التطبيع مكافأة المحتل بعد اندحاره عن غزة!
علي الرشيد
صحيفة الشرق
القطرية 5/9/2005
مثَّل اللقاء
العلني الذي جمع وزير خارجية الكيان الصهيوني (سيلفان شالوم) بنظيره
الباكستاني (خورشيد قاصوري) في مدينة اسطنبول التركية نهاية الأسبوع
الفائت أول الغيث في عملية تطبيع العلاقات السياسية والدبلوماسية بين
منظومة العالمين العربي والإسلامي من جهة و(إسرائيل) من جهة أخرى بعد
انسحاب الأخيرة من قطاع غزة الشهر الماضي.
وقد كانت هناك
خشية مسبقة من أن تقدم بعض البلاد العربية والإسلامية على مثل هذه
الخطوة بالفعل وإظهار الأمر على أنه مكافأة للكيان الصهيوني نظير
انسحابه وتشجيعاً له على المزيد من خطوات السلام! الأمر الذي يكشف عن
فهم مغلوط وإساءة بالغة في التعامل مع انتصار صنعته المقاومة وصمود
الشعب الفلسطينيين مرغمة أشد قادة الكيان الصهيوني تطرفاً (شارون) على
أن يتصرف على نحو يخالف مرتكزات الأيديولوجية الصهيونية بشقيها
العلماني والديني التي طالما شجعت تاريخياً على الاستيطان والتوسع وقضم
الأراضي الفلسطينية.
ومما يزيد
الطين بلة أن تكون البداية من قبل دولة إسلامية كبرى بوزن باكستان التي
لم يخف وزير خارجيتها أن إسلام آباد (قررت التحرك بعد الانسحاب
الإسرائيلي من قطاع غزة)، وأن يمهد للقاء ويرعاه بلد إسلامي بحجم تركيا
التي يحكمها حزب إسلامي (العدالة والتنمية)، وتتم استضافته في اسطنبول
التي كانت حاضرة الخلافة العثمانية، ثم مباركة الأمر من قبل الرئيس
الفلسطيني محمود عباس الذي رحب بهذا الانخراط الدبلوماسي، ولا يخفى أن
إحكام مثل هذا اللقاء من زواياه المختلفة (الزمان والمكان وأطراف
العلاقة) لن يمر دون استغلال سياسي وإعلامي إسرائيلي متميز كما نجح من
قبل في استثمار انسحاب غزة في كسب التعاطف الإنساني لاسيما لدى الرأي
العام الأمريكي والأوروبي حيث أثمرت دموع (المستوطنين) والجنود عند
المغادرة تعاطفاً مع أصحابها وكأنهم أصحاب الأرض الحقيقيون وليس
الفلسطينيون الذين عاشوا بعيداً عنها 38 عاماً وتجرعوا غصص احتلالها
وإبعادهم عنها بانتظار حلم العودة الذي طالما تشوفوا إليه وقدموا
التضحيات من أجله.
إن لقاء
(شالوم- قاصوري) سيفتح الباب على مصراعيه لتطبيع علاقات (إسرائيل) مع
غالبية الدول العربية والإسلامية وإخراج اللقاءات التي تتم بين الطرفين
من إطارها السري إلى الإطار العلني بدون خجل أو مواربة مادامت كبريات
دول العالمين العربي والإسلامي كمصر وباكستان وتركيا بدأت أو قطعت
خطوات جادة على هذه الطريق، ولأن مثل هذا السلوك سيكون محل ترحيب من
صاحب الشأن (السلطة الفلسطينية)- إذا جاز التعبير-، وسيعطي هذا اللقاء
مصداقية لخطاب الكيان الصهيوني بخلاف تصريحات الدول الإسلامية التي نفت
مراراً وتكراراً أية محادثات سرية مع الكيان الصهيوني (كباكستان) إلى
أن تقرر بذاتها كشفه علناً فيما بعد، بينما صحت رواية (شالوم) الذي
تحدث عن علاقات وشيكة ستقيمها (تل أبيب) مع عشر دول عربية وإسلامية
(قريباً جداً) بحيث لم يعد مستغرباً أن ينفرط عقد الدول التسع الأخرى
أو بعضها على الأقل قبل انقضاء العام الحالي 2005.
من المؤسف أن
تستثمر الأنظمة العربية والإسلامية الانتصار الذي حققته المقاومة
الفلسطينية بانسحاب العدو الصهيوني من غزة وهو يجرجر أذيال الخيبة
والهزيمة- في زمن الانتكاسات العربية المتوالية- على هذه الشاكلة
المخزية، وكان المفترض بهذه الأنظمة أن تعيد النظر في سياستها تجاه
(إسرائيل) لأن تنازلاتها لم تحرر غزة أو شبراً من الأراضي المحتلة
الأخرى بل كانت تخذل السلطة الفلسطينية في كثير من الأحيان.. وذاكرة
المواطن العربي لم تنس أن أنظمة بلاده لم تستطع إقناع واشنطن وعواصم
أوروبا بجدوى مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002م،
وهرولت عوضاً عن ذلك للموافقة على (خريطة الطريق) التي وضعها الرئيس
(بوش) بينما لم يقبل (شارون) بها وطلب إجراء تعديلات عليها.
إن (شارون) وقع
على قرار الانسحاب وفق حسابات دقيقة أحسن تقديرها بعناية مع قدرة على
استثمار الحدث لمصلحة دولته ولمصلحته الشخصية بعد أن ازداد عبء قطاع
غزة على الدولة العبرية أمنياً واقتصادياً منذ احتلالها عام 1967
خصوصاً مع ارتفاع كلفة الاحتلال وازدياد خسائر جيشه في ظل الانتفاضتين
الفلسطينيتين الأولى والثانية واتساع نطاق العمليات الاستشهادية، في
أحد أكثر مساحات العالم فقراً وكثافة في السكان، ولم يفوت شارون
الانسحاب دون إظهار نفسه كـ(بطل سلام) أمام المجتمع الدولي، أو دون
الحصول على مساعدات ومعونات أمريكية وغربية نظير تغطية تكاليف الانسحاب
وتعويض سكان (المستعمرات) وإظهار التعاطف الإنساني مع دموعهم بعد
انتزاعهم من مساكنهم طوعا أو كرها!، وباختصار فإنه لم يفعل ما فعله من
أجل سواد عيون الفلسطينيين والعرب والمسلمين حتى يستحق مكافأة التطبيع
مع كيانه المغتصب.
ولعل من مآسي
أمتنا غياب رؤية عربية أو إسلامية موحدة للعلاقات مع (إسرائيل) سلماً
وحرباً.. ومثلما سارت عملية السلام مع الكيان الصهيوني من (مدريد) إلى
(أوسلو) وغيرها في مسارات منفردة منحت قادة تل أبيب أكثر من ورقة
للمناورة فإن عمليات التطبيع سارت كذلك- وما تزال تسير- في نفس الاتجاه
على ما يبدو.. خدمة لمصالح الأنظمة وليس مصلحة القضية الفلسطينية، ورغم
حرص الدول المطبعة على إظهار أن مسلكها التطبيعي يصب في خدمة
الفلسطينيين فإن المؤشرات تشير إلى غير ذلك، فمصلحة النظام الباكستاني
الحالي- كما يراها المراقبون- هي في ضمان علاقة متميزة بالولايات
المتحدة من خلال البوابة الإسرائيلية حتى لا تتفوق الهند عليه في هذا
الجانب، وتحييد (تل أبيب) في الصراع الدائر بين (إسلام آباد)
و(نيودلهي) حول كشمير (والسباق النووي) والتسليحي بعيداً عن أي ادعاءات
أخرى.