الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة


المؤتمرات الوطنية الفلسطينية

بين المظاهرات الإعلامية والبديل عن "أوسلو"

27/ كانون أول 1998

انعقدت في كل من غزة ورام الله ودمشق مؤتمرات وطنية فلسطينية للرد على خطوة إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني عبر المؤتمر الذي عقدته السلطة الفلسطينية في غزة يوم 14/12/1998 بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون .

وعلى الرغم من تجاوز الميثاق الوطني الفلسطيني عبر قرارات المجالس الوطنية الفلسطينية، وعلى الرغم من إلغاء الميثاق من الناحية الفعلية في جلسة خاصة للمجلس الوطني الفلسطيني عقدت عام 1996، فإن المضامين التي حملها مؤتمر السلطة الفلسطينية في غزة الذي خصص لتأكيد هذا الإلغاء استجابة لمطلب إسرائيلي محدد، وضع القوى الفلسطينية المعارضة أمام مسؤولياتها للتحرك بهدف نزع الشرعية عن اجتماع إلغاء الميثاق في غزة، والتأكيد على ثوابت الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية وإظهار خطورة ما ذهب إليه اجتماع غزة .

ومما عزز هذا الحافز، اتفاق "واي بلانيتشين" الذي لقي معارضة واسعة في الشارع الفلسطيني بسبب رضوخ السلطة الفلسطينية للاشتراطات الأمنية الإسرائيلية المجحفة التي تسهم في تقويض أسس وحدة الشعب الفلسطيني وضرب قوى المقاومة فيه مقابل الحصول على إعادة انتشار في نسبة ضيئلة .

توحد الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج على التمسك بحقوقه الوطنية

وقد جاء انعقاد هذه المؤتمرات بمبادرة من الفصائل الفلسطينية الرافضة لاتفاقيات أوسلو وواي ريفر داخل وخارج الأرض المحتلة، وشارك فيا أيضاً العديد من الشخصيات الوطنية المستقلة. وعلى الرغم من التباينات في توجهات المشاركين في الداخل أو الخارج، إلا أن هذه المؤتمرات اتفقت على قواسم مشتركة أساسية، من قبيل رفض اتفاقات (واي ريفر)، والتأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني، والمحافظة على هويته الوطنية ورفض إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، والتمسك بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة حتى يزول الاحتلال .

وجاءت هذه المؤتمرات متلازمة مع مؤتمر غزة من حيث التوقيت في إشارة واضحة إلى أن هؤلاء المجتمعين في غزة لا يمثلون الشعب الفلسطيني ولا يملكون حق إلغاء الميثاق الوطني أو التصرف بأي حق من حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية .

وقد حضر مؤتمري غزة ورام الله بالإضافة إلى حماس والجهاد والشعبية والديمقراطية وجبهة التحرير العربية وحزب الشعب الفلسطيني، مجموعة من الشخصيات المستقلة على رأسها عبدالله الحوارني العضو السابق في اللجنة التنفيذية لـم.ت.ف الذي حرم من عضوية المجلس المركزي الفلسطيني، وبالتالي عدم تمكنه من حضور مؤتمر السلطة الفلسطينية في غزة لموقفه المعارض لإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، إضافة إلى أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني والمجلسين الوطني والمركزي. ويذكر أن (104) عضواً من المجلس الوطني الفلسطيني وقعوا أثناء انعقاد مؤتمر رام الله على نداء عبر عن إجماع القوى المشاركة يتكون من ثلاث نقاط هي:

رفض اتفاقية (واي بلانتيشين) بما تضمنته من التزامات أمنية وسياسية مجحفة، ورفض الاستجابة للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية بتعديل الميثاق، والحرص على صون وحماية م.ت.ف بإعادة بناء مؤسساتها على قاعدة وحدوية وائتلافية شاملة وعلى أسس ديمقراطية. وبلغ عدد المشاركين في المؤتمرين أكثر من ألف شخصية (350) في قطاع غزة، و(700) في الضفة المحتلة .

أما مؤتمر دمشق الذي شارك فيه حوالي (500) شخصية مثلت فصائل ا لتحالف الثمانية بالإضافة إلى الجبهتين الشعبية والديمقراطية اللتين انسحبتا عام 1997 من إطار الفصائل العشرة، إلى جانب العديد من الشخصيات المستقلة أبرزها: خالد الفاهوم وأنيس الصايغ وشفيق الحوت وصلاح الدباغ وبسام الشكعة وعبد الرحمن الحوراني .

كما حضر العديد من الشخصيات العربية كضيوف شرف، الأمر الذي أعطى هذا المؤتمر أهمية خاصة، ومن أبرز هذه الشخصيات : الرئيس الجزائري السابق أحمد بن بيلا، وأمين عام حزب الله في لبنان حسن نصر الله، وفيصل مولوي أمين عام الجماعة الإسلامية في لبنان، وأحمد الدان من حركة مجتمع سلم الجزائرية، ومصطفى الرميد النائب في البرلمان المغربي، إضافة إلى ياسين عمر الإمام الأمين العام المساعد للمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في السودان. فضلاً عن حضور دبلوماسي بعض الدول العربية والإسلامية والأوروبية .

وفي إجراء مستغرب بدا على أنه تجاوب مع مطالب خارجية أو استحقاق لاتفاقيات معينة، عمدت السلطات الأردنية، إلى منع أكثر من ستين مشاركاً من أعضاء المؤتمر الوطني الفلسطيني من مغادرة الأردن للمشاركة في اجتماعات المؤتمر، كما عمدت إلى منع الأخ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وعدد من أعضاء المكتب السياسي. وممثلي بعض الأحزاب والقوى الأردنية المدعوة لحضور المؤتمر كضيوف مراقبين، إلا أن هذه الإجراءات لم تحل دون انعقاد المؤتمر وإنجاز أعماله .

إنجازات المؤتمرات

إن الإنجاز الأهم لهذه المؤتمرات هو تشكليها لجان متابعة وطنية لتنفيذ القرارات التي اتفق عليها، وللبحث في صيغ وآليات عمل وطنية مستقبلية، وإتاحة المجال للتنسيق بين هذه اللجان للخروج بتصور لمشروع وطني مشترك يجمع الداخل والخارج مع الأخذ بعين الاعتبار بعض الظروف التي يعيشها الداخل الفلسطيني الواقع تحت ضغوط السلطة الفلسطينية .

وقد لوحظ وجود تباين بين القرارات التي صدرت عن مؤتمري الداخل (غزة ورام الله)، وبين مؤتمر دمشق، إذ تجنب مؤتمرا الداخل إدانة السلطة الفلسطينية أو الإشارة إلى أن مؤتمر السلطة في  غزة فاقد للشرعية الوطنية والقانونية كما صدر عن مؤتمر دمشق، إضافة إلى خلو بيانات مؤتمري الداخل من أية إشارة لـ"استعادة القضية الفلسطينية من أيدي فريق أوسلو وقطع الطريق على تنازلاته الخطيرة" كما نص على ذلك مؤتمر دمشق. والسبب في ذلك يرجع لعاملين هما:

حرص المشاركين في الداخل على عدم التصادم مع السلطة الفلسطينية بإعطاء إشارات أن جبهة الرفض الفلسطينية تسعى للإعلان عن قيادة بديلة لـم.ت.ف.

مشاركة بعض القوى (حزب الشعب) والشخصيات الفلسطينية التي تقتصر معارضتها على اتفاق (واي بلانيتشين) فقط، الأمر الذي دفع بقية المشاركين لتخفيض سقف المطالب لإيجاد قاعدة سياسية مشتركة بين الجميع .

إن الدلالة الأهم لهذه المؤتمرات، على الرغم من وجود بعض التباينات التي سببتها ضغوط الجغرافيا السياسية ومواقف بعض المشاركين غير المتطابقة من اتفاقات التسوية، هي أنها عبرت عن إجماع وطني فلسطيني للتمسك بأهداف الشعب الفلسطيني التي عبر روح الميثاق عنها، وعن رفض التداعيات السياسية والأمنية للاتفاقات السياسية، وعلى الأخص اتفاق (واي بلانتيشين) .

وبالنسبة لمؤتمر دمشق الذي اعتبر المؤتمر المركزي والأهم لجبهة المعارضة الفلسطينية، فقد عبر بشكل أوضح عن عزم الشعب الفلسطيني على تحقيق أهدافه الوطنية وعلى رأسها إزالة الاحتلال، حتى لو تطلب ذلك عزل القيادة التي خرجت عن هذه الأهداف وإعادة ترتيب الوضع الفلسطيني الداخلي، أو حتى تشكيل مرجعية جديدة للشعب الفلسطيني، بعد أن حولت الاتفاقيات م.ت.ف إلى مجرد أداة لخدمة مشروع التسوية .

ولذلك، فقد شكلت هذه المؤتمرات رسائل إعلامية ضخمة موجهة للعالم، بأن ما جرى في مؤتمر السلطة الفلسطينية في  غزة لا يمثل الشعب الفلسطيني، وأن هناك فئات كثيرة وفاعلة لا زالت ترفض إلغاء الميثاق وتتمسك بوحدة أرض فلسطين من النهر إلى البحر، وضرورة إزالة الاحتلال الجاثم على صدر الشعب الفلسطيني، والإصرار على اعتبار المقاومة المسلحة الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، واعتبارها استراتيجية لا تراجع عنها للشعب الفلسطيني .

ومن هنا تأتي أهمية التمثيل الواسع لكافة فئات الشعب الفلسطيني في هذه المؤتمرات، وعدم اقتصاره على الفصائل المعارضة وحدها، تأكيداً على وحدة الشعب والتفافه حول أهدافه الوطنية المشروعة .

معيار نجاح المؤتمرات الوطنية هو بلورة البرنامج البديل عن أوسلو:

لقد أسفرت المؤتمرات الوطنية الفلسطينية عن قرارات مهمة، إذ أكدت رفضها لاتفاقيات واي بلانتيشين وما أسفر عنها، واعتبرت قرارات تغيير الميثاق الوطني الفلسطيني باطلة وغير شرعية، وأن من قاموا بذلك فاقدين لشرعيتهم الوطنية والقانونية، كما أكدت حق الشعب الفلسطيني في استمرار ومواصلة المقاومة لانتزاع حقوقه المشروعة، وثمنت تفاعل شعوب الأمة العربية والإسلامية مع هذا الحق، وأكدت على عمق ارتباط هذه الشعب بالأمة العربية والإسلامية إضافة إلى عمق ارتباطه بأرضه ووطنه ورفض محاولات تذويب الشخصية الوطنية الفلسطينية، إلا أن أهم هذه القرارات من الناحية العملية هو قرار تشكيل لجان متابعة وطنية عليها، لتنفيذ قرارات وتوصيات المؤتمرات والاتفاق على صيغة العمل الوطني الفلسطيني المقبلة على قاعدة تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في العودة والاستقلال الوطني الكال .

ومن هنا: فإن المعيار الأهم لنجاح هذه المؤتمرات، هو ما ستسفر عنه من قرارات مصيرية على صعيد قيادة وتحقيق المشروع الوطني الفلسطيني المستقل البديل عن اتفاق أوسلو كمشروع مرتبط ومرتهن بالاحتلال .

إن الفارق بين أن تكون هذه المؤتمرات مجرد اجتماعات حاشدة ينتهي أثرها بمجرد انفضاضها، وبين أن تكون مقدمة لتحول تاريخي بارز على صعيد القضية الفلسطينية هو أن يتبلور عن هذه المؤتمرات صيغ وآليات وهياكل عمل وطني فلسطيني تأخذ على عاتقها تحقيق مهمتين رئيسيتين هما: الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية داخل وخارج الأرض المحتلة من خلال خلق الإطار المناسب لذلك، واستمرار التمسك بالحق الفلسطيني من خلال إدامة وسائل النضال والكفاح ضد المحتل وعلى رأسها المقاومة المسلحة .

ولئن كانت هناك خلافات وتباينات بين القوى والشخصيات المشاركة حول هذه ا لصيغ والهياكل بسبب الجغرافيا أو المواقف السياسية، فإن ذلك ينبغي أن لا يحول دون التوصل إلى برنامج وطني يتضمن على الأقل في الوقت الحاضر صيغ وآليات عمل سياسية مرحلية، وتكون قابلة لأن تتطور لاحقاً إلى هيكلية تنظيمية قادرة على جمع كافة قوى وفئات الشعب الفلسطيني .

ويشار هنا إلى تجربة الفصائل الفلسطينية العشرة التي تقلصت إلى ثمانية، وضمر عملها السياسي، وشهدت تراجعاً بدل أن تشهد تطوراً بسبب تردد بعض الفصائل الفلسطينية التي لم تحسم خيارها في التعامل مع برنامج أوسلو وإسقاطاته. وإذا استمرت هذه الأسباب في عرقلة تطور فكرة المؤتمرات الوطنية الفلسطينية إلى برنامج وصيغ آليات عمل وطني فلسطيني، فإن على القوى الفلسطيني الفاعلة وعلى رأسها (حماس) أن تتحمل مسؤولية كبيرة في قيادة هذا البرنامج بالاستناد إلى الشعب الفلسطيني مباشرة والقوى والفصائل والشخصيات الوطنية الفاعلة .