أطروحة الهزيمة الكاملة!
خيري منصور
صحيفة القدس
العربي اللندنية 28/5/2005
الرهان على
اعتذار الكاتب علي سالم عن شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة تل أبيب،
يشبه الرهان على قائد طائرة السادات الذي توقع منه المتفائلون أن يلوي
عنق الطائرة على طريقة الفرسان ويعلن العصيان على الهبوط في مطار بن
غوريون، ولسنا من السذاجة بحيث نتوقع من كاتب جازف بموقفه التاريخي منذ
عدة أعوام أن يعلن التوبة، وهو في ذروة الامتثال للأمر الواقع، والذي
لا تستقيم مهنة الكتابة إلا بعدم الخضوع لشروطه، لأنها ليست المعادل
الذهني أو الوجداني للبراغماتية.
ومنذ أعلن على
سالم موقفه من التطبيع لم ينقطع السجال بينه وبين من يناقضون موقفه،
سواء على صفحات الصحف أو على الشاشات الفضائية، وانتهى الأمر إلى
اختيار علي سالم لهذا الموقف الذي يمكن أن نتعامل معه حتى بشروط الكاتب
نفسه وبعيداً عما يسميه التفكير الانفعالي أو العصاب القومي.
فنحن لا نطالب
علي سالم أو سواه باجتراح المعجزات وإعلان الحرب الشاملة على "إسرائيل"
بدلاً من الجيوش والقوات المسلّحة لا المسلّحة على امتداد الوطن العربي
المحتل.
نطالبه بأضعف
الإيمان الذي لاذ به كتّاب إسرائيليون من طراز يوري أفنيري وديفيد
غروسمان وشلومو رايخ.. وفليسيا لانغر!
فهؤلاء ومن
قبله "إسرائيل شاحاك" أدركوا أن المشروع الصهيوني يتأسس على الخرافة
ويحلق خارج جاذبية التاريخ والمدار الأرضي الذي نعيش فيه، وحين نفحص
عيّنات من مواقف وتصريحات هؤلاء الكتّاب اليهود ... نجد أن رفضهم
وعصيانهم ليس مجرد سباحة مضادة للتيار، بل هو تعبير دقيق وتاريخي عن
كونهم مثقفين وكتاباً، فما من مثقف يبقى على قيد مهنته إذا فقد الإحساس
بالعدالة، وتبع انفه إلى حيث تفرز الجامعات والمعاهد ووزارات الحرب
رائحة جوائزها ومكافآتها ودكتوراتها الفخرية!
والسؤال الذي
نتوجه به إلى علي سالم الآن وبأثر رجعي، هو بماذا تشعر وأنت ترى جنوداً
مدججين يكسرون عظام الساعدين والساقين لفتى فلسطيني أعزل، ولد قرب تلك
الصخرة التي استخدمت سنداناً للمطارق وأكعاب البنادق التي أسالت نخاعه!
وما الذي أحسست
به كأب وأنت ترى محمد الدرّة يتدلى من خاصرة أبيه كذبيحة بعد أن تحول
الطفل إلي هدف للتصويب؟
هل تناولت
عشاءك وحساءك المفضل دون أن تطفو عليه قطرات دم من ذلك الطفل؟
وهل ودّعت ابنك
أو ابنتك إلى المدرسة أو الجامعة دون أن ترتعش أصابعك ولو لثانية
واحدة؟
هذه الأسئلة
وسواها نتوجه بها إلى علي سالم الذي لا نعرف ما إذا كان متزوجاً أو
أعزب!!
قد تطول
القائمة إذا حاولنا تذكير علي سالم بمدرسة بحر البقر، وكيف تحولت دفاتر
الأطفال المصريين إلى مخطوطات دموية، واصطبغت الممحاة والحقيبة
والطباشير باللون الأحمر...
أو بما جرى في
قانا وصبرا وشاتيلا وسائر المشاهد التي تتشكل من حاصل جمعها التراجيديا
الفلسطينية، التي تعرّبت وتقومَمنت وتأنسنت بحيث لم يعد عربياً أو غير
عربي لم يتبقّع قميصه برذاذ دمها!
ولأن علي سالم
غالباً من يدين من اختلفوا معه واصفاً إياهم بالمتعصبين والمغلقين على
مقاربات أيديولوجية للتاريخ، فسنحاول معه مقترباً آخر، هو من صميم
الثقافة في أشدأ التاريخية والمعرفية تجلياً، هذا المقترب هو العدالة،
عندما يتحول العَسَف الرسمي إلى وباء، وعندما تكتب الدبابة بجنازيرها
تاريخاً.... وتمحو الجرافة بجوارها أو وراءها تاريخاً آخر...
إن الكاتب
المسرحي، الذي يعي أكثر من سواه أدبيات الصراع، بدءاً من الأسطورة حتى
أقاصي التاريخ، يتخلى عن هذا الوعي في لحظة الاحتكام إليه، وعندما تصبح
الأرض كلها بعشبها وعظمها ولحمها خشبة المسرح الجديد أو ما سماه (آرتو)
مسرح القسوة.
ففي مسرح
القسوة هذا، ينقض سرب صقور على حمامة هاجعة في نافذة مهجورة، وما يحدث
ليس فقط الاستيلاء على العش الصغير، بل التهام البيض، وسرقة الريش
الأبيض والهديل كي يتم استخدامهما في حفلة تنكرية، يلعب فيها القاتل
السادي دور الضحية، ويتم تقديم الضحية بوصفها المجرم الذي اقترف
الهولوكوست كلّه!
إن من ينحاز
إلى الأقوى والأظلم، يمكن له أن يكون أي شيء وبأية صفة، سوى صفة واحدة
هي صفة المثقف، لأن المثقف إذا فسد فهو الملح الذي فسد بعده كل شيء كما
قال السيّد المسيح!
ولو أتيح لعلي
سالم أن يلتقي أماً فلسطينية ويحدق في عينيها بضع دقائق فقط لقرأ مالا
يقرأه في أعمدة الصحف، وتعليقات مثقفين يرون غير ما يرى... ويسمعون غير
ما يسمع، ويشعرون بغير ما يشعر!
فما تقوله عينا
تلك الأم، لا نقوى على ترجمته مهما بلغنا من الحذق، والمهارة، لأنه
كثافة العذاب الإنساني كله وقد تقطّر في دمعة عالقة بالرموش، فالكبرياء
هي توأم التراجيديا ذاتها بالنسبة لهؤلاء الذين اكتشفوا قبل فوات
الأوان أنهم الأكثر انعتاقاً وحرية في زنازينهم، وأنهم الحراس لا
الأسرى، والرافعة التي تحدد منسوب المناعة لدى من يتجولون في الأسواق،
ويتناسلون كالأرانب متوهمين أن إهمالهم هو الحرية، وإن نسيانهم هو
التواطؤ، وأن كونهم ليسوا لاجئين من المكان يعني أنهم ليسوا لاجئين من
الزمان، ومطرودين من أزقة التاريخ!
إن أسوأ
الاطروحات التي تحول النقد إلى نقض هي تلك التي تستخدم العصا مقابل
الصاروخ وبمعنى آخر هي تلك التي تتيح لمثقف يلوذ بالتاريخ في أشد
أبعاده سلبية أن يحشرها في زاوية حرجة، لهذا قد يتغذى المثقف
الخاضــــع لقوة التاريخ لا لقوة المنطق بالهجاء، والشتائم المجانية،
ويصبح من حقه أن يتعالى وأن ينقل موضوع الحوار أو الخصومة من ساحة إلى
أخرى ومن ملعب إلى آخر.....
لهذا، سنعود
إلى المقترب الهادئ الذي اقترحناه بديلاً للتفكير المنفعل، رغم أن
القلب لا يرضى بالبطالة إذا كان الأمر يخصنا في الصميم، ونحن الذين
دفنّا مثقفين أعزاء، وشهداء يتعذّر إحصاؤهم.
وليكن السؤال
ثانية، هو ببساطة: أليس من يمنح الدكتوراه الفخرية لمثقف عربي استقال
من موقعه التاريخي، هو ذاته الذي منح كل هذا الموت لمثقف آخر؟
فبأي وجه وبأي
لسان يمكن لمثقف عربي أن يواجه غسان كنفاني أو كمال ناصر أو عبد الرحيم
محمود من قبلهما؟
ألم تكن
الدكتوراه الفخرية التي منحتهم إياها تل أبيب هي حزمة من الرصاص الذي
حوّل أجسادهم إلى غرابيل؟ ونساءهم إلى أرامل وأطفالهم إلى أيتام
ومكتباتهم وكتبهم إلى هجران مقيم؟؟
قد يتذرّع
المثقف العربي المستقيل من مهنته وموقفه وموقعه بالادعاء أن
الإسرائيليين ليسوا كلّهم قتلة، ونحن ننتظر منه مثل هذا التذرع كي
نمسكه من ذراعه ونشير إلى هؤلاء الذين يستثنيهم ونقول له تعلم منهم!
قُل واحداً
بالألف مما قاله إسرائيل شاحاك وواحداً بالمئة مما قاله غروسمان،
وواحداً بالعشرة مما قالته يائيل دايان ابنة الجنرال الذي اقترن اسمه
بأهم هزائم العرب!
إن الانزلاق
نحو سجال عقيم قد لا يعود بأية فائدة على الأطراف كلها، رغم أن
استغراقنا لعقود في هذا السجال حوّل الوقت العربي إلى قصدير! واستطاع
هذا القصدير رغم ما يعلوه من صدأ أن يقطعنا بدلاً من أن نقطعه!
إن أسهل شيء
على مثقف ينتسب إلى أمة مهزومة، هو أن يسبق الجميع براية بيضاء أو ورقة
بيضاء، لأنه عندئذ سيكون مطمئناً إلى أن العقاب لن يأتي من خارج الذات.
لكن المثقف
الجدير بلقبه، ليس ورقة في مهب التاريخ وعواصفه، وليس مجرد صدى أو ظل،
إنه اللقاح الباسل الذي يحقق المناعة عندما تتراجع أسبابها، وحريّته
ليست غريزية أو متدنية بحيث يفعل ما يطلب منه، أو حتى ما يشتهي.
إن الحرية في
لحظات الاختبار العسيرة هذه تصبح على النقيض من الحرية الغريزية، وهنا
أتذكر ما قاله الممثل الراحل مارلون براندو عشية اعتذاره عن قبول جائزة
الأوسكار التي سال لعاب ثلاثة أرباع ممثلي هوليوود عليها... لقد قال:
أرفضها دفاعاً عن الشرف القليل الباقي.... لهذا مات براندو محفوفاً
بوداع أبيض ومناديل نظيفة، ولم يضطر لمسح بصقة على جبينه بربطة العنق
أو المنديل كما حدث للسيدة جين فوندا قبل فترة قصيرة، عندما اعترضها
محارب قديم من ضحايا الحرب الفيتنامية، وبصق على وجهها غير عابئ
بالعقاب!
وكم كان علي
سالم أو سواه سيثير الاهتمام وربما الإعجاب لو أنه أعلن رأيه في
"إسرائيل" والصراع العربي - الصهيوني قبل كامب ديفيد، لكن إعلان هذه
المواقف تحت مظلات رسمية يحرم أصحابها حتى من حق الشجاعة الأدبية،
لأنهم يستمدون القوة من مواقف دولية ورسمية، ولا يبقى ما يعصمهم سوى
الذات والكوابح الداخلية والمناقبية الثقافية!
ما التطبيع
الذي يتحول إلى أطروحة سياسية مرصّعة بمقولات السلام المبتور؟
إن مصطلح
التطبيع حسب ثقافتنا الشعبية ومعظمنا من أبناء الريف، هو تهيئة الحيوان
للركوب والحراثة، وأول مرة سمعت فيها هذا المصطلح في طفولتي كان عن جحش
قد لا تليق به صفة الحَرون كالبغل، لكنه يحتفظ بقدر من الوحشية
والبريّة.
وعرفت فيما بعد
أن تطبيع الحيوان هو تدجينه وإخضاعه للشروط البشرية التي تجعل من هذا
التطبيع ثمناً للاقتناء.
وما أراه الآن
قدر تعلقه بالصراع الذي يراوح بين العودة إلى المربّع الأول أو التجميد
المؤقت هو أقرب إلى التصنيع، فما يجري هو تصنيع مواقف وحالات ومناخات
تستبدل التاريخ بتاريخ مضاد، والجغرافيا الأرضية بجغرافيا ميثولوجية.
إن البعد
الرمزي لمنح مثقفين عرب دكتورات فخرية من تل أبيب، يتجاوز كل هذا
السّجال، ويهدد منظومة قيم بأسرها، وهذا هو المعنى الدقيق للهزيمة،
لأنها كالجريمة لا تكتمل إلا بنسبتها إلى مجهول!!!!