هل تراجعت أولـوية قضية فلسطين؟
بقلم: فهمـي
هـويـــدي
صحيفة الأهرام
26/4/2005
أسوأ أخبار
الساعة، هي التي تحدثت عن احتمال تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، و10
دول عربية - البعض يتحدث عن 11 أو12 دولة - قبل نهاية العام
الحالي، أما أقبحها أو أفحشها، فهي أن "إسرائيل" طلبت من إحدى العواصم
العربية مساعدتها في ذلك!
(1)
هذه الأخبار
سربتها "إسرائيل" علي لسان وزير خارجيتها وتناقلتها الصحافة العربية،
الأمر الذي قد يشكك في صدقيتها، لكن هناك عوامل أخرى تجعلنا نميل إلى
تصديقها، منها أن ما سربته "إسرائيل" لم تكذبه العواصم العربية
المعنية، ومنها أن ثمة اتصالات عدة تمهد لذلك الاتجاه جارية بالفعل،
بعضها أعلن عنه رسمياً (زيارة شارون المرتقبة لتونس مثلاً).
صحيفة الشرق
الأوسط نشرت في 13/4 تقريراً لمراسلها في تل أبيب عن الدول العربية
العشر التي عناها سيلفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلية في تصريحاته،
وذكر المراسل أن ثمة 4 دول عربية تحتفظ الآن بعلاقات طبيعية رسمية مع
"إسرائيل" هي: مصر والأردن وموريتانيا وأريتريا (التي تعتبرها
"إسرائيل" دولة عربية), أما الدول الأخرى التي تتحدث عنها دوائر
الخارجية الإسرائيلية فهي:
* تونس:
التي تبادلت المكاتب التجارية مع تل أبيب، واجتمع شالوم مع وزير
الخارجية السابق مستشار الرئيس الحالي الحبيب بن يحيى، مرتين خلال
السنة المنصرمة، ومن المتوقع أن يقوم شالوم بزيارة رسمية إلى تونس في
القريب، لاستئناف العلاقات بشكل رسمي، وفي مايو المقبل، سيتم فتح خط
طيران مباشر أسبوعي بين تونس وتل أبيب تديره شركة الطيران التونسية،
وفي شهر نوفمبر سيزورها شارون بدعوى المشاركة في مؤتمر تابع للأمم
المتحدة.
* المغرب:
أيضا كانت العلاقات تجارية، قبل انقطاعها على أثر الانتفاضة في سبتمبر
2000، بقرار من القمة العربية، وكان شالوم قد اجتمع مع نظيره المغربي
محمد بن عيسى في أوروبا في مارس الماضي، كما اجتمع نائب رئيس الحكومة
الأول، شيمعون بيريس، مع العاهل المغربي الملك محمد السادس ومع أحد
شقيقيه.
* قطر:
التي أغلقت مكتب مصالحها التجارية في تل أبيب، التزاماً بقرار القمة
العربية إثر الانتفاضة، لكن "إسرائيل" لم تغلق مكتبها في الدوحة، الذي
مازال يعمل كالمعتاد، والطريق أمام الإسرائيليين مفتوح إلى قطر طوال
الوقت، واللقاءات بين المسئولين من الطرفين لم تنقطع.
* سلطنة
عمان: الوضع شبيه بالعلاقات الإسرائيلية مع تونس والمغرب، لكن بفارق
أن هناك مصالح تجارية بين سلطنة عمان و"إسرائيل"، لم تتوقف مع إغلاق
المكاتب التجارية بين البلدين، إحداها وأهمها مشروع مركز الأبحاث
لتحلية مياه البحر، الذي يعمل بمشاركة إسرائيلية - عمانية - فلسطينية -
أردنية - يابانية.
حسب تقدير
مسئولي الخارجية الإسرائيلية، فإن هذه الدول تنتظر فقط توافر الفرصة
السياسية المواتية، فإذا تحسنت الأجواء مع الفلسطينيين ستعلنها، وإذا
تصاعد التوتر مع سوريا ستؤخرها.
تبقي الدولة
العاشرة التي يتحدث عنها شارون، وهي ليست معروفة بعد وليست مؤكدة، لكن
هناك عدة دول مرشحة لذلك هي:
* البحرين:
التي كانت مرشحة لإقامة علاقات أولية مع "إسرائيل" منذ سنة 2000, حيث
بدأت اتصالات سرية وتبادل بعض المسئولين الزيارات، لكن الانتفاضة جمدت
المشروع، واستؤنفت الاتصالات أخيراً.
* ليبيا:
هي أيضاً تقيم اتصالات مع "إسرائيل" عبر عدة قنوات، أهمها قناة اليهود
لليبيي الأصل الذين هاجروا إلى "إسرائيل" في الخمسينيات والستينيات
ويفاوضون طرابلس اليوم على تعويضات عن ممتلكات خلفوها وراءهم.
* الإمارات
العربية المتحدة، وقد تبنت حتى الآن موقف الرفض لإقامة علاقات مباشرة
مع "إسرائيل"، إلا أنها تبدي مرونة في التعامل مع الإسرائيليين، فهي
تقيم العديد من المؤتمرات والمعارض الدولية في شتي المواضيع، ولم تعد
تمانع في مشاركة إسرائيليين في تلك النشاطات.
* العراق:
وهو مرشح قوي في ظل الوضع المستجد، الذي تبدي قيادته تفهماً وتعاطفاً
مع "إسرائيل"، لأسباب سياسية مفهومة، ولحاجة العراق إلى جهود إعادة
الإعمار، مع ذلك فالاحتمالات تبدو بعيدة وفي الخارجية الإسرائيلية
يستبعدون أن تقوم علاقات كهذه خلال السنة الحالية.
* اليمن:
هنا أيضاً توجد طموحات إسرائيلية عالية، وقد تفاءلت "إسرائيل" خيراً في
هذا المجال، عندما سمح لليهود من أصل يمني أن يزوروا اليمن باعتباره
وطنهم الأصلي.
(2)
مما يدهش له
المرء، أن تلك التكهنات والإشارات التي تلوح في الأفق - والتي أتمنى أن
تكذبها الأيام - تتوالى في الوقت الذي لا تخفي فيه "إسرائيل" إصرارها
على المضي في مخططات إهدار الحقوق الفلسطينية وتحدي القرارات الدولية
الخاصة بالقضية، وهي ما تمثل بالدرجة الأولى في التوسع في مستعمرات
الضفة الغربية، والاستمرار في بناء الجدار الوحشي، إذ بلغ عدد
المستعمرات التي أقيمت فوق الأرض المحتلة (عام67) 160 مستعمرة تضم
242 ألف شخص، يمثلون 80% من المستعمرين المستقدمين من أنحاء
العالم، وهي موزعة على ثلاث كتل كبيرة، يحيط بها الجدار العازل، ويراد
لها أن تضم إلى "إسرائيل" في أية تسوية، والمعروف أن مواقف القانون
الدولي وقرارات الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية صريحة في تقرير
بطلان كل ذلك.
وإذ تستمر في
التحسن العلاقات بين بعض الدول العربية و"إسرائيل"، على الصعيدين
الدبلوماسي والاقتصادي، فإن الموقف من قضية المستعمرات أصبح مصدراً
لتوتير العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، وتلك مفاجأة أخرى.
صحيح أنه توتر
منضبط ومحكوم، ولكنه حاصل على أي حال أيا كانت درجته، ثم إنه أفضل من
لاشيء على الإطلاق، صحيح أيضاً أن استياء واشنطن أو عتابها ليس غيرة
على حقوق الشعب الفلسطيني، ولكنه احتجاج على إخلال تل أبيب باستحقاقات
خارطة الطريق، إلا أنه يظل موقفاً أفضل من اللاموقف، ذلك أن واشنطن ترى
أن ثمة فرصة لحل الصراع في المنطقة، بعد رحيل عرفات وتولي أبومازن
للسلطة وقبول فصائل المقاومة لفكرة التهدئة، وانتهاز هذه الفرصة للتوصل
إلى حل من شأنه أن يرفع من أسهم الرئيس بوش ويدخله التاريخ، وقد يبيض
صفحته ويمسح له كل خطاياه، ولذلك فإنها لا تخفي استياءها إزاء
المماطلات والألاعيب الإسرائيلية، التي لا تتوقف عن اتهام أبومازن
والتشكيك في قدرته، وتتحايل على خارطة الطريق، وتستتثمر الأجواء
الراهنة للتمدد وتحقيق أكبر قدر من المكاسب على الأرض.
ظهر الخلاف بين
بوش وشارون حول مسألة الاستعمار إلى العلن، في المؤتمر الصحفي الذي
عقداه في ختام زيارة الأخير للولايات المتحدة، وقالت الإذاعة والصحف
الإسرائيلية، إن الرجلين اختلفا أيضاً حول الموقف من السلطة الفلسطينية
ومواصلة العملية السياسية بعد الانسحاب من غزة.
(3)
المشهد يبدو
مقلوباً وعبثياً، حيث لا يكاد يصدق أحد أن موضوع المستعمرات يتسبب في
تعكير العلاقات الإسرائيلية - الأمريكية، في حين لا يحرك شيئاً في
العلاقات الإسرائيلية - العربية، حتى يتم تجاهله تماماً، ويصبح المطروح
هو احتمالات تحسين تلك العلاقات، وهي عبثية لا تختلف كثيراً عن تبني
القمة العربية في بيروت لمبادرة تعليق التطبيع مع "إسرائيل" على إتمام
انسحابها من الأراضي المحتلة عام67 (التي رفضتها "إسرائيل")، ثم
تسرب بعض الدول العربية وانخراطها في عملية التطبيع، في تجاهل مستغرب
لذلك الموقف، وهي ذات العبثية التي تسببت في إثارة ضجة في كواليس قمة
الجزائر الأخيرة، بسبب ما تردد عن مشروع أردني يتبنى التطبيع قبل
التوقيع، الأمر الذي ترتب عليه استبعاد المشروع من جدول الأعمال، وإذ
رفض المشروع في العلن، إلا أن البعض أيده وعمل بمقتضاه وراء
الكواليس.
هذه الملابسات
تستدعي السؤال التالي: هل مازالت فلسطين قضية مركزية حقاً في العالم
العربي، أم أنها تراجعت تدريجياً؟ - وهو السؤال الذي كان عنواناً
لمقالة نشرتها ( في 12/4/2005) صحيفة الحياة اللندنية للدكتور
كلوفيس مقصود المفكر العربي المعروف - السؤال لم يكن استفهامياً، ولكنه
كان تقريرياً، بمعنى أنه أراد أن يحلل الأسباب التي أدت إلى تراجع
مركزية القضية الفلسطينية، وضجر البعض بها، وتحولها في نهاية المطاف من
قضية إلى مجموعة من المشكلات، حتى صارت المفاوضات الجارية بشأنها
بمثابة تمرينات في العبث علي حد تعبيره، لا تصب في مجرى تمييع القضية
فحسب، وإنما تسهم أيضاً في تهديد الأمن القومي العربي.
قال الدكتور
كلوفيس إنه لا بديل عن ترميم الموقف العربي، باعتباره الضامن الأفعل
لردع الاستباحة المتواصلة لحقوق الشعب الفلسطيني، المعترف بها دولياً
على الأقل، ومن ثم لصد الخطر الذي يهدد القضية كما يهدد أمن الأمة،
ودعا إلى وقف المحادثات الفلسطينية - الإسرائيلية كي تتحول إلى
مفاوضات، وهو ما لا يتحقق إلا إذا أقرت "إسرائيل" بأنها منذ عام 67
سلطة محتلة، وفي رأيه أن الدول العربية ذات العلاقة مع "إسرائيل"، يجب
أن تتبنى ذات الموقف، حتى تستقيم المعادلة، وفي حالة رفض "إسرائيل"
للتجاوب مع الاستقامة المنشودة، فعلى تلك الدول أن تعلق علاقاتها، حتى
تدرك تل أبيب أن تسويفها لن يبقى بغير تكلفة.
أشار الدكتور
مقصود، إلى الضغوط الانتخابية التي تتعرض لها السياسة الأمريكية، خصوصا
في الموضوع الفلسطيني، وانتقد كون الموقف الأمريكي لا يواجه أي ضغوط
عربية مقابلة ذات صدقية، الأمر الذي يجعل من التخلي العربي الفعلي
مساهماً - وان بدون قصد - في فقدان التوازن الذي يحول دون تحول
المباحثات والتسويات إلى مفاوضات حقيقية تمس العناصر الأساسية في
القضية، ويظل غاية ما يمكن تحقيقه في ظل التوازنات الحالية هو السعي
إلى التهدئة، ومحاولة تلطيف شراسة الممارسات الإسرائيلية في الأرض
المحتلة.
(4)
تشخيص الدكتور
كلوفيس مقصود صحيح وغير دقيق، إن شئت فقل إنه صحيح بصورة نسبية وليست
مطلقة، ذلك أن ما قاله ينسحب على الأنظمة وبعض النخب السياسية، ويتعذر
تعميمه على الشعوب، والشواهد الدالة على مركزية القضية الفلسطينية في
الوجدان الشعبي العربي عديدة، وفي مكتبي جبل من الخطابات والبرقيات
الدالة على ذلك، في مصر بوجه أخص، والتحرك الشعبي واسع النطاق الذي
فاجأ الجميع في بلد انقرضت فيه التظاهرات مثل تونس، وجاء احتجاجا على
إعلان نبأ زيارة شارون للبلاد، دليل قوي لا يمكن تجاهله، وما يحدث الآن
في موريتانيا من تعبئة شعبية قوية ضد الزيارة المرتقبة لوزير خارجية
"إسرائيل" شالوم، يعد مؤشراً جديراً بالرصد في هذا السياق، والمؤسسات
الأهلية التي مازالت نشيطة في الدفاع عن القضية الفلسطينية في المغرب
شاهد آخر يعزز ما نقول، والاستقصاء الذي أجراه في خمس دول عربية مركز
الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، وبين أن القضية الفلسطينية
تحتل مقدمة اهتمامات الناس بعد غلاء المعيشة والبطالة، مؤشر رابع عظيم
الدلالة.
هذه المؤشرات
وغيرها تدل على، أن شعوبنا لم تفقد بوصلتها السياسية، وأنها على حق في
المسألة، الأمر الذي يقنعنا بأن المشكلة ليست فقط في تصحيح معادلة
التفاوض مع "إسرائيل"، ولكنها أيضاً في تصحيح علاقة النخبة بالمجتمع في
العالم العربي.