الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة


بعد نفق الأقصى ومستوطنة أبو غنيم..
 مجزرة ترقوميا غضبة جماهيرية جديدة تحمل بذرة جديدة من بذور فشل أوسلو

16 مارس 1998

المواجهات التي تشهدها مدن الضفة الغربية، وبخاصة مدينة الخليل، بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال الإسرائيلي منذ المجزرة التي تعرض لها عمال فلسطينيون برصاص الجنود الصهاينة بالقرب من أحد الحواجز الإسرائيلية في ترقوميا/ قضاء الخليل، تصوب الأعين مجدداً نحو الحجم الكبير والمتراكم من الغضب والإحباط على حد سواء في أوساط الفلسطينيين، فبقاء الحال على ما هو عليه منذ يزيد عن العام على صعيد التسوية السلمية، لم يعد أمراً يروق لأبناء الشعب الفلسطيني خصوصاً أن استمرار هذه الحالة الضبابية في كل شيء، الأرض، السلطة، والحقوق الفلسطينية، توازى حتى الآن مع استمرار آخر من جانب الإسرائيليين في تنفيذ سياساتهم ومخططاتهم الاستيطانية التوسعية، والتهويدية والقمعية، مما عاد بالفلسطينيين مرة أخرى إلى حالة أشبه بالوضع الذي كان سائداً عشية اندلاع الانتفاضة الفلسطينية أواخر كانون أول / ديسمبر 1987، ومما يزيد الأمر سوءاً هذه المرة أن قيوداً عديدة ضيقت الخناق على الفلسطينيين تحت وطأة الالتزام بشروط عملية السلام واتفاقات أوسلو، بدليل وقوف السلطة الفلسطينية التي جسدتها هذه الاتفاقات بديلاً سلمياً للانتفاضة حائلاً بين المتظاهرين والثوار الفلسطينيين وبين أهدافهم من جنود الاحتلال ودورياته. بل ولجوء الشرطة الفلسطينية إلى تفريق ا لمتظاهرين بالغاز المسيل للدموع، والحيلولة دون وصولهم إلى الحواجز العسكرية الإسرائيلية في كثير من الأحيان، رغم أن الرصاص الإسرائيلي ظل قادراً بشكل أو بآخر على حصاد الفلسطينيين ما بين شهيد وجريح .

والمواجهات الجديدة التي اتخذت من مجزرة العمال الفلسطينيين في ترقوميا شرارة لها ليست الأولى من نوعها، فقد شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة على امتداد الثمانية عشر شهراً الماضية مواجهات أو انتفاضات مشابهة كان من أبرزها المواجهات التي اتخذت من شرارتها  عنواناً لها في انتفاضة نفق الأقصى في أيلول/ سبتمبر 1996، ثم مواجهات مشروع الاستيطان في أبو غنيم في آذار/ مارس ونيسان / أبريل من العام الماضي، وقد ولدت هذه المواجهات جميعاً باعتبارها ردود فعل مباشرة لممارسات إسرائيلية على نحو كبير من الغطرسة من ناحية، ومن عدم الاكتراث والتجاهل المتعمد لأي من حرمات الشعب الفلسطيني وحقوق المغتصبة من ناحية أخرى، فضلاً عن ضرب هذه الممارسات والخطوات الإسرائيلية بالاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية عرض الحائط .

وفي كل مرة كما هو متوقع في هذه الحالة أيضاً، كانت الهبات الفلسطينية الشعبية لا تلبث أن تهدأ تحت وطأة إصرار السلطة الفلسطينية على تهدئتها بعد تلقي وعوداً وأوهاماً جديدة من واشنطن أو أوروبا أو الإسرائيليين أنفسهم، ومن ثم تراجع جنود الاحتلال إلى مواقعه على حدود المدن والتجمعات الفلسطينية، لكن أي من أسباب هذه المواجهات لم تستطع الأطراف الساعية دائماً إلى إسكاتها وإخمادها علاجه بسبب غيبة التدخل الأمريكي الحقيقي من ناحية، حيث غالباً ما أسهمت واشنطن بنزع فتيل التفجير الفلسطيني مع الإبقاء على انحيازها وتأييدها الكاملين لتل أبيب، واستمرار التعنت والغطرسة الإسرائيلية من ناحية ثانية. ولم يكن بوسع السلطة الفلسطينية في أي وقت من الأوقات ومهما بلغت قناعتها أو حتى مشاركتها أحياناً في تأجيج مشاعر الغضب والإحباط الفلسطينية، أن تجمع بين أوسلو والانتفاضة، حيث أنهما خطان متوازيان ومتعاكسان ولا يمكن أن يلتقيا بحال من الأحوال، والسلطة الفلسطينية تعلم ذلك تماماً، وتدرك أنها عندما وضعت أقدامها في مربع أوسلو، فإنها عملياً نبذت وهجرت مربع الانتفاضة، بل وتعهدت بنقل الفلسطينيين جميعاً إلى مربع السلطة وأوسلو. ولهذا كله فإن احتمال هدوء الموجه الحالية من المواجهات الفلسطينية – الإسرائيلية قد يكون قوياً، إلا أن تراكمات الإحباط الفلسطيني واستمرار الممارسات القمعية الصهيونية، ستجعل من إمكانية عودة المواجهات ممكنة ومستمرة، خصوصاً في الخليل التي كانت ولا تزال مسرحاً مفتوحاً لاستفزاز الشعب الفلسطيني، حيث الاحتلال يجثم على صدر المدينة وحرمها الإبراهيمي ثقيلاًن ودخول السلطة لها، لم يكن سوى دخولاً شكلياً وزائفاً إلى حد بعيد، لذا فإن الحواجز الإسرائيلية لا تزال على مرمى حجارة الفلسطينيين، وقنابلهم الحارقة .

ويبقى أن نقول بأن ما تشهده الأراضي الفلسطينية هذه الأيام بدءاً بممارسات القتل والإرهاب الإسرائيلي بحق الفلسطينيين العزل، إلى جانب استمرار سياسات الاستيطان والاحتلال والعسكرية الإسرائيلية على أشدها، ومروراً بتعثر وجمود عملية السلام، وليس انتهاء بالإحباط والغضب الفلسطيني المتزايدين، كل ذلك يسوق أدلة واقعة تفيد بفشل اتفاقات أوسلو بكل تداعياتها وإفرازاتها على صناعة السلام الفلسطيني – الإسرائيلي، فضلاً عن تسوية الصراع العربية - الإسرائيلي، والخاسر الأكبر في كل ما يجري هو مسيرة التسوية في الشرق الأوسط، فلن تلبث الأطر الشكلية وغير المكتملة أو الهشة التي صنعتها عن التصدي وربما الانهيار، في حال بقي الوضع الراهن على ما هو عليه من حيث إطلاق العنان للإسرائيليين في محاولة إقناعنا بالأسلوب الإسرائيلي المعروف بأن السلام هو رديف القتل والظلم والاغتصاب، وبأنه يمكن الجمع بين كل هذا والسلام في آن واحد!!!