|
مجموع أحكامهم تصل إلى 700 عام :
أم بكر تعيش بين الأمل و الرجاء برؤية
أبنائها المعتقلين الأربعة

نابلس –
خاص :
منذ 12
عاماً لم يجتمع شمل الأخوة "بكر و عمر و معاذ و عثمان و عبادة"
أبناء الشيخ سعيد بلال معاً في بيتهم ، ذلك البيت الذي كان
يضجّ بضحكاتهم ، فكنت تسمع نداءً من هنا و آخر من تلك الزاوية
، و همسة من هذه الغرفة ، فهم شبابٌ تتكحل العين رؤيتهم ، فلم
تتوقّع أمّ بكر أنّ هذا البيت سيفتقد يوماً إلى تلك الشقاوات
أو تلك الضحكات .. فمن المستحيل أنْ يرحلوا مرة واحدة ، لكن
الاحتلال لا يجعل على الأرض شيئاً مستحيلاً .
بداية الحكاية :
بدأت
حكاية أم بكر من نابلس مع الاعتقالات يوم أنْ وقع ابنها "معاذ"
أسيراً في سجون الاحتلال ، حيث يقضي الآن حكماً بالسجن المؤبّد
26 مرة بالإضافة إلى 25 عاماً و 24 شهراً ، و هو حالياً معتقلٌ
في سجن "هدريم" .
في حين
يمكث الابن الثاني "عثمان" في سجن جلبوع بعد أنْ حُكِم عليه
بالسجن المؤبّد خمس مرات ، أي أنّ معاذ و عثمان لا يمكن أن
يلتقيا بالوالد الشيخ أو الأم إلا بقدرة ربانيّة .
و لم
تكتمل حكاية أسرة أم بكر بعد ... فعبادة الابن الأصغر له حكاية
أخرى ، إذ لم يشفع له ضُعف بصره ليعتقله الجنود الصهاينة قبل
نحو عامين و نصف العام و يصدر عليه حكماً بالسجن
أحد عشر سنة .
و قبل نحو
عامٍ و نصف ، اعتقل الجيش بِكْرها بكر و حكم عليه بالسجن أربع
سنوات ، و في ذات اليوم اعتقل شقيقه عمر ، الذي أفرج عنه قبل
شهرين تقريباً ، و بالتالي فقد ذاق خمستهم مرارة السجن و
الاعتقال .
بين الأمل و الرجاء :
تقول الأم
المكلومة بأبنائها : "الإيمان بالله ، و بقضائه و قدره ،
الوصفة السحرية لتجاوز أيّ محنة ، نحن لا نملك شيئاً بيدنا ،
فكلّه مقدّر و مكتوب علينا ، هم اختاروا طريقهم و ساروا فيه"
... لكن دعوات أمّ بكر لأبنائها متصلة لا تنقطع و رجاؤها بربّ
العالمين كما تقول كبير : "إنْ لم يقدّر الله لي رؤيتهم في
الدنيا فأنا أدْعُ الله ليل نهار أن يجمع بيننا في الآخرة .. و
مهما حاول الاحتلال أن يكون سبباً في فصل جسدي عن أجسادهم
فأرواحنا متصلة" .
لكنّها
استدركت قائلة : "نحن بشرٌ و قدرتنا على الاحتمال و الصبر لها
حدود ، و قد جاء العيد و هم بعيدون عني ، و أنا كأيّ أمّ أخرى
تفتقد أبناءها ، حزينة لأنّهم ليسوا بيننا ، أقول لهم : "إنّ
القلب ليجزع و إنّ العين لتدمع و إنّا على فراقكم لمحزونون ..
و أملي بالله كبير أنْ يأتي العيد القادم و هم معنا حتى تكتمل
الفرحة" .
و تتابع :
"أنا أعيش بين الأمل و الرجاء ، فوالدهم رجلٌ كبير لا يقدِر
على شظف العيش و أنا سنّي تقدّمت ، لذلك فأملي بالله أن أراهم
و أسعد بضمّهم إليّ" .
محرومة من زيارتهم :
تتحدّث أم
بكر و لا تفقد الأمل بل تجعلك تستمدّ قوة من كلماتها و بسماتها
، على الرغم من منعها من زيارتهم داخل السجون بعد عزلهم في
زنازين منفردة . تقول عن هذا : "لم تكتفِ سلطات الاحتلال
باعتقالهم ، بل تمنعني و زوجي من زيارتهم جميعاً ، فلم أرَ
عثمان منذ محكمته قبل ثماني سنوات ، و معاذ لم أرَهُ أيضاً منذ
أربع سنوات ، و عبادة الصغير رأيته من بعيد يوم المحكمة و كانت
حالته يرثى لها و ملابسه سيئة للغاية ، و كذلك بكر أُحرَم من
زيارته بحجّة المنع الأمنيّ" .
و لأنّه
آخر العنقود و صغيرها كما تحبّ أنْ تصفه ، أفردت أم بكر مساحة
للحديث عن عبادة ، الذي اعتقل لأول مرّة و هو في الصف التاسع
الأساسي عام 1993 ، في سجون السلطة الفلسطينية لمدة أربع سنوات
متواصلة ، و بعدها أفرج عنه ليلتحق طالباً في جامعة النجاح
الوطنية .
تقول أم
بكر : "لقد قمت بتزويجه مبكّراً بعد أنْ ضغط عليّ عثمان و معاذ
و هما في السجن حتى ينجب لنا أحفاداً يملأون علينا البيت ، و
يجد في الزوجة السلوى و تزيل عنه هموم الوحدة لغياب إخوانه خلف
القضبان ، إلا أنّه لم يهنأ بالزواج ، فقد تمّ اعتقاله بعد
زواجه بشهرٍ واحد" .
الرسائل وسيلة وحيدة للتواصل :
أم بكر
التي قال لها قاضي المحكمة الصهيونيّ الذي نطق بالحكم الجائر
على عبادة : "لا يحقّ لأمّ مثلك أنْ يكون لديها أبناء يكفنونها
عند الموت لأنّك أنجبت خمسة (إرهابيين) ، و دولة (إسرائيل)
ستحرص على حرمانك من رؤيتهم لآخر لحظة في حياتك" ، لم يسمح لها
بزيارة أبنائها ، حتى الاتصالات شبه معدومة بسبب الحجز
الانفرادي لمعظمهم إنْ لم يكن لجميعهم .
لذلك
فالرسائل التي تصلها منهم كلّ 5 أو 6 أشهر ، أو التطمينات التي
تتلقّاها من عائلاتٍ زارت أبناءها المعتقلين في ذات السجون
التي يقبع بها أبناء أمّ بكر ، هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة
أخبارهم.
تقول :
"إدارة السجن تراقب كلّ شيء ، حتى الرسائل المكتوبة و قد
تحرِمني من وصولها لي من أبنائي لأيامٍ طويلة ، كما أنّهم
يؤخّرون وصول رسائلي لأبنائي كذلك" .
مرة أخرى
أبلغ القاضي أم بكر : "يجب أنْ أحرق دمك على أبنائك فهم
(مخرّبون)" .. قابلته بابتسامة و قالت : "هم فداء للوطن" .
أحفادي يخفّفون عني :
و لعلّ
أحفاد أمّ بكر هم الوحيدون القادرون على رسم ابتسامةٍ و لو
سريعة على محيّاها ، تقول عن ذلك : "رزقنا الله بأربعة أحفاد ،
ثلاثة أطفال لأبني بكر ، و طفلة لابني عمر، ملأوا عليّ كلّ
حياتي ، و أُسعَد جدّاً عندما أراهم ، لكنّني أحزن في ذات
الوقت و أذرف الدمع دون أنْ يروها لأنهم محرومون من رؤية
آبائهم و أعمامهم ، و العيش في بيتٍ هادئ و مستقرّ كبقية
الأطفال" .
و لا تنظر
أمّ بكر باستهجانٍ للسياسة القمعية الصهيونيّة بحقّ عائلتها ،
بل تعتقد أنّ اعتقال الاحتلال لأبنائها الأربعة بعد أنْ أُفرِج
عن الخامس هي سياسة تفرضها طبيعة المحتلّ الغريب الذي يشعر
بالخوف في كلّ لحظة يتباهى فيها بالانتصار.
و تختم
أمّ بكر كلامها قائلة : "ما يصلني عنهم أنّ معنوياتهم عالية ،
و أملي أنْ يعودوا سالمين ، فأنا و هم مؤمنون بالله و كذلك
مؤمنون بعدالة قضيّتنا ، و أنا على يقينٍ أنّني سأحتضنهم يومًا
ما كيقيني أنّ الاحتلال في فلسطين إلى زوال" ..
|