الخليج والتطبيع
د. علي الغفلي
صحيفة الخليج
الإماراتية 18/10/2005
يعتبر أمراً
مؤسفاً أن تتعرض مسألة مصيرية وخطيرة كمسألة تطبيع العلاقات بين دول
الخليج والكيان الصهيوني لمثالب الهشاشة التي تكتنف الأداء الاستراتيجي
الخليجي بشكل عام، وأن تفتك بها عناصر الغموض التي تتصف بها الحسابات
والخيارات السياسية الحكومية لهذه الدول إزاء موضوعات السياسة
الخارجية. إن أقل ما يمكن أن يقال في خصوص السلوك الخليجي تجاه مسألة
التطبيع مع تل أبيب إنه مرتبك ولا يسير وفق رؤية متيقنة، وقد يبلغ وصف
هذا السلوك إلى القول إنه مقيت ومقلق. وليس أدل على ذلك من التصريحات
والمواقف المعلنة التي برزت في وسائل الإعلام أخيراً، والتي تفاوتت بين
تأكيد المؤسسات الرسمية في دولة الكويت أنها لا تمتلك أية نوايا باتجاه
إقامة علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل"، الأمر الذي كان بحق مصدر ارتياح
عربي شعبي عام، وما قيل حول قرار مملكة البحرين إزالة قيود التجارة مع
الكيان الصهيوني، وسط مزيج من اندهاش واستياء الشعوب الخليجية، ودعوة
دولة قطر الدول العربية والخليجية الأخرى إلى المسارعة بتطبيع العلاقات
مع الدولة اليهودية، وذلك وسط ذهول وسخط جماهيري عربي شامل، وأخيراً
مناداة وزير الخارجية "الإسرائيلي" بشكل مستفز كل الدول العربية إلى
الإعلان صراحة عن علاقاتها واتصالاتها مع "إسرائيل" والتي وفقاً لما
قال بأنها موجودة منذ سنوات عديدة واتخذت طابع السرية.
إن هذا
الاضطراب في المواقف الخليجية المعلنة تجاه موضوع التطبيع مع الكيان
الصهيوني يعد أمراً مقلقاً للغاية. فمن جهة يشير تباين المواقف
الخليجية الرسمية إلى انعدام التنسيق المطلوب بين حكومات دول المنطقة
في شأن واقع ومستقبل السياسات تجاه تل أبيب، من حيث تقدير هذه الدول
لمدى فداحة التجاوزات الإجرامية التي ارتكبتها الحكومات المتعاقبة في
الكيان بخصوص الفلسطينيين وإنكار حقوقهم التاريخية والمشروعة، ومن حيث
طبيعة معتقدات دول المنطقة حول مشروعية إقامة علاقات تطبيعية بين
العواصم الخليجية وتل أبيب، على الرغم من الاعتبارات المؤسسية،
القانونية والواقعية، التي تنتقص من شرعية الدولة اليهودية على الأراضي
الفلسطينية.
ومن جهة ثانية،
فإن تفاوت سياسات ومواقف الدول الخليجية إزاء موضوع تطبيع العلاقات مع
حكومة آرييل شارون بالذات يكتسب أبعاداً مرفوضة أخرى. إذ كيف يمكن لنا
تصور أن التفاعل والتعاطف اللذين أبدتهما كل الشعوب الخليجية العربية
تجاه المعاناة التي تجرعها الفلسطينيون خلال السنوات الخمس الماضية في
ظل سياسات وممارسات التنكيل التي مارستها حكومة شارون ضد المدن المحتلة
في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإجراءات إعادة الاحتلال ومداهمات البيوت
وهدمها، وتخريب المزارع الفلسطينية ومصادرة الأراضي، وهجمات الاغتيالات
المخزية التي نفذتها حكومة شارون ضد قادة المقاومة، من أمثال الشيخ
أحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي وغيرهما، نقول كيف يمكن تصور أن مواقف
الشعوب الخليجية المشرفة ينتهي بها المطاف إلى أن تتبلور في صورة دعوات
أو خطوات تطبيعية من قبل بعض حكومات الخليج، وغفران الجرائم "الطازجة"
التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين؟
أين منظومة
مجلس التعاون الخليجي من كل ما يجري على جبهة التقارب الخليجي
"الإسرائيلي"؟ لطالما ساورتنا الشكوك حول مدى كفاءة الأداء التكاملي
والتنسيقي لهذه المنظمة الإقليمية في الجوانب الاقتصادية والسياسية
والأمنية، وذلك على الرغم من أنها ستكمل في شهر أيار/مايو 2006 ربع قرن
منذ تأسيسها. غير أنه كان ينبغي أن تبقى المسألة الفلسطينية خطاً أحمر،
بحيث لا يجب أن يمتد تواضع أداء مجلس التعاون وفشله في تطبيق التنسيق
التكاملي إلى المساس بالحقوق الفلسطينية أو القيام بأية خطوة تعاونية
أو تصالحية تجاه الكيان بطريقة يمكن لها أن تضر بالدعم الشعبي الخليجي
اللامحدود للقضية الفلسطينية. ما كان ينبغي أن يتراجع موقف مجلس
التعاون تجاه القضية العادلة للشعب الفلسطيني إلى الدرجة التي تتمكن
معها واحدة أو اثنتان من دول المجلس من الانفراد بسياسات يعتبرها أنصار
"إسرائيل" وأعداء "فلسطين"، زوراً وبهتاناً، خطوات "شجاعة" أو
"واقعية".
نعلم تماماً
طبيعة وأبعاد العلاقة النظرية والواقعية بين اعتبارات الاقتصاد ومحددات
السياسة، ونعلم كيف تتفاعل الأموال والأسواق من جهة والحكومات والقوة
من جهة أخرى، ونعلم أن ثمة قدراً كبيراً من التشابك بين المجالين،
ونعلم أيضاً أن السياسات الخارجية قد تنتج من جراء هذا التشابك وأيضاً
من خلال ضغط المطالب الخارجية، بحيث تؤدي أحياناً إلى اتخاذ الحكومات
قرارات مريرة ولكنها تبدو حتمية. ولكننا نعلم أيضاً أن مهمة القيادة
الفاعلة لا تقتصر فقط على الانسياق خلف قوة زخم مزيج اعتبارات الاقتصاد
ومحددات السياسة، ولا يجب أن نتذرع بوجود ضغط المطالب الخارجية من أجل
تبرير اتخاذ خطوة تطبيعية مع الأعداء الصرحاء ترفضها الشعوب في الداخل؛
وإن كان لا بد من مثل تحول المواقف فإن لا ينبغي الإسراع إلى اتخاذ مثل
هذه الخطوة بالشكل الذي تبدو معه تهافتاً واستسلاماً، وليس من الحكمة
أن تغفل الحكومات جدوى الاستعانة بالعمق الشعبي الداعم للحقوق
الفلسطينية والرافض لقرارات وسياسات التطبيع وذلك بهدف صد الضغط
الخارجي الذي تتعرض له، مهما كان مصدر هذا الضغط.
تتعرض كل الدول
الخليجية لمختلف أنواع الضغوط والمطالب الخارجية، والتي تشمل مجالات
احترام حقوق الإنسان، ومكافحة التطرف، وتحسين سجلها المتعلق بالتمييز
ضد المرأة، وتحقيق إنجازات على صعيد الإصلاحات الديمقراطية، وكذلك
التقارب مع الكيان الصهيوني. وعلى الرغم من أننا نفهم فداحة مسألة
المطالب الخارجية هذه بما تمثله من تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية
لدول المنطقة، ونفهم كذلك أهمية هذه المطالب لما يمكن أن تمثله من قوة
دفع نحو التغيير، ليس من المتصور أن تشرع دول المنطقة في عملية الإصلاح
في غياب مثل هذه المطالب الخارجية الضاغطة، إلا أننا لا نستطيع أن
نتفهم على الإطلاق طبيعة الاستجابات التي تبديها بعض العواصم الخليجية
لهذه المطالب. ففي الوقت الذي لا نستطيع أن نرى تحركات جادة وكبيرة من
قبل العواصم الخليجية نحو الاستجابة لمطالب احترام حقوق الإنسان أو
تحسين واقع المرأة السياسي أو تنفيذ الإصلاحات، فإنه من المؤسف أن نرى
مؤخراً أن الاستجابة على صعيد التقارب، بل والتطبيع، مع الكيان
الصهيوني تبرز نسبياً كأوضح مجال للرضوخ الخليجي للضغط الخارجي.