح موضوعاتها.. على
حالها.. فهل أزفت الساعة.. إثر ما جرى.. لالتئامها؟ لعل بني
العروبة يجتمعون على كلمة سواء بينهم.. يصدون بها كيد عدو الله
وعدوهم.. ولا يتجاوزون بعدها حدود مبادرتهم المعلنة في قمة بيروت
2003 والتي تمنح بموجبها جميع الدول العربية السلام الكامل.. مقابل
الانسحاب الشامل.. لإسرائيل من الأراضي المحتلة في حرب 1967. إنما
"إسرائيل" مازالت ترفض وتعربد.. لأنها لا تنشد السلام.. بغير
استسلام.. بينما البعض منا يهرول صوب التطبيع.. جزاء ما توالي به
شعبنا الفلسطيني من ترويع.