الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

الاتكاء الصهيوني على الاحتلال الأمريكي

 

14/9/2004

 

جاءت عملية بئر السبع المزدوجة، لتفرض على العدو إعادة تقييم إجراءاته، وفرضياته حول قدرة المقاومة على اختراق منظومته الأمنية، والضرب في العمق الصهيوني من جديد، وبذلك شكلت العملية إنجازاً مهماً للمقاومة على الصعيد الأمني والمعنوي، في سياق المعركة القائمة والصراع المستمر مع الاحتلال الصهيوني.

 

وهاهي الانتفاضة المباركة، والمقاومة الباسلة، تتم عامها الرابع، وتدشن العام الخامس. وهي قادرة على المواصلة والاستمرار، وعلى تجديد أدواتها وتطويرها، بما يكفل تخطي العقبات، ومواجهة التحديات والصعوبات، التي يعمل العدو على زرعها في طريق المقاومة، ولقد أثبتت الأحداث تفوق إرادة المقاومة وقدرتها الإبداعية على إجراءات العدو التعسفية، رغم ما يمثله الجدار الفاصل، والحواجز العسكرية، وحملات الاعتقال، وعمليات الاغتيال، من عقبات واستنزاف لقدرات المقاومة.

 

لقد وصل شارون إلى الحكم تحت شعار إنهاء الانتفاضة خلال مائة يوم، وتبنى لتحقيق ذلك سياسات قمعية فاقت الحدود والتصور، ارتكزت في الأساس على الحل العسكري الأمني القائم على العقوبات الجماعية، والأرض المحروقة، ومحاربة الوعي بجدوى المقاومة في تحقيق الأهداف الوطنية، وعلى الرغم من ذلك فقد فشل في تحقيق مآربه وأهدافه، إذا استمرت الانتفاضة والمقاومة، وتعمق الوعي بجدواها، وما يزال الشعب الفلسطيني صامداً محتسباً قادراً على الاستمرار، بفضل إيمانه وإدراكه الواعي لحتمية وجدوى خيار وبرنامج المقاومة.

 

بلا شك فإن شارون قد استطاع أن يفاقم من معاناة الشعب الفلسطيني، فلم يسلم من بطشه الحجر والشجر فضلاً عن البشر، المستهدفين في المقام الأول، وقد تجاوز كل معقول أو متوقع، في حربه ضد الشعب وحركات المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

 

وما كان لشارون أن يلغ بدماء الشعب الفلسطيني بهذا القدر من القتل والعسف والإرهاب، لولا الغطاء الأمريكي لسياساته القمعية، والدعم اللامحدود من الإدارة لتلك السياسات إلى حد التطابق الكامل، والتحالف المطلق بينهما، وبالأخص بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001م، حيث نجح شارون في استغلال الحدث، والتساوق بل التماهي مع أهداف الإدارة في حربها على ما يسمى "بالإرهاب"، وجعل من حربه على الشعب الفلسطيني، جزءاً من تلك الحرب الأمريكية العالمية على الإرهاب.

 

وقد تزايد هذا التطابق، بعد أن تحققت وحدة الحال بين الاحتلال الصهيوني، والاحتلال الأمريكي للعراق، فقد أصبح كلاهما قوة احتلال تمارس القمع ضد شعب من شعوب المنطقة، وفي ظل تطابق الاستراتيجيات المتعلقة، بضرب مراكز القوة في العالم العربي والإسلامي، وإعادة رسم الخريطة السياسية بما يحقق مصالح الكيان الصهيوني، خاصة وأن الحرب على العراق إنما هي حرب بالوكالة عن الكيان الصهيوني، هذا الأمر انعكس أيضاً على التكتيكات وأساليب الحرب التي يستخدمها كلا الطرفين، أو بالأحرى شقا الاحتلال.

 

العدوان بين الاحتلال الأمريكي والصهيوني:

إن جوهر الاحتلال حيثما حل لا يتغير، فهو قائم على الإكراه والغصب، مهما حاول الخداع والتخفي وراء أقنعة الحرية والديمقراطية والإصلاح، أو الدفاع عن النفس، والحروب الوقائية الاستباقية، فإن الطبيعة الإجرامية ستنبئ عن نفسها دون تأخير.

 

لقد حاولت الإدارة الأمريكية، أن تضع العديد من الأقنعة، لإخفاء طبيعتها الإجرامية العدوانية وأهدافها الاستراتيجية من احتلال العراق، بل وتوقعت أن تنطلي تلك الخدعة على الشعب العراقي، فيستقبل جيوش الغزو محتفلاً منتشياً استقبال الفاتحين، فلما لم تجد ما خدعت به نفسها، تحولت تلك الجيوش إلى آلة قتل مدمرة، تعاقب الشعب العراقي، على سوء تصرفه وقلة وفائه لجيوش المحررين الأمريكيين!

 

في البدء حاولت الإدارة أن تنأى بنفسها عن مسلكيات الاحتلال الصهيوني، بل وعن طبيعة ذلك الاحتلال، وحاولت إيجاد نوع من الاختلاف بينهما، وما لبث أن أصبح الأمر غير ذي جدوى وأهمية، فأصبح معلوماً أن كلا الفريقين يستعين بالآخر، ويستفيد من خبراته، وخاصة أن الاحتلال الصهيوني أكثر خبرة من الأمريكي في هذا المضمار، الأمر الذي دفع الأمريكيين للاستعانة بالصهاينة لتدريب قوات أمريكية على حرب المدن داخل فلسطين، كما يشارك ضباط مخابرات صهاينة في التحقيقات مع السجناء العراقيين لانتزاع الاعترافات منهم.

 

لقد بدا الترابط والتماهي واضحاً بين الاحتلال الأمريكي والصهيوني، في حالة القلق الشديد التي انتابت الطبقة السياسية والعسكرية الصهيونية، حينما اشتد المأزق الأمريكي في العراق، إبان أحداث الفلوجة (أبريل/2004) وما تلاها من أحداث النجف، إذ أجمعت تلك الأوساط أن هزيمة الجيش الأمريكي في العراق بمثابة الكارثة للاحتلال الصهيوني.

فليس من المستغرب، والأمر كذلك، أن تتشابه، بل وتتطابق تكتيكات ووسائل الاحتلال في العراق وفلسطين، والتي يمكن أن نجمل بعضها فيما يلي:

 

1.  النزعة الانتقامية: لقد أظهرت جريمة قصف المخيم الكشفي في الشجاعية، الذي أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات من أبناء وأنصار حركة حماس، والذي يجيء في سياق الرد الانتقامي الصهيوني على عملية بئر السبع المزدوجة، الدافع العدواني الثأري للاحتلال الصهيوني.

 

وقد تزامن ذلك مع هجمات استخدمت فيها قوات الاحتلال الأمريكي الطيران الحربي ضد أهالي الفلوجة، وذلك انتقاماً لمصرع سبعة من الجنود الأمريكيين قرب المدينة، في عملية بطولية للمقاومة العراقية، عشرات استشهدوا أو جرحوا، معظمهم من الأطفال والنساء، ليس لأي هدف أو غاية سوى الانتقام والثأر من أهل الفلوجة، وتبعها قصف لمدينة تلعفر الحدودية.

 

2.  العقوبات الجماعية: تمارس قوات الاحتلال في فلسطين والعراق أساليب شتى للعقاب الجماعي، والاعتقال الجماعي، لغرض إنهاك قدرة الشعب على الصمود والمقاومة، وإجباره على التخلي عن احتضانه للمقاومة، فالعدو الصهيوني اجتاح شمال قطاع غزة بذريعة وقف صواريخ القسام، ولكنه لم يقم سوى بهدم البيوت وتجريف الأرض الزراعية، وتخريب البنية التحتية للمنطقة، ليدفع سكان بيت حانون وبيت لاهيا للانقلاب على المقاومة، وتأتي في هذا السياق عمليات هدم البيوت، والحواجز العسكرية، والإغلاقات المتكررة للحدود.

 

وفي المقابل قام الجيش الأمريكي بقتل ستمائة شهيد في الفلوجة، رداً على تمثيل قلة من سكان المدينة بجثث أربعة من عملاء الاستخبارات الأمريكية في المدينة، عقوبة لأهالي المدينة لدعمهم المقاومة العراقية، واحتضانهم لها.

إنه ذات النهج والأسلوب الهادف إلى تركيع الشعوب من خلال استنزافهم، وزيادة كلفة استمرار المقاومة، مادياً وبشرياً، لإحداث نوع من التحول في الوعي الشعبي للإقرار بالهزيمة والاستسلام لواقع الاحتلال.

 

3.  التبريرات التضليلة: كل جريمة يرتكبها الاحتلال لها تبرير معدّ سلفاً، وقد أصبح مضمونه معلوماً دون الحاجة إلى مزيد جهد لتوقعه، فكل الجرائم غدت تقترف بذريعة الحرب على الإرهاب، حتى تلك التي تنال من المدنيين العزل، فتقتلهم، أو تهدم بيوتهم، تجد في تلك الذريعة غطاءً ومبرراً، فإن لم تجد فإنها تدعي استهدافها للبنى التحتية لما يسمى بالإرهاب، والمقصود هنا الشعب الداعم للمقاومة، إذ إنه وحده من يمثل تلك البنية.

تلك الآلة الإعلامية الهائلة تحاول حرف الحقائق، وتكريس الأكاذيب بديلاً عنها، عبر عملية إصرار وتكرار لتلك الشعارات والرواية، أملاً في أن يصدقها الآخرون، وتتحول إلى حقيقة في الوجدان والوعي العالمي.

 

هدف هذه الآلة تحويل المقاومة إلى إرهابيين، قتلة، لا غاية لهم سوى قتل الآخرين، ولا هم لهم سوى محاربة السلام والديمقراطية والحرية، بمعنى آخر تحويلهم من أصحاب قضية إلى مجرد مجرمين، مجردين من الإنسانية، ومن ثم تحويلهم من بشر إلى مجرد أشياء شريرة، تستحق كل ما قد يطالها من إجراءات عقابية على طريقة الاحتلال.

 

كما تسعى آلة الدعاية تلك إلى شخصنة الصراع، فتارة المشكلة تكمن في بن لادن وتارة أخرى في صدام حسين، وأخيراً تكمن في الزرقاوي، هذا على الصعيد الاحتلال الأمريكي، أما الاحتلال الصهيوني، فقد جعل من عرفات هدفاً لحملته تارة ثم في كل مرة يعلن أسماء جديدة لاستهدافهم باعتبارهم من يقف خلف العمليات، لقد اعتاد الاحتلال اتخاذ هدف يمثل صورة الشرير المسبب لكل ما هو قائم من أحداث، ليقول في ختام الأمر أن المشكلة ليست في وجود الاحتلال، وأن الصراع لا يقوم بين شعب مقاوم واحتلال غاشم بل بين مجموعة معزولة من الإرهابيين الحاقدين على الشعوب الأخرى، والذين يستهدفون قيم الديمقراطية والحرية التي تمثلها أمريكا والكيان الصهيوني، ولذا فإن قتلهم ليس سوى إزاحة لهؤلاء من طريق الحرية والديمقراطية القادم على الدبابة الأمريكية الصهيونية.

 

4.  تصدير الأزمة إلى الخارج: وتعتبر واحدة من أساليب الخطاب الدعائي التضليلي، ولكنها تحمل أبعاداً إقليمية ودولية، ويمكن أن يترتب عليها إجراءات سياسية وعسكرية محتملة، بحسب الأجندة الأمريكية الصهيونية، ولخدمة استراتيجيات السياسة الأمريكية والصهيونية.

 

فقد واظبت الإدارة الأمريكية على اتهام دول بعينها، مثل إيران وسوريا، بدعم المقاومة في العراق، وأنها لا تضبط حدودها مع العراق، وأن المقاومين العرب أو الحرس الثوري يتسللون من خلال هذه الحدود، لتشديد الضغط ضد الاحتلال الأمريكي في العراق، ويأتي التشديد والمبالغة في دور الزرقاوي، كمحاولة للإيهام بأن الشعب العراقي يرحب بالاحتلال، وأن قوة الدفع للمقاومة العراقية، قادمة من الخارج، دون تقديم أي دليل على مثل هذه الدعوات.

 

وفي المقابل فإن الاحتلال الصهيوني، يسارع على الدوام لإلقاء مسؤولية العمليات الاستشهادية على عاتق سوريا تارة، وحزب الله تارة، وقيادة حركات المقاومة في الخارج تارات أخرى، الأمر الذي تكرر إثر عملية بئر السبع المزدوجة، إذ ادعت سلطات الاحتلال أن تلك العملية البطولية قد تم توجيهها من قيادة "حماس" في الخارج، وبدأت حملة دعائية تحاول الربط بين العملية وسوريا، قام خلالها وزير خارجية العدو بزيارة وزير خارجية هولندا "الرئيس الدوري للاتحاد الأوروبي" مدعياً أن لسوريا ضلع مباشر في المقاومة داخل الأرض المحتلة، وكذلك فعل سفير الكيان في واشنطن، كما تعالت التهديدات الصادرة عن العسكريين الصهاينة بضرب سوريا، واغتيال قادة المقاومة في دمشق.

 

هذه الحملة المنسقة بين الإدارة الأمريكية، في مجلس الأمن حيث تم استصدار قرار 1559 ضد سوريا ولبنان، تحت ذريعة حماية الدستور والديمقراطية اللبنانية، والتي تجاوزت ذلك إلى المطالبة بحل الميلشيات، وبسط سيطرة الجيش اللبناني إلى الجنوب، وسحب الجيش السوري وما إلى ذلك من مطالب، تزامنت مع الحملة الصهيونية الدعائية ضد سوريا، وقيادة المقاومة الفلسطينية التي يقال أنها مقيمة فيها، تأتي في سياق تشديد الضغوط على سوريا والمقاومة، لإضعاف واحدة من قلاع الممانعة المتبقية في العالم العربي والإسلامي، كما تأتي في سياق التمهيد السياسي والإعلامي والمعنوي لأي عدوان يطال سوريا، أو قيادة حماس، سواء كما جرى في عين الصاحب العام المنصرم، أم عبر الاغتيال السياسي لقيادة المقاومة.

 

لقد حاولت سلطات الاحتلال ولا تزال، لفت الانظار عن فشلها الأمني الذريع في القضاء على المقاومة سواء في فلسطين أم العراق، فألقت بالمسؤولية عن حالة المقاومة القائمة على دول الجوار رغم أن كل الدلائل تشير إلى أن المقاومة هي حالة شعبية أصيلة موجهة ضد الاحتلال بهدف إنهائه، فلا يمكن قيام واستمرار المقاومة دون حاضن شعبي، يوفر لها الإسناد والرفادة، ويضمن لها التواصل والتطور.

 

كما أن تصدير الأزمة التي تحدثها المقاومة في فلسطين إلى سوريا، يحمل في طياته محاولة للتساوق وتقليد الأسلوب الأمريكي، فيما يسمى الحرب على الإرهاب، فإن كان لأمريكا الحق في الضربات الاستباقية، وفي انتهاك سيادة الدول، وتحت مسمى ضرب قواعد الإرهاب حيث كانت، فلم لا يحق للكيان الصهيوني فعل ذلك، والنهج الأمريكي في طريقه ليصبح عرفاً دولياً، فها هي روسيا تعلن عزمها تنفيذ مثل هذه الضربات للمقاومة الشيشانية على إثر مأساة مدرسة بيسلان، وقد سبق أن وفرت الإدارة الأمريكية الغطاء لمثل هذا العدوان الصهيوني على لبنان وسوريا، وما التهديدات الأخيرة إلا إمعان في تكريس هذا النهج الخطير في العلاقات الدولية.

 

خـتاماً: فإن الشعب الفلسطيني والأمة بأجمعها أمام احتلال في فلسطين والعراق، اتحدت أهدافه وغاياته، وتناسقت أساليبه وأدواته، يحاول تكريس لحظة الهزيمة التي عاشتها الأمة، وبناء الواقع السياسي بصورة دائمة وفقاً لإفرازاتها، ومن ثم ترتيب أوضاع وشؤون المنطقة، اعتماداً على توابع هزيمة حزيران 1967م، واحتلال العراق، ليفرض على الشعب الفلسطيني، ومواقع الممانعة العربية التسليم بهذا الواقع والتعامل مع الاحتلال على أساسه.

 

هذا الأمر يتطلب تعميق الوعي بسياسات وأهداف العدو، وتعميق التعاون والتنسيق داخل الشعب الفلسطيني، وبين الأطراف العربية كافة، لتفويت الفرصة على الاحتلال في الاستفراد بهذا الطرف الفلسطيني أو العربي دون غيره، لتستطيع الأمة تجاوز المرحلة والانتقال من حالة الاستضعاف إلى العافية، عبر المحافظة على عوامل القوة والممانعة، وتطويرها، فالاحتلال مهما طال أمده، يظل مؤقتاً وطارئاً سينجلي عن الأرض العربية، ولن يكون المستقبل إلا لمن حمل راية الصمود والثبات والمقاومة في مواجهة الاحتلال الغاصب.