الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة

هل انكشفت حقيقة السلام الذي بشر به باراك ؟!

1/3/2000م

شكلت الأسابيع الخمسة الماضية كوابيس مزعجة للأطراف المنخرطة في عملية التسوية بعد أن بدا أن العملية برمتها أصبحت فجأة في جو أزمة حادة . فلأسباب مختلفة لم تعمل لعبة المسارات التي اتبعها رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود باراك كما يجب ، فأسفرت عن توقف المفاوضات على الصعيدين السوري واللبناني في وقت متزامن تقريباً . وربما يرى البعض أن تعطل عملية التسوية هي مرحلة عابرة ترجع إلى سوء إدارة باراك للعملية التفاوضية ، ولكن البعض الآخر يذهب إلى أبعد من ذلك ليؤكد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تختلف عن سابقتها كثيراً، إن عملية التسوية قد يعتريها بعض الجمود والخلل كالذي أصابها في عهد نتنياهو وربما أكثر من ذلك.

إلا أن النظرة الفاحصة لحقيقة ما جرى على صعيد العملية التفاوضية ترجح أن الأزمة الحالية لم تكن بلا مقدمات ، وأن عامل الوقت كان مهماً في وضوح توجهات باراك على أرض الواقع بعد أن أعلن توجهاته السياسية نظرياً . فقد اتضح أن مواقف باراك المتشددة لم تكن مجرد وعود انتخابية أو شعارات عاطفية تهدف إلى كسب أكبر قطاع ممكن من الإسرائيليين .

 

تبخر وعود باراك

جاءت المعلومات عن الاستيطان لتؤكد أن حكومة باراك حاولت تحت غطاء السلام تنفيذ ما عجزت عنه حكومة نتنياهو المتطرفة، فحسب إحصاءات رسمية أعلنتها وزارة الإسكان الإسرائيلية ونشرت في الصحف الإسرائيلية في 21/2/2000 فقد تم في فترة حكم باراك من العام 1999 البدء ببناء 7120 وحدة سكنية في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة ، مقابل 5400 وحدة في العام 1998 (فترة حكم نتنياهو). كما نشر وزير الإسكان إسحق ليفي عطاءات لبناء 3196 وحدة سكنية من بينها 2500 وحدة في القدس معلناً أن خطة وزارته الاستراتيجية تقضي ببناء 50 ألف وحدة سكنية في الدولة العبرية بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة.

وتشير إحصاءات نشرتها حركة السلام الآن الإسرائيلية إلى تزايد كبير في عدد المستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية، حيث وصل عددهم إلى ما يقارب ال200 ألف مستوطن، بزيادة لا تقل 35% عن عددهم في بدايات عملية التسوية .

وبرغم أن باراك ادعى بأنه أوعز بتجميد تنفيذ مشاريع استيطان جديدة قدرت بعض المصادر الإسرائيلية عددها بحوالي ألف مسكن ، إلا أن نفس هذه المصادر أشارت إلى أن وزارة الإسكان الإسرائيلية أصدرت عطاءات لبناء 1100 وحدة سكنية تم تسويقها قبل صدور قرار التجميد ، فضلا ً عن أن التجميد لم يشمل إلا نسبة قليلة من مشاريع الاستيطان . أما مشروعي الاستيطان في أبو غنيم ورأس العامود فقد استمر العمل فيهما على قدم وساق في عهد باراك !

في مقابل هذه الهجمة الشرسة من الاستيطان المنظم لم تتقدم عملية التسوية إلا خطوات قليلة متثاقلة إلى الأمام، حيث تمت إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي في 12 % فقط من مساحة الضفة ( 2 % منها فقط نقلت للسيطرة الفلسطينية الأمنية والسياسية)، أما نبضة الانتشار الثالثة وهي الأهم حسب نوعية الصلاحيات التي ستنقل للسلطة الفلسطينية لأنها تتضمن (حسب اتفاق شرم الشيخ ) نقل 6,1 % من منطقة (ب) إلى (أ) فلم تتم حتى الآن .والإفراج عن عدد قليل من المعتقلين بينهم عدد من المجرمين وأصحاب السوابق، فتح ما أطلق عليه الممر الآمن الجنوبي مع إعطاء جيش الاحتلال صلاحيات اعتراض واعتقال من تشتبه به فضلاً عن تحديد رخص المرور على الشارع وجعلها بيد الإسرائيليين، مع تأجيل الاتفاق على مكان وتفاصيل الممر الآمن الجنوبي إلى مفاوضات لاحقة لم تنته حتى الآن .

ولذلك جاء وصف ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية للمفاوضات بأنها عبثية، ويؤكد المسؤولون الفلسطينيين الآخرون أن باراك يريد استمرار المفاوضات لمجرد إعطاء الانطباع بأن عملية التسوية على المسار الفلسطيني تتقدم فيما هي في حقيقة الأمر مجمدة !

وتشير تعليقات الصحافة الإسرائيلية وبعض محلليها إلى صحة ما ذهبنا إليه من تردد باراك وانتهازيته في السير نحو السلام بالفعل، حيث يقول أوري أفنيري: " يحتمل جداً أنه ليس من النزاهة الحكم على أيهود باراك بعد ثمانية أشهر ، فقد تبقى له قرابة أربع سنوات أخرى ، ولعله سيحدث المعجزات والعجائب .. يحتمل .. ولكن يحتمل أن تكون الأشهر الثمانية كافية لأن نعرف جودته ، فكل الشيكات التي وقعها عشية تسلمه زمام الحكم أعادها البنك لعدم توفر التغطية . في المسار الفلسطيني لم تتقدم الأمور ولو ميليمتر واحد . وتكتيك باراك يتراوح بين التجاهل التام والمحاولة العابثة لفرض الأمور . كل المواعيد جاءت ومرت ، والإنجاز الوحيد المتمثل بفتح أحد الممرين الآمنين بتأخير خمس سنوات ، ظهر كذر للرماد في العيون ، فتوسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي مستمران بوتيرة تفوق أفعال نتنياهو ".( معا ريف 22/2/2000 ).

أما أمونه ألون فتقول: " ثمة الكثير من الحاقدين على بنيامين نتنياهو لا يستطيعون اليوم تذكر لماذا أرادوا استبداله بـ أيهود باراك . منذ أن انتخب رئيساً للحكومة وخيبة الأمل من باراك تمتد وسط الحاقدين على سلفه ، كفقاعات الهواء في روضة أطفال ... إذا كان خائبو الأمل استطاعوا مواصلة التمسك بأمل وجود فرق بين مواقف نتنياهو السياسية ومواقف باراك ، فإن هذا الأمل تبدد الآن . يواصل باراك السير على نهج نتنياهو ، وبصورة أفضل من سلفه ، ولعل أسطع دليل على ذلك هو النبأ الذي صدر أمس حول العودة إلى شق شوارع التفافية جديدة في الضفة الغربية " (يديعوت أحر نوت 23/2/2000 ).

ويؤكد باروخ قرا يمينية حكومة باراك بقوله: " صعود باراك إلى السلطة أعاد جبل أبو غنيم إلى الظلام اللطيف ... وبدلاً من كاميرات التلفزيون ومكبرات الصوت والتصريحات الصاخبة التي كان نتنياهو يطلقها جاءت الجرافات والآليات . خمس شركات حصلت حتى الآن على رخصة بناء0 وإذا أخذنا بعين الاعتبار وضع العقارات المتردي والسحابة السياسية التي تخيم فوق أرض أبو غنيم فإن هذا المشروع يعتبر حكاية نجاح . البناء في ذروته والمبيعات مزدهرة : 1600 وحدة سوقت حتى الآن ( في المرحلة( أ ) من المشروع ) من أصل 6500 في نهاية المشروع، المقاولون والسماسرة الذين خافوا جداً قبل الانتخابات يبتسمون الآن من الأذن للأذن .

هناك شك أن يتذكر أحد ما بعد سنوات أن جبل أبوغنيم كان رمز كفاح منظمات اليسار ضد حكومة نتنياهو، ومن المشكوك فيه أن يتذكر أحد أن من بادر إلى هذا المشروع وبناه عملياً وفعلياً هو حكومتا العمل قبل نتنياهو وبعده "(هآرتس 6/2/2000) .

 

تعطل تكتيك اللعب على المسارات

لقد أعطى باراك الأولوية للمسار السوري منذ بداية انتخابه، وحدد موعد تموز (يوليو) 2000 موعداً لانسحاب قواته من جنوب لبنان المحتل بسبب الخسائر العسكرية المتواصلة التي تتعرض لها هذه القوات هناك.ووضعت الحكومة الإسرائيلية أفضلية للانسحاب باتفاق سياسي يتم مع كل من سوريا ولبنان وإن كانت لم تستبعد منذ البداية الانسحاب من جانب واحد. وقد ساهمت الأجواء المتفائلة إزاء عملية السلام التي سادت المنطقة بعد انتخاب باراك في استئناف المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، لكنها ما لبثت أن تعطلت بعد جولتين من المفاوضات بسبب الإصرار الإسرائيلي على قلب أجندة التفاوض بالبدء بالترتيبات الأمنية والتطبيع قبل إعطاء الموافقة على الانسحاب الكامل من الجولان، وهو الذي دفع الرئيس السوري إلى الإيعاز بوقف المفاوضات بعد عودة وفده من الولايات المتحدة الأميركية، حيث تبين له أن الإسرائيليين يماطلون في تقديم استحقاق التعهد بالانسحاب من الجولان حسب الرواية السورية. ويبدو أن باراك لم يستطع حتى الآن إيجاد أغلبية في ائتلافه الحكومي لتأييد الانسحاب من الجولان ، وهو ما أصبح واضحاً بعد التصويت في الكنيست في القراءة الأولى لصالح اقتراح تقدم به حزب الليكود المعارض وحظي بدعم أحزاب شاس والمفدال وإسرائيل بعليا (شركاء حزب العمل في الائتلاف الحكومي) ينص على ضرورة حصول قانون الاستفتاء حول الجولان على أكثر من 50 % من المسجلين في القوائم الانتخابية (وليس من عدد المقترعين) الأمر الذي يعني عملياً وإضعاف دور صوت فلسطينيي ال48 الذي سيصب بطبيعة الحال لصالح تأييد الانسحاب ، كما أن نجاح هذا الاستفتاء يصبح مرهوناً بموافقة حوالي ثلثي المقترعين إذا أخذنا بعين الاعتبار أعلى نسبة اقتراع وصلت إليها الانتخابات عامة في الدولة العبرية وهي 84% من المسجلين في القوائم الانتخابية .

وبرغم أن باراك لم يكن معنياً بتوقف المفاوضات مرة واحدة على جميع الأصعدة ، إلا أن موقفه المتشدد هو الذي دفع الطرفين السوري والفلسطيني لتجميد المفاوضات وهو ما تسبب بإفشال خطته في لعبة المسارات (ولو مؤقتاً)، والتي ركزت على تأجيل الحل على الصعيد الفلسطيني وتسر يعه على المسارين اللبناني والسوري. وقد زادت الاعتداءات الإسرائيلية على محطات الطاقة في لبنان بعد سلسلة من العمليات البطولية للمقاومة الإسلامية اللبنانية على مواقع الاحتلال وجيش لبنان الجنوبي التابع لإسرائيل، والتصريحات "النازية" التي أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي ديفيد ليفي في تأجيج جذوة الغضب العربي ضد الكيان الصهيوني، وتعقيد أجواء المفاوضات السياسية التي كانت قد انعقدت عليها آمال كثيرة لدى معسكر التسوية قبل أشهر قليلة.

 

صحوة عربية .. ولكن

لقد حققت سياسة باراك وحكومته على أرض الواقع ما كان حذر منه ونبه له كل الذين فهموا حقيقة هذه الحكومة وتركيبتها وتصريحاتها التي أطلقتها منذ بداية تسلمها الحكم في الكيان الصهيوني . واتضح أن الآمال التي علقت على باراك باستعادة عملية التسوية و"تصحيح" مسارها باتجاه تنفيذ الاتفاقات المؤجلة، والتوصل لمعاهدات سلام مع الدول العربية المعنية تضمن استعادة الأراضي العربية المحتلة والموافقة على دولة فلسطينية مستقلة ، كانت آمالاً غير واقعية وربما متسرعة.

إن باراك الذي حاول الظهور بصورة صانع السلام في بداية فوزه وأطلق الوعود الكثيرة بدفع عملية التسوية إلى الأمام اختلف في طريقة عمله عن سلفيه رابين وبيريز، كما تميز عن الزعيم الليكودي بنيامين نتنياهو، فهو لا يعوّل كثيراً على اندماج الدولة العبرية في محيطها العربي في ظل اتفاقات التسوية، بل يراهن على إرضاء الإدارة الأميركية وتعزيز التحالف الاستراتيجي معها. وقد نجح في تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية التي أبدت إدارتها دعماً قوياً لمواقفه السياسية في المحافل الدولية ، إلا أن فشله في تقديم الاستحقاق اللازم لعملية التسوية وخصوصاً على الصعيد السوري حتى الآن أضعف آمال الإدارة الأمريكية بزعامة كلينتون في الاستفادة من توقيع معاهدة سلام سورية - إسرائيلية لتعزيز موقفها في الانتخابات الأميركية المقرر إجراؤها هذا العام ، وهو ما يدفع الإدارة الأميركية لبذل جهود إضافية في سبيل إعادة المفاوضات السورية الإسرائيلية إلى مسارها الذي انطلق في تشرين ثاني/نوفمبر 1999 خلال الأسابيع القليلة المتبقية التي تستطيع الإدارة الأميركية العمل فيها قبل أن تضعف فاعليتها بسبب الانشغال الكبير بملاحقة الانتخابات .

أما على الصعيد الفلسطيني الذي يأتي في المرتبة التالية من اهتمامات باراك التفاوضية فلا يبدو أن هناك نية للالتزام بتنفيذ بنود اتفاق شرم الشيخ (وآي ريفر-2) بعد أن تم تجاوز كل مواعيد إعادة الانتشار المقررة فيه وفق رغبة الحكومة الإسرائيلية، وفي ظل إصرارها على الاحتفاظ بحق تحديد أماكن إعادة الانتشار دون التشاور مع السلطة الفلسطينية، والرغبة في استمرار ابتزاز الموقف الفلسطيني للقبول بالتصورات الإسرائيلية للحل النهائي من خلال استمرار إعطاء الأولوية للمسار السوري والإيحاء للفلسطينيين أن اللحاق بمسيرة التسوية وعدم خسارة موقعهم فيها يتطلب منهم تقديم تنازلات إضافية للدولة العبرية.

وإزاء هذه المعطيات شكل إعلان المجلس المركزي الأخير عن حتمية قيام الدولة الفلسطينية قبل نهاية العام 2000 محاولة جديدة من عرفات لدفع الإسرائيليين إلى الإسراع في تنفيذ ما تبقى من الاتفاقات الانتقالية والتوصل لإطار الحل النهائي الذي يتضمن قيام الدولة ، هذا بالإضافة إلى ما كشفته مصادر صحفية إسرائيلية من أن عرفات قدم خلال زيارته لواشنطن في شباط/فبراير2000 وثيقة محددة حول الرؤية الفلسطينية للحل النهائي،إلى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في محاولة للضغط على الموقف الأمريكي والإسرائيلي على المسار التفاوضي الفلسطيني-الإسرائيلي لصالح التصورات الفلسطينية.

من الواضح وفق التحليل السابق أن باراك لم يستطيع التقدم بنفس الوتيرة على صعيد مسارات التفاوض الثلاثة، كما أنه لم يستطيع الحصول على دعم الشارع الإسرائيلي لتوقيع اتفاقيات سلام بشكل متزامن مع كل من سوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية، الأمر الذي يتسبب بدخول عملية التسوية في أزمات مستقبلية عديدة ومتنوعة وعلى المسارات الثلاثة.

إن النتيجة النهائية المرجوة من المفاوضات في ظل فهم جوهر الموقف الإسرائيلي لم تتغير كثيراً بتغير الحكومة الإسرائيلية ، والهادفة إلى إنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي بأقل ثمن ممكن ضمن إطار السيطرة سياسياً واقتصادياً وأمنياً على معظم المناطق الفلسطينية المحتلة، مع ضمان استمرار تفوق الدولة العبرية على محيطها العربي من الناحية العسكرية، وضمان تعزيز التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية في ظل استمرار تشتت وتشرذم الموقف العربي والإسلامي الرسمي. فهل تشكل هذه الحقيقة في ظل ردود الفعل الشعبية العربية الغاضبة على تهديدات حكومة باراك للبنان مدخلاً لصحوة عربية جديدة تؤدي إلى وقف الانهيار التام في الموقف العربي وفرملة عملية التطبيع مع العدو الصهيوني؟ وهل تشهد الفترة المقبلة محاولات للملمة الصف العربي من جديد واتخاذ مواقف متماسكة أمام تصلب وتشدد حكومة باراك ؟ أم أن ردود الفعل العربية الرسمية لن تلبث أن تهدأ أمام وعود وإغراءات وربما تهديدات أميركية وإسرائيلية لتعطي فرصة جديدة للجانب الإسرائيلي لإعادة سيطرته على قواعد اللعبة التفاوضية والتحكم بنتائجها غير المرضية عربياً ؟!