الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة

 

بعد الانسحاب من قطاع غزة... هل تتمدد إسرائيل؟!

 

أ. د. مصطفى رجب

صحيفة الشرق القطرية 15/9/2005

 

لم تكن باكستان أبداً داعمة لإسرائيل ولم تظهر أي من الدراسات السياسية وجود علاقات على أي مستوى بين الدولتين ولذلك بدا اللقاء الذي تم بين وزيري خارجية "إسرائيل" وباكستان برعاية تركية غريباً وجريئاً، إلا أن تصريحات وزير الخارجية الباكستاني كانت تحمل في طياتها تبريراً لهذا اللقاء، فهو أكد أن مسألة انسحاب "إسرائيل" من قطاع غزة كانت تمثل عاملاً محورياً في نظرة باكستان إلى الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي (مبشراً بتدشين مرحلة جديدة من العلاقات). ومن جانبه صرح "سيلفان شالوم" وزير الخارجية الإسرائيلية بأن هذا الاتفاق في هذا التوقيت من شأنه أن يحث العديد من الدول العربية والإسلامية على تغيير مواقفها بالنسبة إلى "إسرائيل".

 

ويبدو أن شريحة كبيرة من الكتَّاب العرب الذين يعارضون التطبيع ويجزعون من جراء توقيع اتفاقية بين طرف عربي و"إسرائيل" أو من عقد لقاء بين دبلوماسيين عرب ونظرائهم من الإسرائيليين سوف ينزعجون أكثر خلال المرحلة المقبلة التي ستشهد علاقات عربية - إسرائيلية على أعلى المستويات. فـ"إسرائيل" لن تفوت فرصة انسحابها من غزة هكذا دون تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية، فلقد صور الإعلام الإسرائيلي والغربي - والعربي أحياناً - أن "إسرائيل" خسرت كثيراً بالانسحاب من غزة وأنها ضحت براحة سكان القطاع من المستوطنين في سبيل تحقيق السلام ومشاهد تهجير المستوطنين واستلقائهم على الأرض وتشبثهم بها وخلعهم منها عنوة سيظل عالقاً بأذهان المشاهدين تماماً كما يتذكر الجميع مشاهد الدمار في "هيروشيما" و"نجازاكي" ومشاهد تحطيم حائط "برلين" ومشهد القبض على "صدام حسين".. الخ، ستظل مسجلة بأذهان الناس على أنها حدث تاريخي، هذا ما أرادته "إسرائيل" وما تريد أن تقبض ثمنه في المرحلة المقبلة.

 

وبالنظر إلى وقائع التاريخ الحديث نجد أن هناك هدفاًَ ثابتاً في استراتيجية الغرب تجاه المنطقة العربية يتمثل في الحيلولة دون ظهور قوة إقليمية فيها تكفل تكتلها على أساس عربي أو إسلامي وذلك من خلال إنشاء تحالفات عديدة من أجل إسقاط أي مشروع يهدف إلى تحقيق هذا التكتل ابتداء من مشروع "محمد على باشا" حاكم مصر والشام أوائل القرن الـ19 مروراً بجمال عبد الناصر حتى حرب عاصفة الصحراء في عام 1991م، وقد كان زرع "إسرائيل" في قلب المنطقة العربية هو أحد الوسائل لتحقيق هذا الهدف وخلال الأربعين عاما الماضية برز مفهوم الشرق الأوسط كصيغة مناقضة للمصلحة العربية واستقر في الوجدان العربي ارتباط هذه الفكرة بالعداء للعروبة ومحاولة نفاذ "إسرائيل" حيث إن المفهوم هو الذي يمكن أن يحقق لإسرائيل الانتماء إلى المنطقة فهي دولة شرق أوسطية وليست عربية وهو المفهوم الذي يتسع لإسرائيل ويعطيها شرعية الوجود والبقاء، وقد تولى الغرب رعاية الفكرة الشرق أوسطية حيث قامت المؤسسات الغربية البحثية وعلى رأسها جامعة "هارفارد" بوضع معالم المشروع الجديد لهذه الفكرة فمنذ أن حلت الوصاية الأمريكية محل الوصاية الإنجليزية والفرنسية وخلفتهما في رعاية "إسرائيل" حاولت بكل الوسائل إحكام السيطرة على المنطقة العربية ومواردها خاصة البترول حتى جاء بدء انكسار المد القومي منذ نهاية الستينيات من القرن الماضي، وابتداء من منتصف الثمانينيات بدأ التصور الحديث للمشروع الشرق أوسطي بالظهور في صورة مشروع أعده "شيمون بيريز" وزير الخارجية ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق واشترك معه مصطفى خليل نائب رئيس الحزب الوطني ورئيس الوزراء المصري الأسبق، الذي يتضمن استيعاب الثروة النفطية الخليجية وإدماجها في اقتصاديات الغرب عن طريق برنامج مشترك برصيد قدره 30 مليار دولار تديره الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية النفطية وقد تزامن مع الحديث عن هذا المشروع عقد اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة وقد عدتها الدول العربية وسيلة للتسلل عبر قرارات المقاطعة العربية وتسريب المنتجات الإسرائيلية إلى الدول العربية باعتبارها منتجات أمريكية.

 

وفي كتابه "الشرق الأوسط الجديد" يعرض "شيمون بيريز" مشروع الشرق الأوسط الجديد مقدماً الحلول الاقتصادية على الحلول السياسية طارحاً أفكاره وآراءه حول الأمن القومي والإقليمي والنظام الاقتصادي ومشاكل المياه وخطوط المياه وكذلك السياحة موجهاً نداءه للشعب العربي للانقلاب على حكامه "الأوتوقراطيين" على حسب تعبيره لتحقيق الديمقراطية التي وحدها تملك القدرة على التجديد والإبداع على أن يقوم هذه النظام الديمقراطي على سحق حواجز الحقد والكره ورفع شعار لا حروب بعد اليوم متناسياً أن ديمقراطية "إسرائيل" المزعومة قد قامت أساساً على غياب شعب وإجلال شعب آخر إلا أنه يقدم التجربة الإسرائيلية على كل التجارب وكأنها المثال والقدوة، ويدعو "بيريز" إلى درء الماضي بكل أحزانه والالتفاف إلى المستقبل والنظر إلى شرق أوسط جديد يقوم على تعاون اقتصادي أولاً يتلوه تفهم سياسي لأن "إسرائيل" - وفقاً لرأيه - لم تفتعل الحروب لاحتلال الأراضي، وإنما هي احتلت بعض المناطق من أجل ضمان الأمن والاستقرار.

 

وتتوافق رؤى "بيريز" هذه مع رؤى محرري خطط "إسرائيل" التفصيلية لمستقبل الدولة والمجتمع ("إسرائيل" 2020) التي أعدها 250 خبيراً إسرائيلياً من مختلف المؤسسات الرسمية والأكاديمية من داخل "إسرائيل" وخارجها وتحت بند (طاقة كامنة لمشاريع مجالية مشتركة) يفترض أحد هؤلاء الخبراء أن فتح الحدود يكشف إمكانيات استنفاد طاقات كامنة فريدة في مناطق طبيعية ذات قيمة كبيرة أدت إلى الحدود التعسفية المسدودة إلى منع تطويرها وبمقدور هذه المناطق أن تحقق هذه الطاقة الكبيرة الكامنة في وضع لاحق عندما يتم تنسيق تخطيطها وتطويرها بين الدول ذات الصلة وفي إطار هذه المشاريع يشير الكاتب إلى ستة مشاريع إقليمية:

 

- منطقة وادي عربة بين البحر الأحمر والبحر والميت: كمنطقة للزراعة والسياحة وللبنى التحتية الوطنية المشتركة في مواضيع المياه والطاقة.

- منطقة البحر الميت: المنتزه الأكثر انخفاضاً في العالم، وفي مواضيع السياحة والعلاج، فيما تشكل مدن "الكرك" في الأردن، و"عراد" في "إسرائيل"، و"أريحا" في السلطة الفلسطينية خلفية حضرية لها.

- منطقة غور الأردن: كمتنزه ثقافي وتراثي ومنطقة سياحية وزراعية فيما تشكل مدينتا "أريحا" و"بيسان" مراكز رئيسية وقاعدة خلفية بلدية لهذه المنطقة.

- منطقة بحيرة طبرية - الجولان - جبل الشيخ - لبنان: منطقة زراعية - سياحية ومحميات طبيعية تشمل مناطق داخل "إسرائيل" والأردن وسوريا ولبنان وتوجد في هذه المنطقة مواقع بانورامية وطبيعية وتراثية ذات روعة بانورامية ومناخية.

- جنوب شرق المتوسط: مدن الساحل الجنوبية في "إسرائيل" وهي أشدود راشكلون «عسقلان» وقطاع غزة وشمال شرق سيناء، وحتى العريش.