الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة


 

 

المقاومة الفلسطينية وقمة بيروت المقبلة

 

12/3/2002م

 

شهدت الساحة الفلسطينية خلال الأسابيع القليلة الماضية تطورات سريعة ومهمة على صعيد مقاومة الاحتلال وما رافق ذلك من مبادرات ومساعٍ سياسية فلسطينية وعربية ودولية لوقف هذه المقاومة والضغط على حكومة شارون لتخفيف إجراءاتها القمعية ضد الشعب الفلسطيني بعد أن بلغت هذه الإجراءات مستويات غير معهودة تمثلت بشن حرب  إبادة ضد المخيمات الفلسطينية بهدف إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر البشرية في صفوف الفلسطينيين...
وما يبن التضحيات العالية التي يقدمها الشعب الفلسطيني يومياً وشلال الدماء الذي يتدفق على أرض فلسطين وبين التحركات السياسية التي تريد إجهاض المقاومة الفلسطينية وإنهاء المسيرة الفلسطينية المتواصلة نحو دحر الاحتلال، تأتي القمة العربية التي ستنعقد في بيروت في 27/3/2002م لتشكل معلماً أساسياً في ترجيح كفة هذين التوجيهين..

فإلى أين تسير مقاومة الشعب الفلسطيني؟ وما هي النتائج المتوقعة للمبادرات السياسية المطروحة؟ وما هو الموقف الذي يمكن أن يصدر عن قمة بيروت في هذا السياق؟

تغير الموقف الأمريكي:

بعد شهور عديدة من اجترار عبارات الشجب والإدانة لعمليات المقاومة الفلسطينية من قبل الإدارة الأمريكية بقيادة بوش الابن، وبعد عدة مواقف أظهرت فيها هذه الإدارة انحيازها الأعمى للكيان الصهيوني من خلال تجاهل استمرار عملياته الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني وتحطيم بنيته التحتية وضرب مؤسسات ومقرات السلطة الفلسطينية إضافة إلى استهداف كوادر وقيادات الشعب الفلسطيني العسكرية وشن حرب شعواء ضد التجمعات السكانية الفلسطينية وصولاً إلى فرض الحصار والتلويح بإيحاد قيادة بديلة عنه..بعد كل ذلك ، أظهرت هذه الإدارة موقفاً إعلامياً متغيراً إزاء تطورات الأحداث في فلسطين ، لاسيما بعد أن صعّدت حكومة شارون من حربها ضد المدنيين الفلسطينيين عبر حصار المخيم تلو المخيم والمدينة تلو المدينة وتنفيذ مجازر بشعة ضد الفلسطينيين تجاوزت حصيلتها حتى الآن أكثر من 200 شهيد فلسطيني وحوالي 2500 معتقل فلسطيني خلال  أقل من ثلاثة أسابيع، وما استدعاه هذا الإرهاب المنظم من ردود فعل فلسطينية عنيفة جداً تجاوزت كل توقعات المراقبين عبر تنفيذ عدة عمليات بطولية ضد أهداف صهيونية في منطقتي الـ 67 والـ 48 أسفرت عن مقتل عشرات الصهاينة في موجة مقاومة متصاعدة ومميزة لم يواجهها الصهاينة منذ احتلالهم للأرض الفلسطينية.

فقد دفع هذا الوضع الولايات المتحدة الأمريكية – التي آثرت التزام ا لصمت فاتحة الضوء الأخضر لإرهاب شارون لكسر المقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني – للبدء في تغيير موقفها عندما شعرت بالخطر على مصالحها في المنطقة في حال تطور المواجهة الحالية إلى مواجهة شاملة في المنطقة بفعل سياسة شارون الدموية والتصعيدية الفاشلة. لذلك سارع الرئيس الأمريكي (بوش) للإعلان عن نيته إرسال المبعوث الأمريكي (الجنرال زيني) إلى المنطقة للبحث في وقف  إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات، ونائبه ديك تشيني لتهيئة الأجواء لضرب العراق. كما انتقد وزير خارجيته (باول) سياسة شارون باعتبارها سياسة لن تفضي إلى نتيجة لأنها ترتكز على القتل قائلاً: (إن إحصاء الجثث لن يؤدي إلى نتيجة)، وكان لافتاً جداً أن تنأى الإدارة الأمريكية بنفسها عن إدانة العمليات الاستشهادية الأخيرة في  نتانيا والقدس مكتفية بالدعوة إلى ضبط النفس في إشارة بليغة إلى حكومة شارون بأن سياستها الحمقاء وضعت هذه الإدارة في حرج كبير، وربما تؤثر سلبياً على برنامجها لمحاربة ما يسمى بـ (الإرهاب)،  الذي يتطلب التخفيف من حدة التصعيد في المنطقة استدراكاً لما قد ينتج عنه من إضرار بمصالحها، ولمحاولة الإيماء بأنها تلعب دوراً متوازناً في المنطقة العربية خاصة في ظل الترويج لفكرة ضرب العراق، وحاجتها إلى حشد التأييد لخطوة كهذه.

مأزق حكومة شارون:

أيضاً، في خطوة متوازية أعلن شارون أنه مستعد لمفاوضة الفلسطينيين رغم استمرار إطلاق النار في إشارة إلى تراجعه عن شرطه السابق المتمثل في إلزام الفلسطينيين لوقف إطلاق النار من جانب واحد ولمدة سبعة أيام قبل الشروع في تطبيق توصيات ميتشل وتينت الأمنية، هذا التراجع الشاروني إنما يدل على أن خططه قد فشلت في مقابل النجاح الذي حققته المقاومة الفلسطينية والتي استطاعت أن توقع الهزيمة المعنوية بجيشه وأن تزرع الخوف وعدم الاستقرار في المجتمع وأن تدفع باقتصاده إلى التراجع المتسارع، إضافة إلى أن تراجعه يعبر عن مدى يأسه في ظل تراجع تأييد الشارع الصهيوني له ولسياسته الأمنية، حيث عبر 76% من المجتمع الصهيوني عن أن معالجة شارون للمشاكل الأمنية كانت سيئة ويعزز ذلك تراجع نسب التأييد لشارون ولسياسة حكومته في المجالات كافة حسب استطلاعات الرأي في آذار الحالي. ويبدو أن استمرار المقاومة سيزيد من الضغط على شارون ويصعّب من خياراته ما بين الاستجابة للضغوط الأمريكية بتخفيف الحملة على الشعب الفلسطيني والسماح لعرفات بحضور القمة العربية في بيروت، وما بين الاستجابة لمطالب اليمين المتشدد في حكومته والحرص على عدم انفراط عقدها خصوصاً بعد استقالة اثنين من عتاة اليمين المتطرف فيها : وزير البنى التحتية (أفغيدور ليبرمان) وزعيم حزب (إسرائيل بيتنا) الذي يملك    (4) مقاعد في الكنيست ووزير السياحة (بني أيالون) زعيم حزب (الوحدة الوطنية) الذي يملك (3) مقاعد في الكنيست احتجاجاً على تخفيف الحصار عن عرفات.

تشتت مواقف الدول العربية:

في الطرف المقابل، يقف الطرف العربي على أرضية ضعيفة تتآكلها الخلافات السياسية وعدم توحد الرؤى تجاه العديد من القضايا، كما يتعرض في ذات الوقت لضغوط أمريكية خاصة بعد أحداث 11 أيلول ، حيث بلغت الضغوط الأمريكية درجة ا لتهديد ووصف الدول التي لا تقف معها في حملتها ضد ما تسميه بـ (الإرهاب) بأنها (إرهابية) وداعمة له.

في ظل هذا الواقع جرت محاولات عربية عدة للدفاع عن المقاومة الفلسطينية باعتبارها مقاومة مشروعة ضد الاحتلال والتفريق بينها وبين الإرهاب، كما حاولت بعض الدول الضغط على المقاومة الفلسطينية لوقفها خوفاً من ردّات الفعل الصهيونية ومن انعكاس استمرار الانتفاضة على ساحاتها الداخلية ومصالحها الإقليمية التي باتت مهددة من قبل شارون في ظل استمرار سياسته القمعية الإرهابية!!

أيضاً حاولت دول عربية أخرى طرح مبادرات سياسية للحل، حيث قدمت السعودية مبادرة تدعو إلى ا لتطبيع مع  الكيان الصهيوني، مقابل انسحابه الكامل من الأراضي المحتلة عام  67 والتي أثارت ردود فعل متباينة، فلسطينياً وعربياً ودولياً. ورغم أنها لم تشكل توجهاً حقيقياً من قبل السعودية للتطبيع مع الكيان الصهيوني بقدر ما حاولت دفع ضرر الضغوط الأمريكية المتزايدة بعد أحداث 11 أيلول ، وإظهار مدى تعنت الطرف الصهيوني، إلا أنها أصبحت تمثل المادة الأهم للتحرك السياسي العربي على أبواب قمة بيروت، ولعل أهم تطور شهدته المبادرة هو التراجع عن التطبيع وإدراج بند عودة اللاجئين فيها، وذلك إثر جهود بذلتها سوريا تكللت بعد بيان القمة السورية اللبنانية بزيارة قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى السعودية أسفرت عن رفع سقف المبادرة بحيث لا تغفل حق العودة الكامل للاجئين الفلسطينيين وإخراجها بصورة تلقى إجماعاً عربياً في قمة بيروت القادمة في 27- 28/3، عبر تغيير الدعوة للتطبيع إلى الدعوة للسلام الشامل مقابل الانسحاب.

المقاومة ....وقمة بيروت:

وعلى الرغم من التحركات العربية والأوروبية الأخيرة، إلا أن فرص نجاح المبادرة السعودية تظل ضئيلة في ظل الموقف الأمريكي – الصهيوني الذي يحاول استثمارها بما يخدم مشروع التطبيع وتسويق الكيان الصهيوني في المنطقة ووقف الانتفاضة، ومن جهة ثانية العمل على تفريغ المبادرة من جوهرها المبنى على الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة عام 67، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وإقامة الدولة الفلسطينية، فرئيس حكومة العدو (شارون) أعلن عن موقفه من المبادرة بتاريخ 3/3/2002م، واصفاً المبادرة بأنها تشكل خطراً على كيانه، وأن حكومته لا تقبل بإملاءات عليها قبل المفاوضات، وأن خط الحدود في كل قطاع سوف يتحدد فقط في المفاوضات، لأن خطوط عام 67 هي خطوط تمس بأمن الكيان الصهيوني.

واتخذ (شمعون بيريز) وزير خارجية العدو نفس الموقف بتصريحه أن لديه تحفظاً على المبادرة السعودية يتعلق بحدود 1967م، إذ لا يمكن البدء بمفاوضات من نقطة كهذه.

وفي نفس السياق عبر (باول) وزير الخارجية الأمريكي بقوله – رغم ترحيبه بالمبادرة-  أن المقترحات السعودية  التي تربط السلام والتطبيع مع الكيان الصهيوني بالانسحاب الشامل من الأراضي العربية المحتلة، لا تكفي بحد ذاتها لاستئناف المفاوضات، أو التوصل إلى اتفاق شامل، مضيفاً: إذا لم ينحسر "العنف" إلى مستوى يسمح للكيان الصهيوني بمواصلة التحاور، فإن جميع هذه الأفكار قد تتبخر، مطالباً بتخفيف "العنف" واستمرار الضغط على عرفات من أجل دفعه لبذل كل ما في وسعه، لأن العودة إلى العملية السياسية – حسب قول باول – تبدأ من خلال بذل عرفات كل ما في قدرته، بنسبة مائة في المائة لوقف "العنف" .

وفي هذا السياق إشارة واضحة إلى تأييد الموقف الصهيوني المطالب بوقف المقاومة، ثم التفاوض دون إبداء أي التزام.

التعويل على المقاومة فقط:

ومن هنا،  فإن ضعف وتشتت الموقف العربي وعدم اتفاقه على موقف سياسي موحد ليس هو السلبية الوحيدة، وإنما أيضاً لجوء الطرف العربي إلى تفعيل الجهود السياسية الهادفة إلى إعادة الروح إلى عملية التسوية وبسقف أقل بكثير من سقف المبادرة السعودية التي يخشى أن تكون مجرد قرار يستثمر من بعض الدول العربية والسلطة الفلسطينية للتفاوض على حل سياسي يقل عن سقف مفاوضات كامب ديفيد 2 التي سبقت انتفاضة الأقصى.

إن التحرك الرسمي العربي لم يتساوق مع مطالب الشعب الفلسطيني ولم يوفر الغطاء والدعم اللازم للمقاومة المتصاعدة التي أضحت خياراً فلسطينياً لا بديل عنه.

وإذا كان مكان انعقاد القمة في بيروت التي عاشت أفراح التحرير من الاحتلال يشكل عامل للتفاؤل، فإن عوامل التشاؤم بالقرارات التي يمكن أن تصدر عن هذه القمة لا تزال قائمة، لا سيما وأنها ستكون ثمرة توازنات لمواقف متباينة وسقوف مرتفعة وأخرى منخفضة.

إلا أن التعويل الحقيقي هو أولاً على الشعب الفلسطيني الذي لم يعد يكترث كثيراً بقرارات القمم العربية، وثانياً على الشعوب العربية والإسلامية التي يمكن تشكل الرافعة الحقيقية للمواقف الرسمية العربية.

ويبقى استمرار المقاومة وتصعيدها، وفشل المبادرات السياسية في حل الصراع هو الخيار الأرجح خصوصاً وأن الحلول السياسية باتت تتحطم على صخرة ا لتشدد الصهيوني الذي لا يمثل شارون سوى أحد عناوينه العريضة والذي لا يمكن أن يكسر إلا من خلال المقاومة ... والمقاومة فقط.