مقترح
لبنان أولاً ..
محاولة
صهيونية لاستباق استحقاقات أوسلو
7
مارس 1998
لا
شك أن هناك رابطاً يربط بين انقشاع
غيوم العدوان الذي بيّتته واشنطن في
الآونة الأخيرة وأعدت له العدة
والعتاد كاملاً ضد العراق من ناحية،
وبين التصريحات الإسرائيلية
المتزامنة مع ذلك بشأن استعداد تل
أبيب للانسحاب من جنوب لبنان بشروط .
ففي
ضوء انفلاش عرض العضلات والجبروت
الأمريكي بصورة أرضت الأمريكان،
ولكنها أزاحت بشكل أو آخر أصابعهم عن
الزناد الموجه ضد الزناد، كان من
المتوقع أن تبدأ الإدارة الأمريكية
باتخاذ خطوات باتجاه تعويض فشلها في
العراق بالتركيز على ملفات أخرى،
وكان من الواضح أن الملف المرشح لذلك
في ظل تزايد الانتقادات لعجز
الإدارة الأمريكية عن تطبيق
القرارات الدولية المتعلقة بالكيان
الصهيوني، هو ملف عملية التسوية
وعلى الأخص ملف اتفاق أوسلو الذي لم
يشهد أي إنجاز منذ اكثر من عام بسبب
تشدد وتصلب حكومة نتنياهو. ومن هذه
الخلفية نستطيع فهم لجوء حكومة
نتنياهو إلى طرح اقتراح لبنان أولاً
مجدداً، ولذلك في محاولة – على ما
يبدو – لاستباق التحرك الأمريكي على
صعيد تنفيذ استحقاقات اتفاق أوسلو،
وذلك عبر التركيز على الملف
اللبناني. ولا شك أن الخسائر الفادحة
التي تعرض لها جيش الاحتلال
الإسرائيلي في جنوب لبنان إثر
الضربات المؤثرة والموجعة
والمتلاحقة للمقاومة اللبنانية،
كان لها أثر مهم في تسريع طرح اقتراح
لبنان أولاً والذي اختلف عن
الاقتراح السابق بأنه لم يضع تطبيع
العلاقات بين لبنان والدولة العبرية
كشرط للانسحاب الإسرائيلي .
ولكن
يتبقى السؤال، لماذا لبنان ؟!
من
حيث الجدية، فمن الخطأ بمكان
المسارعة إلى تقييم مقترحات أو
تصريحات نتنياهو ومردخاي ولوبراني،
حول الانسحاب من جنوب لبنان شريطة
قيام هذا الأخيرة، بتنفيذ جملة من
الشروط الأمنية الإسرائيلية،
والترتيبات المشتركة بين الجانبين
بهذا الخصوص، ودون اشتراط
الإسرائيليين إلى ارتباط الانسحاب،
بالتطبيع بين بيروت وتل أبيب، من
زاوية كونها اقتراحات جدية، لأن
رصيد الحكومة الإسرائيلية الحالية
وسابقاتها إزاء طروحات التسوية على
الجبهة اللبنانية، كان سلوكاً
مراوغاً ومناوراً أو إعلامياً في
جميع الحالات المشابهة السابقة.
لجأت إليه تل أبيب غالباً، بمعرض
توجيه رسائل من أجل الضغط على دمشق
عبر التلويح بورقة فصل المسارين
السوري واللبناني. بإنجاز تسوية ولو
من جانب واحد على الجبهة اللبنانية
الإسرائيلية، وأحياناً من أجل الضغط
على السلطة الفلسطينية، عبر الغزل
الإسرائيلي على منول لبنان أولاً. أي
المزيد من تأجيل المسار الفلسطيني
واستكمال التسوية على هذا المسار،
وتارة ثالثة لجأ الإسرائيليون إلى
الحديث عن الانسحاب من جنوب لبنان
تحت وطأة الضريبة الباهظة التي
يدفعها الجيش والجمهور الإسرائيلي
على حد سواء جراء الإبقاء على احتلال
الجنوب اللبناني، كما حدث في أعقاب
هزيمة الأنصارية الساحقة لصالح حزب
الله في تموز (يوليو) الماضي .
ودواعي
عودة الإسرائيليين لفتح الملف
اللبناني هذه المرة، تكاد لا تختلف
عن دوافع فتحه في مرات سابقة، يضاف
إلى ذلك هذه المرة هدوء العاصفة
الأمريكية ضد العراق، وفضيحة
الموساد الجديدة في سويسرا .
إن
توجيه بوصلة بالون الاختبار
الإسرائيلي باتجاه لبنان قد يغو
مفهوماً بعض الشيء، خصوصاً أن الملف
الفلسطيني لا زال عالقاً، ويراوح في
مكانه، بانتظار أن يعود الأمريكان
لتحريكه وليس الإسرائيليين. هذا
بالإضافة إلى أن طروحات نتنياهو حول
الانسحاب من جنوب لبنان، لن تكلفه
شيئاً. فالعرض الإسرائيلي بتحقيق
تسوية في لبنان أولاً، وتطبيق
القرار 425 القاضي بانسحاب إسرائيلي
كامل من جنوب لبنان الذي احتلته
الدولة العبرية، يعد مسألة في حسبان
ووارد الإسرائيليين منذ أمد طويل،
فضلاً أن نتنياهو يعلم تماماً أن
خيار لبنان أولاً لا يروق للسوريين
على الإطلاق، مما يجعله في نهاية
المطاف عرضاً مرفوضاً من الجانبين
السوري واللبناني على حد سواء .
وهكذا،
فإن نتنياهو باقتراحه الجديد يعتبر
نفسه رابحاً في جميع الأحوال،
فاستناداً إلى أن هذا الاقتراح
يتجاوب مع مطالب الشعب اليهودي الذي
بات في شبه إجماع على رفض دفع الثمن
الغالي لاستمرار احتلال لبنان،
نستطيع القول أن نجاح هذا الاقتراح
سيحقق لنتنياهو نجاحاً شعبياً مهماً
في ظل سلسلة الإخفاقات على
المستويات التنظيمية والأمنية،
وسيعزز من موقعه في الشارع
الإسرائيلي، حيث سيبدو بمثابة
المخلص للشعب الإسرائيلي من مصيدة
لبنان، كما أن هذا الاقتراح لا يلقى
على الأرجح أي معارضة من اليمين
المتطرف الأمر الذي يعزز حصول إجماع
عليه في الشارع السياسي الإسرائيلي.
وفي حالة عدم نجاح الاقتراح، بسبب
رفض لبنان وسوريا – وهو أمر متوقع
بسبب اشتراط الاقتراح ترتيبات أمنية
لا يتضمنها القرار 425 – فإن حكومة
نتنياهو تستطيع أن تسجل نقطة على
العرب بأنهم رفضوا مقترحاً للانسحاب
مقابل مطلب "مشروع وعادل" في
وجهة نظر الأمريكان، وربما
الأوروبيين أيضاً، مما قد يخفف من
حدة الانتقادات الدولية لسياسة
نتنياهو ويحفظ ماء وجه الإدارة
الأمريكية بسبب عدم ممارستها لضغوط
حقيقية على الطرف الإسرائيلي .
إلا
أن الاستنتاج والدرس المهم الذي
يمكن استخلاصه من هذا الاقتراح، هو
أن حكومة نتنياهو لا تتعامل مع
السلام إلا بالمناورات الخادعة
مستغلة خضوع الإدارة الأمريكية
للوبي اليهودي وعجزها عن ممارسة
ضغوط على الدولة العبرية للالتزام
باتفاقات أوسلو على الرغم من هزالة
هذه الاتفاقيات وعجزها عن تحقيق
تطلعات الشعب الفلسطيني !!
|