توسيع بلدية
القدس الكبرى في مخطط تهويدها
بقلم: د.
أحمد يوسف القرعي
صحيفة
الأهرام 23/10/2003
في إطار مخطط
مبرمج تواصل "إسرائيل" إقامة قدس كبرى يهودية الأرض والسكان تضم
مليون يهودي في المستقبل القريب... وتفشل "إسرائيل" في إحراز
اعتراف دولي لهذا الانتهاك الصارخ لكل المواثيق الدولية... وبرغم
هذا تواصل إقامة القدس الكبرى واتخذت في سبيل هذا أساليب استعمارية
عنصرية، جاء في مقدمتها توسيع بلدية المدينة المقدسة المحتلة على
حساب الأراضي الفلسطينية واستكمال تهويدها بإقامة الجدار العازل
حولها بعد إحاطتها بسياج من المستعمرات الاستيطانية بهدف خلخلة
التوازن الديموغرافي لصالح الإسرائيليين بعد أن تبين بالدراسات
الحديثة أن العرب المقدسيين أصبحوا يشكلون 35% من المجموع العام
للسكان في القدس الموحدة.
ولقد مرت
عملية توسيع بلدية القدس الشرقية على حساب أراضي الضفة الغربية بعدة
مراحل منذ احتلالها عام 1967:
(1) كانت
حدود بلدية القدس الشرقية تضم (6.5) كم2 عند احتلالها عام 1967
وجرى توسيعها بضم أراض من الضفة الغربية حوالي (70) كم2 وهو ما
يشكل (70000) دونم وحوالي (28) قرية مجاورة، جرى ضمها جميعها
لأراضي "إسرائيل" لتضاف إلى (38000) دونم وهي أراضي القدس الغربية
في ذلك الوقت، وأصبحت حدود البلدية الجديد تضم (108) كم2
(القدس الشرقية والغربية) وتمثل ما نسبته 28% من الضفة
الغربية، وذلك لفرض غالبية ديموغرافية يهودية في قسمي المدينة،
وهكذا يتم استثناء وعزل المناطق الفلسطينية الآهلة مثل الرام وأبو
ديس والعيزرية ومخيم قلنديا.
وفي 28
حزيران 1967، أصدر الكنيست الإسرائيلي تعديلاً لقانون 1950 الذي
أعلن فيه أن القدس عاصمة "إسرائيل"، حيث منح التعديل الحكومة
صلاحيات فرض قوانينها على القدس الشرقية. هذا ومن أبرز الإجراءات
الإسرائيلية بعد حرب حزيران 1967، عملية الإخلاء والطرد بالقوة
لأكثر من (6000) فلسطيني من البلدة القديمة، خاصة حارة المغاربة
وهدم حوالي (135) منزلاً وذلك لتوفير مساحة ممتدة أمام حائط البراق
(المبكى)، وفي 4 يوليو) 1967 طالب قرار الجمعية العامة للأمم
المتحدة رقم (2253) ب: بإبطال والرجوع عن جميع الإجراءات
والسياسات المتبعة والتي تهدف إلى تغيير معالم وحقائق وضع القدس.
وتجاهلت
"إسرائيل" جميع قرارات الأمم المتحدة واستمرت في سياسة وخطط
التهويد، فصادرت (18270) دونماً من الأراضي الفلسطينية في القدس
الشرقية خلال السنوات 1967 ـ1970.
(2) تمثلت
الاستراتيجية الإسرائيلية في قضية القدس على المستوى البلدي بدعم
حكومي لا محدود، لخطط وسياسة رئيس البلدية السابق تيدي كوليك والتي
استمرت حتى اليوم، والفكرة الأساسية في الرؤية الإسرائيلية هي عزل
القدس الكبرى عن الضفة الغربية، تمهيداً لضمها لإسرائيل. لقد
اشتملت الاستراتيجية الإسرائيلية في تهويد القدس على استيطان
استعماري في البلدة القديمة والأحياء المحيطة بها وإنشاء أحياء
يهودية وشبكة طرق لربط القدس الشرقية بالمناطق اليهودية الآهلة
بالسكان، لقد كانت إدارة تيدي كوليك قلقة جداً من النمو السكاني
الفلسطيني في القدس. وأصبح من المتعارف عليه اعتبار الأراضي
المملوكة للفلسطينيين مناطق خضراء أو غير مستعملة لتبرير مصادرتها
وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم واحتياجاتهم للتطور والإعمار السكني
ولإخراجهم من المدينة، واعتماداً على قانون الأراضي واستعمالها
للمنفعة العامة الصادر عام 1943 عن الانتداب البريطاني فإن وزير
المالية مكلف بإصدار أوامر مصادرة للأراضي ذات الملكية الخاصة لأغراض
المنفعة العامة وذلك بناء على تعريف وزير المالية لذلك، وهكذا قد
جرى بين عامي1967 و1996 مصادرة أموال (23500) دونم من
الفلسطينيين في القدس الشرقية استنادا لذلك القانون وفي 30 يوليو
1980 أكدت الحكومة الإسرائيلية لعملية الضم الأمر الواقع لعام
1967 وأعلنت أن القدس عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل في القانون
الأساسي عن القدس، وكان هذا اختراق ومخالفه القانون الدولي
واتفاقية جنيف الرابعة، وتمت إدانته بقرار مجلس الأمن رقم 478 في
20 أغسطس 1980، والذي أعلن أن جميع الإجراءات القانونية
والإدارية التي اتخذتها "إسرائيل" والتي سعت من خلالها لتغيير طابع
وواقع المدينة المقدسة وخاصة القانون الأساسي عن القدس كلها تعتبر
غير معترف بها ويجب إلغاؤها وتصحيح الأمور على ضوء ذلك.
(3) مع
توسيع أرض بلدية القدس المحتلة لجأت "إسرائيل" إلى تغليب السكان
اليهود على أصحاب الأرض المقدسيين العرب وقامت الحكومة الإسرائيلية
بإجراء إحصاء للسكان فور احتلالها للقدس عام 1967، وسجل التعداد
السكاني أن (66.000) فلسطيني يقيمون في القدس الشرقية ضمن الحدود
البلدية الجديدة، (44.000) في حدود القدس الشرقية عام 1967
و22.000 في المناطق التي ضمت لحدود بلدية القدس) وقد اعتبرت
"إسرائيل" هؤلاء المقدسيين مقيمين دائمين في القدس حسب قانون دخول
"إسرائيل" لعام 1952 ونظام دخول "إسرائيل" لعام 1974، أما
بالنسبة لأولئك الذين لم يشملهم الإحصاء السكاني بسبب غيابهم إما
للدراسة أو العلاج أو الزيارة في الخارج أو غيرها من الأسباب فقد
اضطروا للتقدم بطلبات لوزارة الداخلية للعودة والإقامة ضمن نظام
"إسرائيل"، يعرف باسم لم شمل العائلات.
لقد شجعت
الحكومة الإسرائيلية المواطنين اليهود على الانتقال والإقامة في
القدس الشرقية ومنحتهم تسهيلات في شراء الشقق السكنية والإعفاءات من
الضرائب البلدية لفترات من الزمن. ونتيجة لذلك، فقد تراوح نسبة
المستوطنين اليهود في القدس الشرقية 75% - 80% من الزيادة
السكانية لليهود في القدس منذ 1967، وقد أعلنت بلدية القدس الغربية
في (يونيو) 1993 ولأول مرة عن أغلبية إسرائيلية في القدس
الشرقية، بارتفاع تعداد المستوطنين اليهود إلى (160.000) متقدمين
على العدد الفلسطيني والذي كان يومها حوالي (155.000) فلسطيني.
وسجل كتاب
الإحصاء السنوي الإسرائيلي للقدس عدد السكان العرب في القدس حوالي
(208.700) والذي يشكل ما نسبته 31.7% من المجموع الكلي لسكان
المدينة، في حين كانت النسبة عام1990 - (27.9%) وعام1999
(31.1%)، ولكن أرقام الإحصاءات الفلسطينية تبين ارتفاعاً مغايراً
في الأرقام، ويقدر أن حوالي ثلث الفلسطينيين الذين يحملون بطاقات
هوية مقدسية يقيمون خارج حدود البلدية في مدن الضفة الغربية
المجاورة، ويقدر مركز الإحصاء الفلسطيني المركزي أن حوالي
(238.561) فلسطينياً يعيشون في القدس، التي ضمت لإسرائيل في عام
2001، في حين أن حوالي (373.713) فلسطينياً يعيشون في محافظة
القدس حسب قيود السلطة الوطنية الفلسطينية.
وتبقي
الحقيقة أن النمو السكاني العربي في القدس ارتفع إلى 4% عام
1999. في حين سجل النمو السكاني اليهودي 1.1% وهو أقل حتى عن
النمو السكاني اليهودي في "إسرائيل"، وقد شهد عام 1998 مغادرة
حوالي 6.300 من السكان اليهود المدينة بسبب ارتفاع نفقات السكن في
المدينة، وقد نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 27 أيلول
(سبتمبر)2000 ملخصاً لدراسة أعدها باحثون إسرائيليون في معهد
القدس للدراسات الإسرائيلية أن حوالي (56%) من سكان القدس يقيمون
في الجزء الذي جري ضمه عام 1967 وأن حوالي (46%) من سكان القدس
الشرقية هم من اليهود ويشكلون ما نسبته 38% من المجموع الكلي لسكان
القدس.
(4) إخراج
قرى ومناطق عربية من حدود بلدية القدس وبالتالي التخلص من السكان
العرب (كفر عقب، منطقة مطار القدس) وتقوم الخطة على الخطوات
التالية:
* تعزيز
الوجود الإسرائيلي الأمني والاستيطاني خارج حدود بلدية القدس بإقامة
ثلاثة أحزمة استيطانية وفي مقدمتها حزام مستعمرتي جبل أبو غنيم
وجيلو.
* إنشاء
لواء عسكري خاص يكون مسئولاً عن إغلاق القدس وفصل مناطق كثيرة بواسطة
حواجز عسكرية وليس (شرطية) عن مركز المدنية.
* إغلاق
جميع المؤسسات الفلسطينية الموجودة في القدس وإبعاد الشخصيات الوطنية
أو التحقيق معها وإبلاغها بأنها شخصيات غير مرغوب فيها.
* سحب
الهويات الإسرائيلية من المواطنين المقدسيين الساكنين في المناطق
التي سيتم تحويلها إلى مناطق فلسطينية (مثل بيت حنينا) وتسليمهم
هويات فلسطينية مع أبنائهم تحت السيطرة الإسرائيلية (منطقة ج).
* ربط حزام
القدس الشرقي بالقدس الغربية عن طريق الإنفاق التي تشق الآن (جبل
الشارف وجبل الزيتون).
وفي زحمة
الأحداث العصيبة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط حالياً وحالة الحرب
المدمرة التي تشنها آلة الحرب الشارونية على المناطق الفلسطينية
الآمنة في الضفة وغزة لا تزال "إسرائيل" تواصل عملية تهويد القدس
الكبرى وفق المخطط المرسوم والمبرمج.. والخوف كل الخوف أن تستكمل
"إسرائيل" مخططهاً وتفرض أمراً واقعاً بالتنسيق مع الولايات المتحدة
حليفتها الاستراتيجية.
|