|
عملية
التسوية بين الموت البطيء والخيارات
البديلة
13
يونيو 1998
مر
حوالي 15 شهراً حتى الآن على التوقف
الكامل لاتفاق أوسلو، أما بالنسبة
لعملية التسوية على المسارين السوري
واللبناني فهي متوقفة تماماً منذ
مجيء نتنياهو للحكم، أي لمدة سنتين
متتاليتين .. وهذه المدة الطويلة من
التوقف لعملية التسوية في كل
مساراتها التفاوضية، لها دلالاتها
المهمة وتأثيراتها المستقبلة على
صعيد عملية التسوية وعلى مستقبل
المنطقة والصراع العربي –
الإسرائيلي.. فإلى أين تمضي عملية
التسوية في ضوء الحكومة الصهيونية
الحالية؟ وما هي احتمالات التغيير
في المواقف الإسرائيلية منها؟ وفي
أي اتجاه تسير ردة الفعل الدولية
والعربية على الموقف الإسرائيلي؟
تنفس
اصطناعي أمريكي .. ولا حراك !
لم
تشهد عملية التسوية على المسار
الفلسطيني أي تحريك عملي منذ توقيع
اتفاق الخليل بداية العام 1997، في
الوقت الذي استمرت فيه آلية
المفاوضات الفلسطينية –
الإسرائيلية التي لم تسفر عن تقدم
حقيقي في موضوع إعادة الانتشار
وغيره من المواضيع المعلقة التطبيق
في المرحلة الانتقالية. واستدعى ذلك
تدخل الإدارة الأمريكية التي تقدمت
بمبادرة لم يعلن عنها حتى الآن بشكل
رسمي، ولكن رسائل الإعلام أكدت أنها
تتضمن إعادة الانتشار بنسبة 13,1% من
مساحة الضفة الغربية المحتلة على
مدى ثلاثة أشهر، وهذه النسبة تشمل
عملياً مرحلتي إعادة الانتشار
الأولى والثانية المنصوص عليهما في
اتفاق الخليل، حيث لم تنفذ المرحلة
الأولى بسبب اعتراض السلطة
الفلسطينية على النسبة الضيئلة التي
تضمنتها. أما المرحلة الثالثة
والأخيرة من إعادة الانتشار، فلم
تحدد لها نسبة معينة في المبادرة
الأمريكية، وأعطي فيها الحق للحكومة
الإسرائيلية بتحديد مداها. ومقابل
تنفيذ مراحل إعادة الانتشار
الثلاثة، تشترط المبادرة على السلطة
الفلسطينية تشديد إجراءاتها
القمعية ضد (حماس) أو ما يسمى بـ(الإرهاب)
بما في ذلك نزع سلاح المجاهدين
وإمكانية تسليمهم للاحتلال، كما
تشترط استئناف التنسيق الأمني
الفلسطيني – الإسرائيلي، وتفعيل
اللجنة الأمنية الثلاثية الأمريكية
– الفلسطينية – الصهيونية والتي
سيعرض عليها نتائج التحقيقات
الفلسطينية مع المجاهدين
المعتقلين، ومتابعة ملفاتهم
بالتفصيل بما في ذلك اشتراك
الصهاينة في اعتقالهم وتوجيه لوائح
الاتهام لهم والتحقيق في أقبية
السجون، وضمان عدم إطلاق سراحهم !
كما
تتضمن شروط المبادرة ضرورة مصادقة
اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف على تعديل
الميثاق الوطني الفلسطيني، وإصدار
مرسوم رئاسي يمنع التحريض على ما
يسمى بـ(العنف) وتقليص أعداد الشرطة
الفلسطينية إلى الحد الذي سمح به في
الاتفاقيات .
ومقابل
هذه الاشتراطات على الفلسطينيين.
فإن المبادرة طلبت التزام الكيان
الصهيوني بعدم إقامة مستوطنات جديدة
وعدم توسيع القائم منها بشكل كبير،
وعدم مصادرة الأراضي إلا لإنشاء طرق
التفافية والامتناع عن هدم المنازل
إلا بحجة البناء بدون تصريح، ويلاحظ
أن المبادرة لم تطلب من الكيان
الصهيوني وقف الاستيطان عن طريق
توسيع المستوطنات والاستمرار في
المستوطنات الجديدة وعلى الأخص
مستوطنة جبل أبو غنيم التي توقفت
المفاوضات بسببها. وقد قبلت السلطة
الفلسطينية بالاقتراح الأمريكي بعد
أن مضت عدة أشهر أبدت فيها تمنعاً عن
قبول المبادرة لأنها لا تستجيب
للطلب الفلسطيني بأن تصل نسبة إعادة
الانتشار إلى 30% من مساحة الضفة.
ويبدو أن هذا القرار الذي أعلن عنه
في نهاية شهر نيسان (أبريل) الماضي
والذي جاء بعد تشاور وتنسيق كامل مع
الحكومة المصرية، أخذ بعين الاعتبار
تشدد حكومة نتنياهو ورفضها التعامل
مع المقترح الفلسطيني، بل وحتى
رفضها للمقترح الأمريكي، حيث سعت
السلطة الفلسطينية إلى دعم الموقف
الأمريكي وإحراج الطرف الإسرائيلي
ودفعه للتعامل مع المبادرة
الأمريكية. فإذا قبل بهذا الاقتراح،
فتكون السلطة الفلسطينية حصلت على
جزء من أرض الضفة، وإذا لم يقبل
فستوجه للطرف الإسرائيلي أصابع
الاتهام بأنه يعرقل عملية التسوية
وسيتحمل وحده مسؤولية الاستجابة
للمبادرة الأمريكية، وتصر على إدخال
تعديلات فيها ولا تزال تطرح نسبة 9%
فقط لإعادة الانتشار فيها، كما طرح
نتنياهو مؤخراً إمكانية عرض هذه
الخطوة على الاستفتاء الشعبي العام
ليقول كلمته فيها .
وعلى
الرغم من إمكانية موافقة حكومة
نتنياهو في نهاية المطاف على تنفيذ
إعادة انتشار بنسبة 13,1% من الضفة،
إلا أن ذلك – إن حصل – فسيكون بشرط
تعديل المبادرة الأمريكية بحيث يتم
شطب أو تأجيل، مرحلة إعادة الانتشار
الثالثة ودمجها ضمن مفاوضات الحل
النهائي التي ستبدأ بعد تنفيذ
المرحلة الثانية فيه .
ويبدو
أن العقدة التي تحول دون قبول حكومة
نتنياهو بالاقتراح الأمريكي حتى
الآن تتمثل بأن إعادة الانتشار بهذه
النسبة ستؤدي إلى محاصرة مجموعة
محدودة من المستوطنات الإسرائيلية
بمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني بحيث
تصبح هذه المستوطنات كجيوب معزولة.
ويقدر بعض الخبراء الإسرائيليين أن
عدد المستوطنات الذين سيقعون في هذه
المشكلة يصل إلى (9000) مستوطن في 18
مستوطنة في حالة تطبيق نسبة (13,1%)،
بينما يتقلص هذا الرقم ليصل إلى (1700)
مستوطن من أصل حوالي (155) ألف مستوطن
في الضفة المحتلة في حالة تطبيق (9%) .
وحسب
هذه التقديرات أيضاً فإن نسبة
الفلسطينيين الذين سيكونون ضمن
الإدارة المدنية والأمنية (مناطق أ)
أو ضمن الإدارة المدنية الفلسطينية (مناطق
ب) 89% من سكان الضفة في حالة (13,1%) و 86%
في حالة (9%) مع العلم أن نسبة
الفلسطينيين الذين يقعون يضمن
منطقتي (أ) و(ب) في الوقت الحالي لا
يتعدى (37%) فقط، الأمر الذي يعني أن
زيادة مهمة ستطرأ على عدد السكان
الذين سيقعون تحت الحكم الذاتي وإن
كان نصفهم سيظل في إطار منطقة (ب) .
وما
من شك أن تأثير الأرقام ذات الخانة
الواحدة هو أكثر أهمية للجانب
الفلسطيني الذي لا يزال يسيطر فقط
حتى الآن على 3% فقط من مساحة الضفة
سيطرة كاملة و(24%) سيطرة أمنية فقط،
بينما تكمن المشكلة عند حدود
نتنياهو في إقناع المستوطنين بتوفير
الآليات الأمنية التي توفر لهم
الحماية في ظل إعادة الانتشار وفقاً
للاقتراح الأمريكي، أما من حيث
تأثير نسبة إعادة الانتشار على
الطرف الإسرائيلي، فإنها تنحصر في
تقليص المساحة التي يمكن أن يتفاوض
على إعادتها للطرف الفلسطيني في
إطار مفاوضات الحل النهائي .
الأزمة
مستمرة .. والدور الأمريكي غير فاعل
وفي
ظل الجمود المستمر في عملية التسوية
على المسار الفلسطيني، تقف الإدارة
الأمريكية عاجزة عن ممارسة ضغط
حقيقي على حكومة نتنياهو لزحزحتها
عن موقفها المتشدد، إذ لا يزال
الكونجرس الأمريكي يقف في صف
الحكومة الإسرائيلية، بل ويتهم بعض
أهم أعضائه، وعلى الأخص المعارضة
الجمهورية التي تهيمن على مجلس
النواب والشيوخ، إدارة كلينتون
بأنها منحازة للفلسطينيين، كما أن
الإيباك يمارس ضغوطه على الإدارة
الأمريكية لعدم توجيه انتقادات
لحكومة نتنياهو .
ولذلك
يبدي نائب الرئيس الأمريكي آل غور
المرشح القادم عن الحزب الديمقراطي
لرئاسة الولايات المتحدة
الأمريكية، تحفظاً واضحاً في ممارسة
ضغوط حقيقية على الكيان الصهيوني
خشية أن يؤدي ذلك إلى خذلان الإيباك
له في الانتخابات القادمة، وتقف
الإدارة الأمريكية الحالية بزخم
المسؤولين اليهود الذي يتبؤون مواقع
حساسة فيها، نفس الموقف السابق.
والتطورات الإقليمية التي تمثلت
بفشل توجيه ضربة للعراق خلال الأشهر
الماضية، وعجز الإدارة الأمريكية عن
تأمين النجاح اللازم لقمة الدوحة
الاقتصادية، وحضور الدول العربية
التي قاطعت هذه القمة لقمة طهران
الإسلامية، وأخيراً الاستقبال
الحافل الذي حظي به الشيخ أحمد ياسين
في الدول العربية على عكس رغبة
الولايات المتحدة الأمريكية كل ذلك
أثار تساؤلات حول الضرر الذي يمكن أن
تسببه سياسة حكومة نتنياهو للدور
الأمريكي في المنطقة، لا سيما وأن
أحد أسباب تضعضع هذا الدور في منطقة
الشرق الأوسط هو إحباط العالم
العربي من الموقف المنحاز للإدارة
الأمريكية للكيان الصهيوني. وقد شجع
ذلك الإدارة الأمريكية لمحاولة
ممارسة ضغوط معتدلة على حكومة
نتنياهو عبر التلويح بإعلان
مبادرتها الخاصة وإلقاء اللوم في
العلن على الطرف الإسرائيلي بصفته
المتسبب في وقف السلام، وهو
الاقتراح الذي لم يلق معارضة
أمريكية، في محاولة مستترة للإدارة
الأمريكية لتوجيه رسالة إلى حكومة
نتنياهو بأن عليها أن تختار بين قبول
المبادرة الأمريكية أو التعامل مع
طرف أقل انحيازاً لها وهو الطرف
الأوروبي الصهيوني. وهكذا يبدو أن
المبادرات الدبلوماسية الأوروبية
لا تعبر عن إجماع أوروبي، وتحاول أن
تأخذ دور لها من خلال دعم المبادرة
الأمريكية. ومن هنا، يبقى الدور
الأمريكي في المدى المتطور هو
الوحيد المؤثر في مسار التسوية في ظل
الهيمنة الأمريكية على النظام
العالمي الجديد، ولكن هذا الحال لا
يبدو أنه سيستمر إلى فترة طويلة،
عوضاً عن أن فشل اتفاق أوسلو الحالي،
سيجهز الأرضية المناسبة لممارسة دور
أوروبي فاعل في المنطقة .
خيارات
عربية بديلة .. لكنها لم تتضح بعد
لقد
أحدثت مواقف الحكومة الإسرائيلية
الحالية ردود فعل عكسية من قبل
الأطراف العربية التي وجدت نفسها
مكشوفة أمام الصلف الصهيوني وفي ظل
عدم وجود إنجازات لعملية التسوية،
فتداعت هذه الدول إلى قمة عربية عام
1996، ولكنها لم تؤدي إلى تراجع عن
مشروع التسوية وإن كان اتخذت قرارات
غير ملزمة بتجميد التطبيع مع الكيان
الصهيوني إلى حين التزامه بتطبيق ما
لم ينفذ من اتفاقات أوسلو والموافقة
على استئناف المفاوضات مع سوريا
ولبنان على أساس قرارات 242 و 388 و425.
وخلال عام من هذه القمة عززت الحكومة
الإسرائيلية من موقفها المتشدد
للتسوية، فعادت الدول العربية
للتداعي لقمة جديدة دون أن يكون هناك
إجماع على برنامجها، إذ لا تزال بعض
الدول ترفض التراجع عن الاتفاقات
الموقعة مع الإسرائيليين، فيما
تطالب دول أخرى بوقف التطبيع بشكل
كامل وتجميد العلاقات السياسية مع
حكومة نتنياهو أو على الأقل تقليصها
في المرحلة الأولى. كما أن الكثير من
الدول العربية لم تكن قادرة على
تجاوز الضغوط الأمريكية بتأجيل هذه
القمة إلى حين اتضاح مصير المبادرة
الأمريكية .
على
أية حال، لا يبدو في المدى القريب أن
الدول العربية متجهة نحو خيار إلغاء
اتفاقات التسوية مع أنها أصبح مجرد
حبر على ورق، ومع أن الطرف
الإسرائيلي يغير ويبدل فيها كما
يريد ولا يلتزم بما تم التوقيع عليه.
ولكن هناك من المؤشرات ما يكفي
للدلالة على أن الموقف العربي قد
تحسن نسبياً في معالجته لموضوع
العلاقة مع الكيان الصهيوني، إذ جرت
فرملة عملية التطبيع لدى معظم الدول
العربية، وحصلت هناك مساعي جديدة
لإعادة اللحمة العربية وتفعيل جامعة
الدول العربية. كما أن الدول العربية
لم تعد مقتنعة برفع الغطاء عن مشروع
المقاومة الفلسطيني أو السعي
لمحاصرته، كما حصل بعد قمة مؤتمر شرم
الشيخ، وعبرت جولة الشيخ أحمد ياسين
والاستقبال الحافل الذي لقيه في
معظم الدول العربية من توجهات جديدة
لدى هذه الدول للاستفادة من برنامج
المقاومة الفلسطيني في الضغط على
الطرف الإسرائيلي للتراجع عن مواقفه
المتشددة، وهو الأمر الذي التقطته
قيادة "حماس" واستفادت إلى أبعد
حد ممكن من هذه الجولة لتعزيز وتكريس
مشروعية برنامج المقاومة .
إلا
أن السلطة الفلسطينية لا زالت
متمسكة باتفاق أوسلو إلى أبعد حد،
وذهبت بعيداً في إطار الاستجابة
للمطالب الإسرائيلية والأمريكية،
إذ أن وجودها واستمرارها مرتبط إلى
حد بعيد بوجود اتفاق أوسلو، ومما لا
شك فيه أن الوسط العربي قادر – إن
رغب في ذلك – في شد هذه السلطة
لمنعها من الارتماء في أحضان
المحتل، ومدها بأسباب عدم الانزلاق
الكامل نحو التحالف مع المحتل ضد
شعبها .
ويلعب
برنامج المقاومة الفلسطيني الذي
تعززت أسهمه مؤخراً دوراً مؤثراً في
خيارات الطرفين العربي والفلسطيني،
وكلما ازداد تعنت الطرف الإسرائيلي،
فإن دور هذا البرنامج يتعزز ويقوى
باتجاه التأثير على هذه الأطراف
إيجابياً لجهة التحلل نسبياً من
اتفاقات التسوية، وتبني المزيد من
الخطوات والإجراءات السياسية ضد
الطرف الإسرائيلي .
ولهذا،
فإن المستقبل القريب سيشهد تطوراً
نسبياً لبرنامج المقاومة على صعيد
الشرعية السياسية والشعبية .
|