الزوايا الأربع "للارتباط الدبلوماسي" الباكستاني
الجديد مع "إسرائيل"
*حسن أبوطالب
صحيفة الوطن
السعودية 8/9/2005
في يوليو من
العام الماضي التأم في إسطنبول مؤتمر عن دور القضية القبرصية في
العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وكان من بين الحاضرين ثلاثة من
أساتذة العلوم السياسية من باكستان واثنان من الصحفيين. وفي أثناء
انعقاد المؤتمر جاءت الأخبار مُحملة بتصريح للرئيس برويز مشرف ألمح فيه
إلى أن بلاده تدرس مسألة العلاقة مع "إسرائيل"، ولكنها لم تأخذ قرارات
نهائية بعد. وفي الأخبار نفسها أن عدة مقالات في الصحافة الباكستانية
تناولت التصريح الرئاسي ومغزاه السياسي بين مؤيد ومعارض لفكرة الاتصال
بـ"إسرائيل".
وحين استفسرت
وصديق عربي آخر كان موجوداً في المؤتمر من زملائنا الباكستانيين حول
الدوافع التي يمكن لإسلام أباد أن تدفعها لمثل هذه الخطوة المثيرة
للجدل كالاتصال بـ"إسرائيل"، وهو الأمر المرفوض شعبياً، اعتبر أحد
الأساتذة هذه الخطوة نقطة خطر كبرى على النظام في بلاده. ومؤكدا أن
إسلام أباد لن تقدم على خطوة كهذه لاعتبارات داخلية بالدرجة الأولى،
لاسيما سطوة التيار السياسي الإسلامي. أما الاثنان الآخران فقد أفاضا
علينا بسيل من الأسباب السياسية والاستراتيجية التي تبرر خطوة كهذه،
دارت كلها حول جذر واحد تقريباً، وهو أن باكستان تعيش حالة من حالات
البحث عن الذات في ظل بيئة متغيرة وضاغطة، في الوقت الذي لا تتوافر فيه
الكثير من الموارد بمعناها العام، وبحيث يصعب السير في أي طريق إلا من
خلال تغييرات كبرى في الداخل والخارج، وأن فتح الأبواب مع "إسرائيل" قد
يسهم في تخفيف الكثير من الضغوط الخارجية على باكستان.
تذكرت هذه
الواقعة بعد مرور عام وعدة أشهر عندما استمعت إلى الأخبار الواردة من
إسطنبول أيضاً، وتعلقت بالاجتماع الشهير بين وزيري خارجية باكستان
و"إسرائيل" بوساطة تركية، والذي صرح بعده الوزير الباكستاني بأن بلاده
قررت "الارتباط ديبلوماسياً" مع "إسرائيل"، وأن الفلسطينيين كانوا قد
طالبوا بلاده بأن تلعب دوراً في تسوية المسائل الكثيرة المعلقة مع تل
أبيب. وهي التصريحات التي أثارت موجة من الانتقادات العربية، معتبرة أن
"إسرائيل" بذلك حققت اختراقاً ديبلوماسياً كبيراً في الإطار الإسلامي
حتى قبل أن تنفذ الانسحاب من قطاع غزة.
وكما يقال دون
تهويل أو تهوين، فإن الخطوة الباكستانية مثيرة للجدل عبر أكثر من
زاوية، الأولى أنها تؤسس لعلاقات تحت مظلة وصف غير مألوف في العلاقات
الدولية وهو الارتباط الدبلوماسي، والذي لا قيمة قانونية له، خاصة إذا
لم يرافقه اعتراف قانوني ورسمي حسب الأصول المعمول بها دولياً، وإنما
قيمته الكبرى تكمن في مغزاه السياسي والمعنوي والدعائي بالدرجة الأولى.
وهو الأمر الذي يضيف كثيراً لإسرائيل أكثر مما يضيف إلى باكستان.
لاسيما وأن الأولى، وبمساعدة واشنطن غير المحدودة، تروج بأن ما فعلته
حكومة شارون من أجل "السلام"، لابد أن يكون له ثمن فوري عربياً
وإسلامياً حتى يمكن السير خطوات أخرى في هذا الطريق. أو بمعنى آخر على
العالمين العربي والإسلامي أن يقدما المكافآت والجوائز السياسية
والمعنوية لتل أبيب لمجرد قيامها بخطوة ما حتى ولو كانت ناقصة أو
محدودة. وما تلميحات وزير خارجية الكيان العبري عن قرب الإعلان عن
اختراقات دبلوماسية مع عدد من العواصم العربية إلا الانعكاس الظاهر لما
تحمله الضغوط والتهديدات التي تهب على المنطقة العربية ككل.
أما الزاوية
الثانية فتتعلق بما يجري داخل باكستان نفسها، وهنا يلمح المتابعون لما
يجري، هناك تغييرات مهمة جداً، حيث يزداد دور من يسمون بالليبراليين
الباكستانيين، وهؤلاء يمثلون النقيض لجماعات الإسلام السياسي التي
سيطرت على حركة السياسة الباكستانية في العقدين الماضيين. ويُحمل
الليبراليون الباكستانيون الأحزاب الإسلامية مسؤولية الضغوط التي مورست
على بلادهم في الفترة الماضية نتيجة الدور الكبير الذي لعبته هذه
الأحزاب في إقامة ودعم نظام طالبان في أفغانستان، وما جلبه هذا النظام
من تراجع في الحياة المدنية في الداخل، واستفحال ظاهرة الإرهاب الدولي
في الخارج. ويرى هؤلاء أن المطلوب هو صياغة مضمون جديد للسياسة
الباكستانية يراعي تطورات العولمة في كل جوانبها، ويراعي أيضاً إبعاد
بلادهم عن أي شبهة ارتباط بظاهرة الإرهاب الدولي.
أما خارجياً
فيدعو هؤلاء إلى مراجعة السياسة الخارجية والبحث عن تحالفات قوية تحمي
مصالحهم، وتحصن الوجود الباكستاني ككل، وتسمح بتدفق الاستثمارات
والمعونات الخارجية دون قيود. ويلعب هؤلاء دوراً كبيراً في تأكيد دور
الحكومة الباكستانية في أن تمد مظلتها ورعايتها ومراقبتها لكافة أنواع
المدارس والجامعات، كنوع من ضبط دورها والحيلولة دون أن تتحول إلى مصدر
لتجنيد أو تربية عناصر متطرفة دينياً كما كان الوضع في العقود الماضية.
ويمثل هؤلاء الليبراليون امتداداً طبيعياً لجهود حكومة الرئيس برويز
مشرف الرامية إلى إعادة بناء أجهزة الدولة الباكستانية، لاسيما الأمنية
على أسس جديدة ليس من بينها التعبئة الدينية الأيديولوجية.
والزاوية
الثالثة تتعلق أساساً بالعلاقات الباكستانية العربية، وهي إجمالاً
علاقات قوية ويسودها روح التعاون بمعناه العام، لاسيما وأن باكستان
حافظت على مواقف مؤيدة للقضية الفلسطينية لزمن طويل مضى. لكن الأمر من
وجهة نظر إسلام أباد لا يخلو من نظرة عتاب وربما أحياناً لوم خفيف.
وكثيراً ما قال مسؤولون باكستانيون إنهم يتوقعون من العرب وقفة تأييد
قوية لهم في طرحهم لقضية كشمير باعتبارها قضية شعب مسلم يرنو إلى
التحرر من الاستعمار الهندي. في حين أن الموقف العربي إجمالاً يميل إلى
نوع من التوازن، وإلى التأكيد على دور الآليات السلمية في حل النزاع
وفقاً للقرارات الدولية. وليس بخاف أن إسلام أباد تشعر بقدر من خيبة
الأمل، وترى أن مواقفها لمناصرة القضية الفلسطينية، والتي حملتها أعباء
كبيرة، لم تجد المقابل المناسب في صورة دعم عربي لكفاح أهل كشمير.
ووفقاً لما يقوله ليبراليون باكستانيون فإن بلادهم لم تعد قادرة على
تحمل عبء كفاح كشمير بمفردها أو الاستمرار في مواجهة الضغط الأمريكي
للتقارب مع "إسرائيل"، في الوقت الذي يسعى فيه بعض العرب إلى مد جسور
التفاهم والعلاقات المنظورة وغير المنظورة مع تل أبيب. فضلاً عن أن حرص
باكستان على تدعيم علاقتها مع الولايات المتحدة لا يوفر لها خيارات
كثيرة للتملص من دفع ثمن عبر "إسرائيل".
أما الزاوية
الرابعة والأخيرة فتخص تطورات العلاقة مع الجار الكبير واللدود، أي
الهند، وهي التي تشهد حالياً، ومنذ عام ونصف تحولات مهمة على صعيد
الانفراج والبحث عن مخرج مناسب لقضية كشمير. وهناك ما يشبه التوافق
الباكستاني الهندي على إعادة هيكلة توجهات الرأي العام في كلا البلدين
لتقبل تحويل خط الهدنة إلى خط حدود دولية بين قسمي كشمير، والتفرغ
لبناء علاقات اقتصادية وتجارية مفيدة للطرفين.
والحق أن تأثير
هذا البعد يكتمل في ضوء عملية إعادة الهيكلة التي تجري بين الأقطاب
الكبرى في جنوب وشرق آسيا. حيث تتبلور علاقات استراتيجية ذات أبعاد
عسكرية وأمنية عميقة بين الصين وروسيا، في الوقت الذي تتعاظم فيه
علاقات الولايات المتحدة مع الهند، على خلفية احتواء التهديد الصيني في
المستقبل. فضلاً عن التطورات المهمة بين إيران وروسيا، ودعم الأخيرة
لطهران لاستكمال مشروعها النووي. أما أفغانستان الحكومة والمجتمع فتسير
ولو ببطء نحو التحول الشامل للتبعية للولايات المتحدة.
باكستان من
جانبها ترى أن بقاءها خارج هذه العملية التي ستحكم التوازن في جنوب
وشرق آسيا لسنوات كثيرة مقبلة، سيعني الحكم عليها بالتهميش. ولما كانت
الأوراق التي توظفها في علاقاتها مع واشنطن محصورة حالياً في مكافحة
الإرهاب والتطرف الديني، وهي أوراق رغم أهميتها تظل محدودة في ضوء
التحولات الإقليمية الكبرى، فقد وجدت باكستان أن الضرورة تقتضي توسيع
الخيارات أمام حركتها الداخلية والخارجية، وأن "إسرائيل" قد تلعب دوراً
مفيداً في هذا الصدد. وهو استنتاج يضر حتماً بتاريخها السابق والمشرف
في دعم القضايا العربية، لكن للأسف الشديد فإن إسلام أباد تراه ثمناً
محدوداً يمكن تعويضه.
*كاتب مصري