|
استمرار
الانتفاضة والمقاومة في مواجهة
حكومة الوحدة
3
/3 / 2001
إذا
كان من الجائز القول ان الفوز الكاسح
الذي حققه آرييل شارون على منافسه
إيهود باراك شكل ما يشبه الاستفتاء
الصهيوني على عملية التسوية وعلى
الأخص قضايا الحل النهائي ، الا ان
تشكيل حكومة وحدة وطنية صهيونية على
أساس برنامج شارون مع نسف التفاهمات
التي تم التوصل لها في مفاوضات كامب
ديفيد - 2 وطابا هو بمثابة اطلاق
رصاصة الرحمة على عملية التسوية
والتلويح ببرنامج حرب على
الفلسطينيين والعرب . وهذا البرنامج
لا يمكن مواجهته والتصدي له الا من
خلال تصعيد الانتفاضة والمقاومة
بكافة أشكالها لدحر الاحتلال عن
الأراضي الفلسطينية المحتلة ...
شارون
وحكومة الوحدة .. دلالات
وتوجهات
لم
يكن انتخاب الجنرال السفاح شارون
بفارق 25 نقطة عن الجنرال الأخر
السفاح باراك مجرد حجب ثقة عن هذا
الأخير كما حاول البعض ان يوحي ، بل
ان اكتساح شارون هو نتيجة توجهات
الشارع الصهيوني الآخذة في التشدد
والتطرف والتي يستطيع ان يعبر عنها
هذا الرجل بشكل أوضح من غيره . فقد
حصل جزار صبرا وشاتيلا وقائد عصابات
الارهاب الصهيوني على تفويض كبير من
الشارع الصهيوني لم يحلم به الكثير
من الزعماء الصهاينة لقيادة الدولة
العبرية لمحاولة سحق الانتفاضة
وقمعها بعد ان فشل سلفه باراك في
تنفيذ هذه المهمة ، وبمنى آخر فإن
الشارع الصهيوني الذي أرعبته
الانتفاضة والمقاومة يريد استرجاع
أمنه المفقود على الصعيدين الشخصي
والجماعي خصوصاً وان انتفاضة الأقصى
أوقعت العشرات من القتلى الصهاينة
والمئات من الجرحى فضلاً عن الألوف
المؤلفة الذين يراجعون في المصحات
النفسية بعد ان استعاد الشارع
الصهيوني صورة التفجيرات والسيارات
المفخخة في تل أبيب والقدس والخضيرة
.
ولا
شك ان الرسالة الأخرى التي عبر عنها
انتخاب شارون هي ان موقف الصهاينة من
عملية التسوية هو رفض كافة
الاستحقاقات في موضوعي القدس
واللاجئين والتي تم التطرق لها في
مفاوضات كامب ديفيد-2 وطابا والتي
كانت المدخل لسقوط حكومة باراك في
الكنيست وسقوط باراك فيما بعد في
انتخابات رئاسة الحكومة . ويمكن
بالتالي اعتبار نتيجة الانتخابات
بمثابة استفتاء صهيوني على النتيجة
التي توصلت لها المفاوضات النهائية
واطلاق لرصاصة الرحمة على اتفاق
أوسلو الذي ظل يترنح في السنوات
الماضية ودخل في مرحلة الموت
السريري في الانتفاضة الأخيرة .
واذا
كانت الانتفاضة قد دقت ناقوس الخطر
في الكيان الصهيوني ، فان
الانتخابات اطلقت فيه مكنونات
التشدد والرغبة في الهيمنة على
الشعب الفلسطيني ، اما تشكيل حكومة
وحدة وطنية بموافقة الحزبين
الكبيرين وبمشاركة أغلب الأحزاب
الصهيونية ان لم يكن كلها فيعتبر
بمثابة استجماع كل عناصر القوة في
المجتمع الصهيوني في مواجهة شعب
أعزل لا يملك الا إيمانه الصلب بنصر
الله له وبعدالة قضيتة ورسوخ حقه
وقوة عزيمته وتمتعه بدعم أمته
العربية والاسلامية .
وجاءت
موافقة حزب العمل على المشاركة في
حكومة وحدة وطنية مع الليكود
كاستجابة لتطلعات ورغبات الشارع
اليهودي ، ولكنها حققت كذلك مصالح
وتطلعات الحزب الذي بدأ يعاني من
التصدع الداخلي والتراجع في برنامجه
السياسي القائم على تحقيق تسوية مع
الطرف الفلسطيني تحقق معادلة الأمن
الصهيوني . اذ يسعى حزب العمل من خلال
المشاركة مع الليكود في الحكومة ومن
خلال برنامج سياسي متشدد ان يقدم
نفسه بصورة أفضل أمام الشارع
الصهيوني . وربما كانت هذه المشاركة
أيضاً استجابة لرغبة اللوبي اليهودي
في الولايات المتحدة الأميركية
ولتوجهات الادارة الأميركية التي لا
تريد ان يستفرد شارون بالحكم ويجر
المنطقة الى حالة من عدم الاستقرار .
أما
بالنسبة لشارون فإن تحالفه مع العمل
سيؤمن لحكومته الاستمرار والصمود
بشكل أكبر من تحالفه مع الأحزاب
الدينية واليمينية ، كما سيقدمه
بصورة أفضل أمام الفلسطينيين والعرب
والعالم .
أما
برنامج حكومة الوحدة الوطنية فإنه
يرتكز الى :
*
استمرار عملية التسوية والالتزام
بالاتفاقات الموقعة .
*
التوصل الى اتفاقات مرحلية مع
الفلسطينيين على التوصل الى الاتفاق
الدائم .
*
إجراء تغييرات على اعادة الانتشار
في الضفة وغزة .
*
عدم إقامة مستوطنات جديدة الا
بموافقة الطرفين في الائتلاف .
ويلاحظ
ان هذا البرنامج يحقق مطالب شارون
الذي اعلن انه لن يلتزم الا
بالاتفاقات الموقعة معتبراً
التفاهمات التي تم التوصل اليها في
كامب ديفيد-2 وطابا غير ملزمة حيث حظي
بدعم من الادارة الأميركية الجديدة
على هذا الموقف ، كما انه يتجاوز
التشديد على التوصل لاتفاق دائم
بأسرع وقت كما كان يسعى باراك ، بل
يترك ذلك الى ما يمكن تحقيقه على
صعيد الاتفاقات المرحلية الأمر الذي
يعني إطالة أمد المفاوضات الى سنوات
طويلة وتغيير في التفاهمات التي تم
التوصل اليها بخصوص القدس واللاجئين
وكذلك تقليص مساحة اعادة الانتشار
الثالثة في المرحلة الانتقالية الى
أقل حد ممكن . أما بالنسبة لموضوع
المستوطنات فإن البرنامج لم ينص على
منع تسمينها وتوسيعها وهذا يكفي
بالنسبة لشارون الذي كان صاحب فكرة
المستوطنات ( السياسية ) التي حث على
زرعها في كل مكان في الأرض
الفلسطينية !
حكومة
شارون .. والانتفاضة
أما
الموضوع الأهم في برنامج الحكومة
فهو المتعلق بمواجهة الانتفاضة
فيبدو ان هناك اتفاق عام على
الاستمرار في معالجتها أمنياً من
استخدام الحد الأقصى من القوة ضد
المنتفضين وملاحقة العناصر
الفلسطينية النشطة في المقاومة . الا
ان شارون يسعى الى توسيع دائرة
التصفيات لتشمل مسئولين كبار في
السلطة الفلسطينية اذا ثبت لدى
الصهاينة تورطهم في تشجيع او اعداد
عمليات مقاومة وكذلك المس بالمصالح
الشخصية والاقتصادية لقيادات
السلطة الفلسطينية بهدف الضغط عليها
لإعادة التنسيق الأمني الى مستواه
السابق وممارسة نفذها لتهدئة
الانتفاضة . وقد بدأ شارون بتطبيق
برنامجه السابق من خلال تشديد
الحصار الاقتصادي على مناطق السلطة
الفلسطينية ،كما اعلن قائد أركان
الجيش الصهيوني (شاؤول موفاز) ان
السلطة الفلسطينية بدأت تتحول الى
كيان ارهابي حيث حظي هذا الاعلان
بدعم شارون في محاولة لتهيئة
الأجواء لتوجيه ضربات انتقائية ضد
بعض شخصيات السطة الفلسطينية أو
ربما احتلال بعض مناطق السلطة
لفترات معينة لتنفيذ عمليات ارهابية
فيها. على الرغم من تحفظ بيريز ( وزير
الخارجية في الحكومة القادمة) على
تصريح موفاز فان شاون يبدو مصمماً
على تشديد قبضته الأمنية على
الانتفاضة وتحويل وزير الدفاع الذي
انتخبه حزب العمل لتمثيله في
الحكومة ( بنيامين بن أليعازر) الى
أداة بيده لقمع الانتفاضة خصوصاً
وأن ( أليعازر) يعتبر من التيار
اليميني في حزب العمل والقريب في
أفكاره من شارون .
وعلى
الرغم من التهديدات المتكررة لشارون
بسحق الانتفاضة فلا يبدو انه يملك
حلولاً(ارهابية ) سحرية لوقفها ، كما
انه لن يكون أكثر دموية من سلفه
باراك الذي فشل في وقف الانتفاضة
والمقاومة . هذا فضلاً عن ان تشديد
القبضة الأمنية والتوسع في فرض
الحصار الاقتصادي على الشعب
الفلسطيني قد يعرض السلطة
الفلسطينية لخطر الانهيار سياسياً
واقتصادياً وهو ما لا تريده أي حكومة
صهيونية لأن البديل عن ذلك هو مواجهة
القوى الفلسطينية مجتمعة بدون أي
التزامات أو ضوابط والعودة لتحمل
ثمن الاحتلال المباشر وهو أعلى
بكثير من الثمن الحالي الذي نشأ بعد
اتفاقات اوسلو . ولذلك لا يتوقع ان
يلجأ شارون الى احتلال مناطق الحكم
الذاتي بل الى حصر السلطة
الفلسطينية فيها وعدم توسيع رقعة
سيطرتها على المزيد من المناطق حتى
في إطار الاتفاقات المرحلية ، كما
انه لن يستغني عن المفاوضات
السياسية التي سيحاول من خلالها جر
السلطة الفلسطينية للعودة للتنسيق
الأمني تحت حجة الحصول على مكاسب
سياسية واقتصادية .
الموقف
الفلسطيني والعربي المطلوب
واذا
كان انتخاب شارون وتشكيل حكومة وحدة
وطنية هو الرد الصهيوني من عملية
التسوية وعلى الانتفاضة فأن الموقف
الفلسطيني ينبغي ان يستند الى وقف كل
أشكال المفاوضات مع العدو الذي ثبت
انه لا يفهم الا لغة القوة ولا
يتنازل الا تحت تهديد السلاح وفي ظل
دخان البنادق ، وبعد ان فشلت عملية
التسوية السياسية في استعادة حقوق
الشعب الفلسطيني وفي اقناع الشارع
الصهيوني بضرورة التجاوب مع الحد
الأدنى من التطلعات الفلسطينية .
ولا
بد من تصعيد الانتفاضة وتطوير وسائل
المقاومة للاحتلال لتأكيد إصرار
الشعب الفلسطيني على التمسك بحقوقه
في كل الظروف وان البطش والارهاب
الصهيوني لن يفت في عزيمة الشعب
الفلسطيني او يقلل من اصراره على
دحر الاحتلال عن أرضه . والمطلوب هو
برنامج وطني فلسطيني للمواجهة مع
الاحتلال لا يقف عند تنسيق وتنظيم
الفعاليات الانتفاضية وانما يشمل
البرنامج السياسي للمواجهة على
قاعدة برنامج المقاومة .
لقد
اثبت الشعب الفلسطيني انه قادر على
الصمود والتضحية مهما طال زمن
المواجهة وعظمت التضحيات واستطاع
بذلك ان ينال تأييد العالم العربي
والاسلامي وان يجعل العدو يحسب له
حساباً كبيراً ، ويبقى ان تكون
القيادة الفلسطينية بمستوى ارادة
هذا الشعب وان تتخلى عن برنامج أوسلو
وان تضع مصلحة شعبها فوق مصالحها
الشخصية وان تقود برنامج الوحدة
الوطنية بما يحقق تطلعات الشعب
الفلسطيني ويؤسس لحالة تفاعل عربية
واسلامية حقيقية مع الانتفاضة
والمقاومة بما يؤدي الى تحسين
الموقف العربي الرسمي ودفعه نحو
تبني برنامج المقاومة ودعمه بكل
الامكانات المتاحة .
واذا
كان شارون لا يريد ان يتطور النزاع
في المنطقة الى حرب مع الدول العربية
لأن المعادلات الدولية لا تسمح بذلك
ولأن هذا السيناريو لا يخدم الكيان
اليهودي الذي يسعى الى الاندماج في
محيطه وليس الانعزال أكثر ، فان
موقف الدول العربية لا يختلف عن ذلك
لحسابات خارجية وداخلية . الا ان
امكانية تطور الأمور بشكل غير محسوب
الى حرب او اشتباكات محدودة بين جيش
العدو وسوريا والعراق وربما إيران
تظل واردة وقائمة ، الأمر الذي
يستدعي ضرورة الاستعداد عربياً لهذا
السيناريو وعدم الرضوخ لحاسة الخوف
من هذا التطور ودعم برنامج الشعب
الفلسطيني في المقاومة واعتبار هذا
البرنامج خط الدفاع المتقدم عن
الأمة العربية وبرنامج استنزاف
متواصل للعدو .
|