الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة


الدور الأوروبي في الشرق الأوسط

بين جعجعة الإعلام وطحن الواقع

6 نيسان 1998

تبدي أوروبا (أو على الأقل أطراف رئيسة وفاعلة في المجموعة الأوروبية) ميلاً نحو اتخاذ مواقف سياسية أكثر استقلالية عن المواقف الأمريكية تجاه قضايا المنطقة العربية، ولئن كان ضجيج الإعلام يمنح الرغبة الأوروبية حجماً أكبر من واقعها السياسي الفعلي، وحتى المعنوي على الأرض، فإن الكثيرين يرشحون الدور الأوروبي للتنامي والتحول إلى دور مؤثر في مجريات الأحداث في المنطقة، وقد أضفت المواقف الصهيونية المتشجنة تجاه زيارة وزير الخارجية البريطاني روبين كوك إلى جبل أبو غنيم، ومن قبلها الموقف الفرنسي المعارض لضرب العراق إبان الأزمة العراقية – الأمريكية الأخيرة هالة حول الدور الأوروبي، ومنحت أطروحات أنصار نظرية تنامي الدور الأوروبي في المنطقة زخماً إضافياً .

تبدي القوى الأوروبية حرصاً كبيراً على تحقيق استقرار في المنطقة العربية لاعتبارات عدة لعل أهمها تكوين سوق خلفيته واسعة لدول الاتحاد الأوروبي بشكل يعزز اقتصاديات الدول الأوروبية، كمقدمة لتشكيل كتلة اقتصادية ضخمة تقف في مواجهة الكتل القائمة أو تلك الآخذة بالتشكل .

كما لا يجهل الأوروبيون مخاطر استمرار التوتر والأزمات في المنطقة العربية، حيث تظل الدول الأوروبية وخاصة المتوسطية منها ترقب بقلق إمكانات وصول إفرازات تلك الأزمات إلى عقر دارها، فالأزمات الشرق أوسطية مرشحة في كل لحظة لانفجار يحمل إلى أوروبا تداعيات أمنية، أو موجات هجرة بشرية بحثاً عن الأمن والاستقرار .

ويرى قادة الدول الأوروبية عامة والمتوسطية منها خاصة أنه كلما أمكن تخفيف حدة التوتر في المنطقة العربية، كلما أمكن تجنب إفرازات تلك الأزمات في ظل جوار جغرافي لا يمكن تجاهل دوره في الربط بين مجريات الأحداث في المنطقتين العربية والأوروبية .

العامل الرئيس الثالث الذي يدفع الأوروبيون للعمل من أجل تحقيق استقرار في المنطقة هو قناعتهم أن الصراع العربي – الإسرائيلي، هو أهم الصراعات الدائرة في المنطقة إن لم يكن محركها الأساسي، ومن شأنه وضع حد لهذا الصراع توجيه الأموال المخصصة لسباق التسلح إلى مشاريع تنموية تؤمن الاستقرار في الباحة الخلفية للقارة الأوروبية، وكذلك تعزيز عمليات التبادل التجاري بين أوروبيا ودول المنطقة .

من هذه المنطلقات، أظهرت أوروبا رغم انحسار نفوذها الدولي، رغبة وإصراراً على لعب دور في عملية التسوية، ولئن نجحت الولايات المتحدة في تحجيم أثر الدور الأوروبي في مجريات الأحداث، فإنها فشلت في وقف المحاولات الأوروبية الساعية للعودة إلى دائرة الضوء .

وقد لعبت أوروبا دور الممول الاقتصادي لعملية التسوية، حيث بذل الأوروبيون جهوداً كبيرة لحفظ أدنى من التأييد الشعبي والرسمي الفلسطيني لعملية التسوية من خلال توفير دعم اقتصادي للتسوية وتمويل أنشطة سلطة الحكم الذاتي، الدور الاقتصادي لدول المجموعة الأوروبية ظل يثير شهية أطراف رئيسية في تلك المجموعة لجسر الهوة بين المسؤوليات الاقتصادية لأوروبا تجاه مشروع التسوية والنفوذ السياسي لها في المنطقة، غير أن الرغبات الأوروبية ظلت تصطدم بمعارضة أمريكية وإسرائيلية .

منذ عامين، وتحديداً عقب وصول بنيامين نتنياهو إلى مقاعد السلطة في الكيان الصهيوني تصاعدت وتيرة المحاولات الأوروبية لممارسة دور فاعل ومؤثر في المنطقة، إذ وجد الأوروبيون أن مساعداتهم المالية ليست أكثر من واجهة تعمل على إخفاء واقع سيء أوجدته الممارسات الإسرائيلية وعجز الإدارة الأمريكية عن اتخاذ مواقف من شأنها دفع عجلة التسوية، وتشير التقارير الأوروبية إلى أن معونات أوروبا باتت العامل الرئيسي الذي يمنع عملية التسوية من الانهيار من خلال الحفاظ على استمرار سلطة الحكم الذاتي. ويشير تقرير نشرته المجموعة الأوروبية قبيل جولة قام بها رئيس الاتحاد الأوروبي جاك سانتير في المنطقة قبل نحو شهر، إلى أن أوروبا قدمت لسلطة الحكم الذاتي منذ انعقاد مؤتمر واشنطن للدول المانحة في العام 1993 وحتى العام 1998 نحو 1,5 مليار دولار مقابل 280 مليون دولار فقط قدمتها الولايات المتحدة الراعي الرئيسي لمشروع التسوية، وتشكل المساعدات الأوروبية نحو 54% من إجمالي المساعدات الدولية للسلطة والتي بلغت 2,8 مليار دولار، بينما لا تتجاوز المساهمة الأمريكية 10%، واليابان 8%، والسعودية 6%، ودول مانحة أخرى من آسيا واستراليا 15% .

غير أن ما يبعث على إحباط الأوروبيين من جدوى استمرار دورهم الاقتصادي هو ضياع أموال المساعدات، بسبب فساد السلطة وسياسات الاحتلال، ويشير التقرير الأوروبي إلى أن الدخل الوطني للفلسطينيين تقلص بنسبة 36% فيما ارتفعت البطالة إلى 24,75% العام الماضي مقابل 2,3% عام 1993، ويقدّر حجم الخسائر التي تصيب الاقتصاد الفلسطيني جراء الحصار والإغلاق الإسرائيلي بنحو 10 ملايين دولار يومياً مما يؤدي إلى استهلاك القسم الأكبر من أموال المعونات التي لا يبقى إلا جزء بسيط جداً منها لدعم البنية التحتية المدمرة .

وفيما تشعر دول الاتحاد الأوروبي بقلق بالغ خشية تفجر الأوضاع داخل الأراضي المحتلة مما سيؤدي إلى تفاقم التوتر في المنطقة، يرى الأوروبيون أن مشروعهم لإنشاء سوق خلفية لهم تتطور باتجاه التحول إلى كتلة اقتصادية من خلال مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية بات مؤجلاً إلى حين عودة الروح لعملية التسوية .

غير أن من المستبعد أن يجد الاستياء الأوروبي فرصة واقعية للتعبير عن نفسه، إذ أن خيارات أوروبا التي ظهرت من خلال تقريرها الاقتصادي، وجولة سانتير في المنطقة ليست كبيرة، فإما أن تقبل أوروبا بالمحافظة على حد أدنى من الحضور في المنطقة من خلال معوناتها الاقتصادية، وإما أن تقرر وقف هذه المعونات، وتنسحب تماماً من المنطقة، وهو ما تعتقد أطراف أوروبية فاعلة أنه رغبة أمريكية .

خلال الأسابيع الماضية طرأ تطور لافت للنظر على الموقف الإسرائيلي والأمريكي من الدور الأوروبي في المنطقة. وبدا وكأن هذا الدور لم يعد مطلباً عربياً فقط وإنما أصبح حاجة إسرائيلية وأمريكية، إذ قام بنيامين نتنياهو بجولة أوروبية حرص خلالها على إطلاق سلسلة من المبادرات لإنعاش مشروع التسوية، فيما تحدث عدة مسؤولون أمريكان عن تكامل الدورين الأوروبي والأمريكي تجاه المنطقة .

وقد لخص نتنياهو ما يريده من أوروبا التي اتهمها في بداية جولته بالجهل فيما يخص الشرق الأوسط بما يلي:

التوسط مع لبنان لتنفيذ انسحاب إسرائيلي من الشريط اللبناني المحتل مقابل ترتيبات أمنية .

المساهمة في جهود مقاومة "الإرهاب" وهو مجال واسع يبدأ بتناول المعلومات وتسهيل نشاط عملاء الموساد في الأراضي الأوروبية ضد من تعتقد إسرائيل أنهم على صلة بمنظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وينتهي بتقديم الدعم الفني والمادي لشرطة الحكم الذاتي، مروراً بالتضييق على النشاط الإسلامي في أوروبا .

منع إيران من تطوير أسلحة غير تقليدية .

ويلاحظ أن نتنياهو طلب إسهاماً سياسياً من أوروبا فقط على المسار اللبناني، وهي محاولة لاستغلال نهم أوروبا للعب دور سياسي في الضغط على لبنان، ودق إسفين في العلاقات السورية – الفرنسية، إذ اختار رئيس وزراء العدو العاصمة الفرنسية باريس لإطلاق مبادرته اللبنانية .

غير أن نتنياهو حرص على إبعاد أوروبا سياسياً عن المسار الفلسطيني، لاعتبارات تتعلق برغبته بالاستفراد في هذا المسار الذي تمكن من احتوائه، وبالموقف الأوروبي غير المتطابق مع الموقف الإسرائيلي على هذا المسار .

استخلاص

ما يثير الانتباه حقاً هو ظهور بوادر أوروبية تتجاوب مع السقف الذي أتاحه نتنياهو لأوروبا، حيث حرص كوك خلال زيارته على دعم الشرطة الفلسطينية وحدها دون سائر مؤسسات وأجهزة السلطة معرباً عن اهتمام دول الاتحاد بالأمن في المنطقة، فيما حاولت دول أوروبية التحرك على جبهة لبنان قبل أن تقرر التريث بعد تشبث الطرفين السوري واللبناني بتلازم المسارين وضرورة تنفيذ القرار 425 حرفياً .

أما الإدارة الأمريكية، فإن إشاراتها المشجعة لأوروبا من أجل لعب دور نشط على جبهة دفع مشروع التسوية، قد تكون تعبيراً عن شعور هذه الإدارة بعجزها عن ممارسة ضغوط على نتنياهو وقناعتها أن استمرار تعثر عملية التسوية بات يلحق ضرراً بالغاً بسياساتها الشرق أوسطية، مما يستدعي الاستعانة بأوروبا في محاولة  لزحزحة نتنياهو عن مواقفه، ولعل في هذا ما يفسر العلاقة الزمنية بين جولة كوك الصاخبة، ومبادرة دينيس روس التي تحاول الإدارة الأمريكية تسويقها بعيداً عن الأضواء مستغلة إحباط الفلسطينيين وقلق الإسرائيليين من دور أكبر لأوروبا والأمم المتحدة في عملية التسوية، التي انفرد بها الأمريكان حتى اليوم، وبات هذا التفرد مهدداً بسبب عدم تقدمها فترة طويلة وتصاعد التململ عربياً وفلسطينياً .

في كل الحالات يجب الاعتراف أن الدور الأوروبي، ما زال رهين انقسام أوروبا على نفسها، وخاضعاً للمواقف والأولويات الأمريكية والإسرائيلية وهو ليس مستقلاً أو قادراً على شق طريقه وحده وسط زوابع الشرق الأوسط .