السلام أم التطبيع؟
د.ناجي صادق شراب*
صحيفة الخليج
الإماراتية 3/10/2005
أيهما أسبق
السلام أم التطبيع؟ وهل يكون التطبيع ضمانة حقيقية لسلام دائم؟ وما
الهدف من السلام، وما الهدف من التطبيع؟ وما درجات السلام؟ وما مظاهر
التطبيع؟ وما علاقة السلام والتطبيع بالمفاوضات النهائية؟
هذه الأسئلة
تحتاج منا إلى إجابات دقيقة تأخذ بعين الاعتبار كافة المتغيرات التي
تحكم مسار عملية السلام وعملية التطبيع.
مناسبة إثارة
هذه التساؤلات ما نسمعه ونتابعه عن محاولات للتطبيع "والالتقاء الفكري"
في حالة الصراع العربي- "الإسرائيلي" لا بد أن يسبق السلام عملية
التطبيع.
ومن الواضح أنه
ما زال أمامنا طريق طويل وشاق للوصول إلى السلام الدائم والشامل
والعادل، السلام الحقيقي الذي يستجيب للحقوق المشروعة والمسلوبة.
وفي حالتنا فإن
الحقوق المشروعة المسلوبة هي الخاصة بالشعب الفلسطيني إلى جانب انسحاب
القوات "الإسرائيلية" من الأراضي العربية المحتلة في الجولان. وإذا
تحقق ذلك يمكن عندها الحديث عن السلام الحقيقي، والحديث عن مجالات،
وليس كل المجالات، لتطبيع في العلاقات.
إذن السلام
يوظف من أجل التطبيع، والتطبيع هو الجائزة الكبرى لعملية السلام، وما
دام السلام لم يتحقق فإن محاولات التطبيع التي تنظم في عواصم غير عربية
تعتبر دليلاً قاطعاً على أن هذه المحاولات مسيسة ومخطط لها أن تخدم في
اتجاه سلام يفرض نفسه على الأطراف المتنازعة.
السلام قد
تحكمه توازنات قوى محلية وإقليمية ودولية، أما التطبيع فتحكمه توازنات
إدراكية قيمية. والسلام يقود إلى الاعتراف المتبادل، أما التطبيع فيقود
إلى القبول والتعايش الكامل.
السلام تحكمه
اتفاقات ومعاهدات مكتوبة، أما التطبيع فتحكمه عملية تنشئة وتعهدات
مجتمعية بالإقرار بحق شعب في التعامل والتعايش مع شعب آخر.
السلام قد
تحكمه مصالح أما التطبيع فتحكمه رغبة في القبول والحياة معاً. والسلام
تحكمه قرارات سياسية للزعماء والحكومات أما التطبيع فيحكمه قرار شعبي
تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.
للسلام
متطلباته ومرتكزاته وكذلك فإن للتطبيع مقوماته وأسسه. وقد تنجح
المفاوضات في التوصل إلى اتفاقية أو معاهدة لتسوية حالة صراع قائمة
لكنها قد لا تنجح في إرساء علاقات تطبيع تلقائية ومنتظمة. قد يوجد
اعتراف رسمي بين دولتين وعلاقات دبلوماسية، ومع ذلك تظل العلاقات
محصورة في إطارها الرسمي، في صورة تبادل سفارات، أو زيارات مسؤولين، أو
حضور مؤتمرات قمة، أو تبادل رسائل رسمية، ويظل الشعب هنا أوهناك في
حالة رفض وعدم استعداد للتفاعل في علاقات مجتمعية متنوعة.
وقد لا توجد
علاقات دبلوماسية أو تقطع بسبب حرب أو صراع على حدود، ومع ذلك تبقى
الشعوب قوية في علاقاتها وتفاعلاتها، وفي هذه الحالة يدفع التطبيع في
اتجاه عودة العلاقات الدبلوماسية إلى مجراها الطبيعي.
وبالرغم من
حالة العداء الطويلة والحروب المتعددة التي حكمت العلاقات بين
"إسرائيل" منذ قيامها والعرب، أمكن وبفضل عوامل عديدة التوصل إلى أول
معاهدة مع أكبر وأقوى دولة عربية هي مصر في آذار/مارس 1979 لوقف القتال
والاعتراف المتبادل. ومع ذلك ظلت درجة التطبيع في العلاقات بعيدة عن
التطور والاستمرار.
ورغم الاتفاقات
التي عقدت مع الطرف الفلسطيني، ورغم المعاهدة الأردنية "الإسرائيلية"،
ورغم حالات الهرولة الدبلوماسية لإقامة علاقات مع "إسرائيل"، إلا أن
أسس السلام ما زالت غير ثابتة وغير مستقرة، ومازالت "إسرائيل" تحتل
الجولان، ومازال المسار الفلسطيني ينتظر مفاوضات صعبة وشاقة، رغم كل
هذه المعاهدات ما زال السلام بعيداً والتطبيع أبعد.
*أستاذ العلوم السياسية /جامعة الأزهر