الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة

 

القدس بعيون عربية:

مفكرون و مثقفون توحدهم عروبة و إسلامية القدس و خطر تهويدها

إجماع على أن " القدس إسلامية عربية موحدة كاملة و لا للسيادة المشتركة"

إعداد : قدس برس

تشكل مدينة القدس العربية المحتلة عنوان صراع ومواجهة بين الدولة العبرية التي احتلت المدينة المقدسة عامي 1948 و1967 والفلسطينيين الذين يحظى موقفهم السياسي بإسناد ودعم عربي وإسلامي، ومن غالبية كبيرة من دول العالم التي لا تعترف وفق القوانين الدولية بالاحتلال الصهيوني لشطري المدينة الغربي والشرقي، ويضمن ذلك البلدة القديمة، والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.

ونظرا للأهمية التي تحتلها القدس، وتمركز الصراع بشأنها عند نقطة حادة، فقد تم إجراء  استطلاع آراء قرابة ألف وخمس مائة شخصية من المفكرين والمثقفين والأكاديميين وقادة الرأي العام في المجتمع المدني داخل الوطن العربي وخارجه، وفيما يلي نخبة من هذه الآراء:

 

- الشيخ أحمد ياسين (مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" - غزة):

تعتبر قضية القدس قضية خطيرة وحاسمة، لأنها تمس عقيدة كل مسلم في العالم وحضارته وتراثه. تنبع أهمية القدس بالنسبة لنا من كونها قبلة المسلمين الأولى ومن كونها جزءا من عقيدة المسلم، فهي آية من كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والقدس أرض مباركة باركها الله وبارك من حولها، فقد أسري إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج منها إلى السماء، كما تسلم مفاتيحها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضحى المسلمون بدمائهم من أجلها وحرروها من الغزو الصليبي على يد صلاح الدين الأيوبي.

نحن نرفض أي تنازل عن القدس أو أي جزء منها، أو أي ذرة من ترابها، كما نرفض السيادة الصهيونية الفلسطينية المشتركة عليها، فلا بد أن تكون السيادة عليها للمسلمين، لذا فإننا سنقاوم بشدة أي سيادة صهيونية أو دولية عليها ونعتبر التسوية الحالية التي تسعى أمريكا والصهيونية العالمية إلى فرضها على شعبنا الفلسطيني تسوية ظالمة، لأنها تعمل على تصفية القضية الفلسطينية لصالح وجود الكيان الصهيوني وأمنه واستقراره على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وسيادته وأمنه على كامل ترابه الوطني.

 

- منير شفيق (كاتب - رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في منظمة التحرير الفلسطينية سابقا - عمان):

أنظر إلى قضية القدس باعتبارها قضية عربية إسلامية وفلسطينية من الدرجة الأولى. فالقدس كلها بشطريها الغربي والشرقي عربية إسلامية ولا يجوز التفريط بها، ولا بأي جزء منها.

وبالمناسبة، أنا من مواليد القدس ومن شطرها الغربي الذي احتل في عام 1948، وفي ربوعه عشت طفولتي وأجمل أيام حياتي، وما زالت ذكريات حي القطمون تلح عليّ كلما ذكرت القدس، أو عدت إلى تلك الأيام. فالقدس غربها قبل شرقها بالنسبة إلي مسألة شخصية كذلك. ولشد ما يحزنني أن يقع التمسك بالقدس الشرقية دون الغربية. فكيف تُنسى القدس الأخرى وهي أقرب إلى المسجد الأقصى من حبل الوريد بالنسبة إليك أو إليّ.

أما أهمية القدس فتنبع من كونها بالنسبة إلى المسلم جزءاً من العقيدة وجزءاً من الأرض الموقوفة على الأمة والتي تقع في القلب من دار الإسلام. وهي بالنسبة للنصراني العربي جزء من وجوده العربي في فلسطين، فضلاً عن كونها جزءاً من تاريخه المسيحي العربي والعربي الإسلامي.

القدس رمز لعزة الأمة أو هوانها، فإذا كانت تحت سيادة الأمة .. فالأمة في حال عزة، وإذا خرجت من سيادتها فالأمة في ذلة وهوان. هكذا كان تاريخ علاقتها بالأمة، وسيبقى كذلك. ولعل ما تمثله القدس من رمز يفسر ما تشكله من عقدة مركزية في القضية الفلسطينية، بل في مجمل الصراع في المنطقة.

ومن هنا يجب التأكيد على أن ليس من حق الفلسطينيين حتى مجتمعين أن يقرروا مصير القدس عدا باتجاه واحد .. وهو تحريرها بلا قيد أو شرط، أو اعتراف بأي حق أو سيادة للدولة العبرية على أي جزء منها.

وإن الأمر لكذلك بالنسبة إلى يسمى السيادة المشتركة، وهي فرضية وهمية، ولكن حتى لو لم تكن وهمية فإن القبول بأي حق للصهاينة فيها (القدس) أو المشاركة في السيادة عليها يبدأ مسلسل التنازلات حتى نصل إلى ما وصلت إليه مفاوضات كامب ديفيد.

أما مسار التسوية فيجب أن يتوقف، فقد كفاه عشر سنوات لم يُوصل إلا إلى الكوارث .. كارثة تلو أخرى على الحقوق والثوابت كما على الشعب الفلسطيني وقضية القدس. فالاحتلال ما زال قائماً، والاستيطان ما زال متوسعاً ومستمراً، والقدس أصبحت مصادرة وتحولت الضغوط لاتخاذ اعتراف من قبل الفلسطينيين والعرب بتهويدها وضمها للدولة العبرية مع (منحهم) بعض الممرات إلى الأماكن المقدسة تحت إشراف جيش الاحتلال .. إن تسوية تلد اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقات وتصل إلى مفاوضات كامب ديفيد يجب أن تنتهي غير مأسوف عليها.

 

- الدكتور عبد اللطيف عربيات (أمين عام جبهة العمل الإسلامي - عمان):

للقدس مكانة خاصة في نفوس المسلمين الذين يشكلون ربع سكان الكرة الأرضية: فهي قبلة المسلمين الأولى ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماوات العلى، وفيها الأقصى الذي بارك الله من حوله مباركة تشمل جميع بلاد الشام، كما أجمع علماء المسلمين على ذلك، وهي من القرى التي بارك الله فيها، وهي موطن الرباط والجهاد فيها وفي أكنافها إلى يوم القيامة، كما أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهي التي تشد إليها الرحال كما جاء في حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهي التي تميزت دون أرض الله من بلاد المسلمين بأن تسلّم مفاتيحها خليفة رسول الله الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي التي يحيط بها معسكر الفتح من صحابة رسول الله كأمين الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة وبقية الصحابة، وتقابلها من الجهة الشرقية مؤتة، مؤتة الفتح وبوابة النصر في اليرموك.

إن بلداً بهذه المواصفات لا يمكن وصفها إلا أنها تعيش في سويداء قلوب المؤمنين على الكرة الأرضية، ومن هنا تأتي أهميتها لنا نحن هنا في الأردن الذين نعيش شرقي النهر في أرض الرباط والحشد، في صميم ثغر أمة الإسلام في مواجهة تحدي قوى البغي الصهيوني والغربي.

فالقدس قضيتنا الأولى، ونحن في هذه البقعة التي باركها الله من حول الأقصى، وفي الكنف الأول من أكناف بيت المقدس، والتي ننظر من جبالها الشماء إلى القدس الأسير ونراها مكبلة بأصفاد يهود، وننظر من ورائنا إلى تخاذل البعض من العرب والمسلمين، ونرى درجة الهوان وزوال المهابة من أبناء العروبة والإسلام، وإننا نعد العدة وننتظر ونستشرف بوادر النصر تلوح في الأفق، وكلنا أمل أن يتحقق ذلك في القريب العاجل إن شاء الله.

هذه هي القدس وفلسطين التي استهدفتها مخططات العدوان الصهيوني الغربي، وجعلت هذه البقعة الطاهرة من أرض الله معسكراً متقدماً ضد أمة الإسلام، وفصلت شرق البلاد العربية عن غربها، وجعلت من فلسطين منطلقاً يستهدف كيان الأمة بكاملها.

ولقد تحقق للمشروع الصهيوني ما خطط له خلال قرن من الزمان، فمنذ مؤتمر بال بقيادة هرتزل عام 1897 والزحف الصهيوني المبرمج مستمر على شكل مراحل انتهت باعتراف من أُعدّ لهذه الغاية في أوسلو عام 1993 مروراً بإقامة الكيان عام 1948، وباستكمال السيطرة على كامل فلسطين عام 1967، وبإلقاء السلاح وهجر الجهاد والدخول في العملية السلمية المخطط لها، وإنني أنظر إلى قضية الاعتراف وما تبع ذلك من تنازلات في كافة المجالات بأنه أخطر ما مرت به القضية الفلسطينية.

إننا نؤكد وبشكل قاطع إخفاق أولئك الذين نُدبوا لهذه المهمة بعد أن ألقوا السلاح ثم وضعوا في النفق المظلم الذي لا مخرج فيه إلا بالتنازل عن القدس وفلسطين، وبالاعتراف بالسيادة الصهيونية على كل فلسطين، وهذا ما رفضناه ونرفضه رفضاً قاطعاً.

لقد أعلناها منذ بداية ما سمي بالعملية السلمية أن يهود لن يعطوا شيئاً، وبنينا استراتيجيتنا السياسية على هذا الأساس، وأعلنا بطلان أي اتفاق مع يهود أو اعتراف أو تنازل منطلقين من قوله سبحانه وتعالى عن يهود «أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً»، وهذا ما ثبت فعلاً بعد سنوات من المفاوضات العبثية معهم، وإننا ندعو جميع من يهمهم أمر فلسطين وضع حد لهذه المهازل التي تجرجر بها الفلسطينيون ويسحبون إلى مهاوي الردى في ما يخص قضية الأمة كل الأمة .. قضية فلسطين.

وإننا نكرر ونعلن أن أرض فلسطين وجوهرها القدس هي أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن أي شبر منها، ونطالب أحرار العالم بعودة جميع أبناء فلسطين إلى أرضهم كاملة غير منقوصة، والتعويض عن سنوات الشتات والعذاب التي عاشها الشعب الفلسطيني عبر ما يزيد عن نصف قرن، وتتحمل الأمم المتحدة وكل القوى المساندة للمخطط الصهيوني نتيجة هذا الأذى الذي لحق بالشعب الفلسطيني.

 

- الدكتور عبد الحميد الإبراهيمي (رئيس الحكومة الجزائرية بين عامي 1984 – 1988- لندن):

أعتقد أن لقضية القدس بعدان: بعد فلسطيني وطني, وبعد عربي وإسلامي. وفي ما يتعلق بالبعد الفلسطيني ففي نظري لا يمكن فصل قضية القدس عن القضايا الأخرى العالقة, مثل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم, وكذلك تفكيك المستوطنات الصهيونية, لأن كل هذه القضايا نجمت عن الاحتلال العسكري الصهيوني, وعن سياسة القمع والظلم, التي تعرض لها الفلسطينيون منذ عقود.

وهكذا تظل قضية القدس والقضايا الجوهرية الأخرى مرتبطة بحق الفلسطينيين في إقامة دولة فلسطينية مستقلة, وبتصفية الاستعمار الصهيوني, ووضع حد للهيمنة الصهيونية, ووضع حد للعنف الصهيوني المسلط على الشعب الفلسطيني, وهو عنف يتميز بانتهاكه الصارخ للقوانين الدولية, وقرارات الأمم المتحدة, وخاصة القرار المتعلق بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره, في ظل ميثاق الأمم المتحدة, وهو حق عمل الصهاينة على تجاهله واستبعاده.

أما في ما يتعلّق بالبعد العربي والإسلامي, فالقدس مدينة مقدّسة, وهي رمز يمتاز بطابع خاص عبر التاريخ القديم والحديث. وقد استطاعت القدس أن تحافظ على هويتها العربية والإسلامية رغم كل المحاولات الاستيلاء عليها بالحديد والنار عبر القرون, وخاصة بعد إقامة الدولة العبرية, واحتلالها من جديد في عام 1967 للمدينة المقدسة.

وأي تنازل عن بعض أجزاء من القدس, وعن السيادة الكاملة عليها, يعتبر في نظري تنازلا اعتباطيا للكيان, وسيكون من دون مبرر, وعلى حساب المصلحة العليا لفلسطين, وللقضية الفلسطينية, وللأمة العربية والإسلامية.

وأما بالنسبة لي شخصيا فالقدس رمز بل أكثر من رمز, وهي تحتل مكانة خاصة ليس لديّ أنا فحسب, بل لدى كل عربي وكل مسلم. ومن المستحيل التخلي عنها.. وإذا ما حصل تنازل عنها فالحل سيكون حلا منقوصا وجزئيا, وستبقى الأمور معقّدة, وطال الزمن أو قصر لابد من استعادة القدس.

 

- حسن يوسف (سياسي فلسطيني – قيادي في حركة المقاومة الإسلامية - نابلس):

القدس بالنسبة لنا هي قلب الأمة النابض، هي أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين ومهوى أفئدة المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها والقدس التي نؤمن بها هي جغرافيا فليست ما يشاع أنها القدس الشريف بمعنى أنها الأماكن المقدسة والطريق المؤدية إليها فليست هي الأقصى أو القيامة وإن كان لهذه المعالم بالغ الأهمية في عقيدة الأمة وفكرها فهي أرض وسماء وأزقة وشوارع وقباب ومآذن ومساجد وكنائس. وفي كل ذرة منها، أنها هي المصرارة وباب المغاربة وحيها الذي هدم ليهجر سكانه في منطقة قريبة منه أنها حائط البراق وباب الخليل والساهرة ووادي الجوز وحي القطمون إلى غير ذلك من المعالم.

إن القدس أرض طيبة بارك الله فيها يوم أن شرفها الله بحادثة الإسراء والمعراج فهي بوابة السماء فأصبحت هي وكل أرضنا جزءا من العقيدة والتنازل عنها أو عن أي جزء منها يعني التنازل عن جزء من العقيدة فهو حرام ليس بعده حرام.

إن السيادة عليها وبكل معالمها يجب أن تكون للأمة وللشعب الفلسطيني كونهم ينوبون عنها، وهم في الخندق المتقدم يحرسون الأرض والمقدسات ونحن نرفض وبشدة أن تكون السيادة لغيرنا عليها سواء كانت كاملة أو منقوصة لأن معنى ذلك إتاحة المجال للغاصب لأن يعبث بالمقدسات ويفرض وقائع ويسعى جاهدا لتهويدها وطمس معالمها وهدم مسجدها وإقامة ما يسمى الهيكل المزعوم مكانه والذي أثبت الحفريات منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود ونصف أن لا أثر لذلك ولا لغيره لا من قريب ولا من بعيد.

إن من أكبر المخاطر أن يقدم شخص أو فئة أو منظمة أو جيل أن يرضى بتقاسم السيادة أو التنازل عنها أو عن أجزاء أو عن أي جزء منها فهي ليست ملكا لأحد ممن ذكرنا إنما لأجيال الأمة إلى قيام الساعة صحيح. إن الأمة في حالة ضعف في ظل اختلال موازين القوى ولكن لا يعني ذلك التسليم بسياسة الأمر الواقع فالقوي لا يبقى قويا والضعيف لا يبقى ضعيفا وقد عاشت فلسطين والقدس خاصة والأمة كافة ظروفا أقسى وأضعف ولكنها لم تسلم للباطل ولم تقر له بأي حق في هذه الأرض ونحن لم نسلم بأي اتفاقية تقر بحق السيادة لغير شعبنا أو سيادة مشتركة أو تقاسم لها تحت عناوين إنجاح مسار التسوية.

 

- الدكتور محمد عمارة (كاتب ومفكر - باحث في التاريخ الإسلامي - القاهرة):

القدس - كل القدس - حرم مقدس, كما أن مكة - كل مكة - حرم مقدس, ولقد أطلق القرآن الكريم على هذه المدينة المقدسة مصطلح "المسجد" قبل الفتح الإسلامي لها, وقبل بناء المساجد الإسلامية فيها, فهي "مسجد" كما أن مكة "مسجد" أي قبلة للساجدين, حدث ذلك منذ العام الثاني قبل الهجرة - عام معجزة الإسراء - "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" (سورة الإسراء/ الآية 1), فالإسراء قد حدث من مكة - المسجد - إلى القدس - المسجد - وهو قد أقام رباطا بين هذين الحرمين المقدسين, وهو رباط يجسد وحدة الدين الإلهي عبر كل النبوات والرسالات.

ولتقديس الإسلام لهذه المدينة باعتبارها مسجدا وحرما وقبلة للنبوات السابقة, فإننا يجب أن نتعامل معها في هذا الطور من أطوار الصراع التاريخي حولها وعليها, باعتبارها أكثر من قطعة أرض, وأعظم من كونها قلب الصراع العربي - الصهيوني, إنها كل ذلك وأعظم من ذلك، فإنها جزء من عقيدة أمة يبلغ تعدادها مليارا وثلث المليار, وليست مجرد قضية وطنية لثمانية ملايين من الفلسطينيين, ولا مجرد مشكلة قومية لأقل من ثلاث مائة مليون عربي, إنها عاصمة الوطن الفلسطيني, ومحور الصراع العربي - الصهيوني, وفوق كل ذلك فهي عقيدة إسلامية وحرم مقدس, والرباط بينها وبين الحرم المكي هو التجسيد لعقيدة وحدة دين الله التي جاء بها الإسلام.

وعليه فإن إسلامية القدس وإسلامية موقفنا في الصراع حولها, يضيف للإمكانات الوطنية الفلسطينية والطاقات القومية العربية ولا ينقص منها, بل إن ما نواجهه في فلسطين من مشروع استعماري استيطاني عنصري مصحوب بادعاءات أسطورية دينية لهذا المشروع تجعل من استدعاء الأبعاد الدينية الإسلامية لموقفنا من هذه القضية ضرورة صراعية, فضلا عن أنها دين واعتقاد, والذين يخافون من أسلمة الصراع حول القدس وفلسطين - حتى إن حسنت نواياهم - هم كالسفهاء الذين لا يعرفون قيمة "الأسلحة الإيمانية" التي ورثوها عن الأجداد في هذا الصراع التاريخي الطويل, وهم بهذا السفه إنما ينزعون من الأمة أمضى أسلحتها في هذا الصراع, فيرجحون بذلك كفة الأعداء في هذا الصراع.

ولقد تميزت السلطة الإسلامية عبر تاريخ السيادة السياسية للدولة الإسلامية على مدينة القدس, بإشاعة قدسيتها لكل أصحاب المقدسات من أبناء كل الشرائع السماوية, فكانت الدولة الإسلامية وحدها والسلطة الإسلامية دون غيرها هي المؤتمنة والأمينة على المقدسات غير الإسلامية في هذا الحرم القدسي الشريف, بينما كان العكس - أي الاحتكار - هو موقف كل السلطات غير الإسلامية التي استولت على مدينة القدس, فالرومان قد احتكروها لأنفسهم دون اليهود والنصارى في حقبة الوثنية الرومانية, وبعد أن دخلوا في النصرانية احتكروها دون اليهود, وعندما فتح المسلمون القدس كان من مطالب أهلها - النصارى - أن لا يسكن فيها أحد من اليهود, ولا أحد من اللصوص.

وصنع هذا الاحتكار أيضا الصليبيون الذين احتلوها تسعين عاما, فبعد أن ذبحوا اليهود مع المسلمين احتكروا مقدسات المدينة، حتى لقد حولوا المسجد الأقصى إلى كنيسة لاتينية, وإلى اصطبل لخيولهم، ونفس الاحتكار يصنعه الصهاينة اليوم عندما يطاردون الوجود العربي فيها - إسلاميا ونصرانيا - ويهددون المقدسات بالاستيلاء والهدم والتحويل.

 

- الدكتور موسى أبو مرزوق (عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" - مسؤول ملف اللاجئين - دمشق):

القدس قضية العرب والمسلمين والفلسطينيين، ولا يملك أحد التنازل عنها أو عن أي شبر من فلسطين. القدس تاريخياً مدينة عربية، منذ أن سكنها العموريون والكنعانيون واليبوسيون، وتقلب عليها الفراعنة واليهود والفرس واليونان والرومان حتى جاء الفتح الإسلامي، ولم يكن اليهود هم الوحيدون الذين سكنوا القدس، وارتباطنا نحن المسلمين بها لأننا ورثة الأنبياء، وهي أولى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

احتلها الصليبيون عام 1099 وخضعت لحكمهم 88 عاماً وارتكبوا في حق سكانها أبشع الجرائم، وقتلوا غالبية أهلها، وحولوا المسجد الأقصى إلى إسطبل لخيولهم، ما زالت آثاره موجودة أسفل المسجد الأقصى الحالي، وقد انتصر صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين عام 1187 وبعدها حرر القدس وسمح للصليبيين بالمغادرة، وأنزل الصليب وأقام في المسجد الأقصى المنبر الذي سُمي باسمه حتى الآن، وتعرضت القدس بعد ذلك لحكم الصليب مرتين، الأولى عندما سلمها الملك الكامل عام 1229م لملك صقلية فردريك لمدة 11 عاماً واستردها الملك الناصر ليعود ويسلمها مرة ثانية مدة أربع سنوات إلى أن استردها الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 1244.

وبعدها ظلت القدس في أيدي العثمانيين حتى الاحتلال الإنجليزي، وهم، أي العثمانيون، الذين بنوا أسوار القدس حيث تحددت المدينة وبُنيت لها سبع بوابات هي: الخليل والحديد والساهرة والمغاربة والأسباط والنبي داود وباب العمود وبوابة دمشق، وحتى أواخر الحكم العثماني لم يكن من اليهود في فلسطين غير 10 آلاف نسمة، وفي العهد البريطاني سمح لليهود بالهجرة من الخارج حتى الاحتلال الأول عام 1948 ثم الاحتلال الثاني عام 1967.

ولا يوجد من يحفظ القدس وقدسيتها مثل المسلمين، وقد ربطها الله سبحانه وتعالى بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، وحمى المسلمون المدينة ومن فيها، وليس كما يفعل اليهود من محاولات لطمس معالمها وتغيير بنيتها ومحاولة هدم مساجدها وإحراق المسجد الأقصى ومنبر صلاح الدين.

لقد اصطفى الله من عباده أناساً، فمنهم من اختاره رسولاً أو نبياً ومنهم من اجتباه شهيداً أو صالحاً واصطفى من الأرض بلاداً فباركها أو حرمها، والقدس عندنا هي المدينة، وهي المسجد، وهي فلسطين كل فلسطين، "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله" (الإسراء/ 1).

وفلسطين جُبلت بدماء الصحابة والمسلمين والعرب والفلسطينيين لمئات السنين، فلا تكاد تمرّ على مدينة إلا وتحدثك عن تاريخها وسيرة الأنبياء في فلسطين، ونحن أولى بهم، لأننا نؤمن بنبوتهم، وهم جزء من عقيدتنا وإيماننا الذي لا يكتمل إلا بالإيمان بهم. فالقدس جزء من عقيدتنا والحفاظ عليها واجبٌ ديني، وواجب وطني، وواجب قومي، وهي درة مدن فلسطين وعاصمتها إن شاء الله.

نحن لا نرى أن للدولة العبرية حقا في فلسطين أو أي جزء منها، فهذه دول مغتصبة طردت الفلسطينيين من أرضهم وديارهم، فلا يصح لمسلم التعاون معها أو الاعتراف بها، وواجب العرب والمسلمين العمل على تحرير الأرض ورد الحقوق إلى أصحابها.

والقدس قطعة من فلسطين ينطبق عليها ما ينطبق على كل أرض فلسطين، وإن كانت تتميز بالخصوصية لضمّها المسجد الأقصى ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمسلمين، وكنيسة القيامة وطريق الآلام بالنسبة للمسيحيين، وهذه حقوق تُفتدى بالأرواح ولا يمكن التفريط بها.

ولا توجد سيادة مشتركة على المدينة لا في القانون الدولي ولا في أرض الواقع، ولكن المطروح هو تقاسم وظيفي في منطقة، وسيادة كاملة في منطقة أخرى، والنموذج المطروح هو مدينة الخليل المقسمة، والصهاينة يريدون سيادة كاملة على المدينة القديمة، بينما يربط المسجد الأقصى وكنيسة القيامة بطريق خاص ويرفع عليهما العلم الفلسطيني، وهذا أمر لا يمكن الموافقة عليه.

 

- الدكتور عزام التميمي (مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي - لندن):

لا تقتصر أهمية القدس على مكانتها الدينية عند المسلمين كأول قبلة وثالث مسجد تشد الرحال إليه, بل تتجاوز ذلك لتشكل رمزا وشاهدا على عروبة وإسلامية فلسطين وسائر بلاد الشام, قلب العالمين العربي والإسلامي, ومؤشرا عبر التاريخ على صحوة المسلمين أو غفلتهم, قوتهم أو ضعفهم, عزتهم أو هوانهم.

ولذلك فإن التفاوض على أجزاء من القدس, والتجادل حول الصلاحيات الإدارية, والاختلاف حول الحصص السيادية إنما هو من الخطأ الفادح, فالقدس غير قابلة للتجزئة، كما أن فلسطين بأسرها غير قابلة للتقسيم.

يعني ما سبق أن مبدأ التفاوض حول القدس مرفوض من أساسه شكلا ومضمونا، لأن مثل هذا التفاوض يكمن فيه الاعتراف للمعتدي بشرعية امتلاك ما نهب وسلب في غفلة من أصحاب الدار، ولأن مثل هذا الاعتراف بشرعية الوجود الصهيوني والسياسة الصهيونية إنما هو حكم على القدس بالبقاء في الأسر، وأن لا تظل مفتوحة أمام كل المؤمنين, مسلمين ومسيحيين ويهود. فالقدس لم تكن يوما مفتوحة, إلا في ظل الحكم الإسلامي الذي يفرض على أتباعه الاعتراف بالآخر مهما بلغ جنوح هذا الآخر، طالما أنه في تعامله الدنيوي يلتزم بمبادئ العدل التي إنما جاء الوحي لترسيخها.

 

- الدكتور محمد علي داهش (باحث ومؤرخ - محاضر في كلية الآداب في جامعة الموصل - الموصل)

كانت القدس وستبقى علامة مهمة في تاريخ الإنسانية وموحدة لمشاعر شعوب ثلاث قارات ترتبط بأرض فلسطين، والقدس موحدة عقائد مشاعر أبناء ثلاث ديانات سماوية، والقدس التي وحدت الإنسانية هي القدس الموحدة التي لم تشهد السلام إلا في ظل الإسلام ولا بد أن تبقى كذلك.

لم تكن القدس في يوم من الأيام قدسين كما اصطلح على تسميتها في المرحلة الأخيرة "القدس الشرقية" و"القدس الغربية" !!. بعبارة أخرى هل يصح أن ينشطر الجسد الواحد إلى نصفين ويحيا حياة طبيعية؟.

يخبرنا التاريخ أن مدينة "يبوس" من أقدم المدن العربية العريقة في تاريخ الأمة العربية، فقد بناها الكنعانيون العرب في الألف الثالث قبل الميلاد وسميت "يبوس" على اسم إحدى قبائلهم "اليبوسيون"، كما بنى الكنعانيون غيرها من مدن فلسطين حتى سميت "أرض كنعان" التي عرفت بأنها "تفيض لبنا وعسلا" ما جعلها محط أنظار القوى الأجنبية وأطماعها على مر العصور، إذ غزاها اليونانيون والفرس وتسلط عليها اليهود والرومان والبيزنطيون وحررها البابليون والآشوريون ثم العرب المسلمون في السنة الخامسة عشرة للهجرة الموافق سنة 638 للميلاد.

عرفت مدينة "يبوس" باسم "القدس" وتعني "الطهر من الدنس والنقاء من الشوائب والصفاء من التعكير"، وبيت المقدس يعني "مكان الطهر من الدنس والذنوب ومكان العبادة المتنزه عن الدنيا وهو المكان الذي يتبرك منه الخلق ابتغاء مرضاة الخالق وطلبا لمغفرته وعفوه". ونشأت العلاقة بين القدس والإسلام حينما أسرى الله سبحانه وتعالى بعبده محمد "صلى الله عليه وسلم" من مكة إليها ثم عرج إلى السماوات العلى.

تعرضت فلسطين ومدينة القدس إلى غزوتين استيطانيتين غربيتين في العصر الوسيط والحديث. وواصلت مدينة القدس مسيرتها في ظل الحكم العربي والإسلامي حتى نهاية العصر الحديث، حيث بدأت الغزوة الأوربية والصهيونية الثالثة لفلسطين وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى إذ كان التحالف البريطاني الصهيوني في وعد بلفور المشؤوم عام 1917 وما أعقب ذلك من إخضاع فلسطين للاحتلال البريطاني حتى عام 1948 حين أعلن تأسيس الكيان الصهيوني وبدعم وإسناد بريطاني وأمريكي غربي فكانت بداية مرحلة جديدة من الاحتلال الاستيطاني.

وظلت مدينة القدس عبر تاريخها الطويل الممتد إلى حدود خمسة آلاف عام حتى الحقبة المعاصرة مدينة عربية ولم يستطع الكيان الصهيوني أن يفرض عليها الاحتلال حتى نكسة حزيران (يونيو) عام 1967 ومنذ تلك المدة وحتى الآن يسعى هذا الكيان العنصري الغاصب وبدعم وإسناد أمريكي غربي إلى تهويد القدس ومحاولة جعلها عاصمة لكيانه الغريب من خلال المصادرة والاضطهاد والتهجير والمذابح الدموية بحق الشعب العربي الفلسطيني.

وإذا كانت مرحلة التسعينيات من القرن العشرين قد شهدت المشروعات التسووية للقضية الفلسطينية فإن هذه المحاولات المسمومة لم تقف عند حدود الجسد الفلسطيني وإنما بدأت تسعى "وبعد الإخفاق في جعل القدس عاصمة للكيان الصهيوني" إلى تقسيم القدس إلى شرقية وغربية!!، حيث راحت أطراف التسوية الفلسطينية والعربية الرسمية وعبر اتفاقات التسوية والتطبيع تقبل بهذا الاتجاه للحصول على "كانتونات" فلسطينية والجزء الشرقي من القدس مقابل تكريس الوجود الصهيوني المحتل والاعتراف به على حساب الجسد الفلسطيني عامة، والجسد القدسي خاصة!!.ومن حقنا أن نتساءل متى قسمت القدس عبر تاريخها الطويل؟ ومتى ارتضى العرب والمسلمون تقسيمها مع المحتل الأجنبي؟

كانت "يبوس" واحدة عندما حررها البابليون والآشوريون في القرن الأول الهجري وظلت واحدة عندما فتحها العرب المسلمون في القرن الأول الهجري وظلت واحدة عندما غزاها الفرنجة وحررها صلاح الدين عام 1187 وبقيت واحدة في ظل الاحتلال الثاني البريطاني - الصهيوني حتى منتصف القرن العشرين.

كانت المدينة المقدسة وما زالت واحدة والأرض الفلسطينية واحدة والشعب واحد والشعور والإحساس بالانتماء العربي والإسلامي واحد فما الذي تغير؟ إن الذي تغير هو الموقف السياسي الرسمي لبعض الحكام وأجنحة القوى الفلسطينية والعربية التي ارتضت المهانة والتسليم للصهيونية والإمبريالية وتريد التفريط بالكل في مقابل الجزء.

إن الشعب الفلسطيني والعربي مثلما رفض وقاوم التقسيم لعام 1937 و1947 واستمر يقاوم بعد نكسة حزيران (يونيو) 1967 وبعد ضم القدس وحتى الآن ومثلما رفض الاحتلال ورفض تدويل القدس أيضا سوف يستمر برفضه ومقاومته من أجل حرية البلاد ووحدتها لتبقى مدينة القدس عاصمة فلسطين العربية.

 

الدكتور محمد الهندي (مدير مركز فلسطين للدراسات والبحوث - غزة):

فلسطين هي القضية المركزية للعرب والمسلمين، وهي قلب فلسطين، وبما تحتويه من مقدسات وبما تحمله من معانٍ تعيش في وجدان كل عربي ومسلم وليس من السهل التسامح تجاه أي تفريط فيها.وعندما تم توقيع اتفاق أوسلو تم تسويقه على أنه سيادة كاملة ودولة في الضفة الغربية وقطاع غزة مع كامل القدس الشرقية عاصمة لهذه الدولة، واليوم وبعد أكثر من 7 سنوات من المفاوضات العقيمة حول قضايا المرحلة النهائية وعلى رأسها قضية السيادة على القدس، كان طبيعيا أن تكون هذه القضايا هي قضايا نسف للمسيرة التفاوضية بالكامل.

فمن ناحية هناك إجماع صهيوني على أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لدولتهم،ورغم ذلك فإن الكيان وأمريكا يدركان استحالة التنازل عن القدس من جانب الفلسطينيين والعرب، لذلك تقدمتا باقتراحات أو بدائل شكلية تعتمد في جوهرها على فكرة توسيع نطاق بلدية القدس وإعادة تقسيمها. والتوسع يشتمل على إضافة الكتل الاستيطانية الكبيرة حول القدس، مثل "معاليه أدوميم" و"زبعات زئيف"، إضافة إلى بعض البلدات العربية مثل أبو ديس، ثم تم إعطاء هذه البلدات للسلطة الفلسطينية على أنها جزء من القدس، إلى جانب سيادة بلدية مشتركة على أحياء من المدينة مقابل اعتراف السلطة بالسيادة الصهيونية على باقي المدينة.

 

- الدكتور محمد عويضة (نائب سابق - عضو جبهة العمل الإسلامي - عمان):

قضية القدس تمثل عنوان القضية الفلسطينية وبوابة الصراع، وهي قضية إسلامية, تمثل جزءا من ديننا, فهي قبلة المسلمين الأولى, ومسرى رسولنا صلى الله عليه وسلم , فتحها عمر (بن الخطاب), وحررها صلاح الدين (الأيوبي), وعاش فيها الأنبياء والعباد والعلماء.

وهي بهذا البعد لا تخص أهل فلسطين وحدهم, بل هي عربية إسلامية, وهي أرض وقف إسلامي، وقفها الخليفة عمر بن الخطاب على أجيال المسلمين, فلا يملك أحد كائنا من كان التصرف بها بهذا البعد. وهي من الناحية السياسية والوطنية عاصمة لفلسطين يجب أن تكون السيادة عليها جميعها لأهل فلسطين ممثلين للأمة العربية والإسلامية.

والقدس هي كل القدس, وليست كما درج الإعلام العربي والعالمي تبعا للإعلام الصهيوني على تقسيمها إلى شرقية وغربية, ثم إلى عربية وعبرية, ثم إلى الاقتصار على القدس القديمة, أو ما يعمد البعض إلى تسميته بالقدس الشريف, أو الأماكن الدينية وربما تتحول إلى أبو ديس، وقد تسمى عندئذ بالقدس الشريف, هذه مؤامرة مرت على الأمة ينبغي الحذر منها, فالسيادة للعرب على كل القدس, والوجود الصهيوني في القدس وجود طارئ قائم على احتلال الأرض وتهجير أهلها الشرعيين, ولا يستند إلى أي شرعية, غير العدوان, وكل القرارات الدولية تقرر هذه الحقيقة, حقيقة أن القدس للعرب وحدهم وليس للصهاينة فيها أي حق. وعند الحديث عن السيادة لا بد من التأكيد على أن المراد السيادة السياسية الكاملة, غير المنقوصة وليست السيادة الدينية أو الروحية, أو الولاية الدينية على أماكن العبادة ولا المشتركة, كما حاولت وتحاول جهات عديدة منها الفاتيكان والإدارة الأمريكية.

وإذا كان للقدس في ضمير العربي والمسلم هذه المكانة, وإذا كان هذا موقعها من الصراع مع العدو الغاصب, فلا يجوز لأحد كائنا من كان أن يتصرف بشيء من أرضها المقدسة, وما يقال من أن الدول العربية أو مؤتمر القدس في المغرب قد فوض رئيس السلطة الفلسطينية بالتصرف بالقدس لا أساس له من الصحة, وفي حال حدوثه فإن الشعوب ترفضه, وهي صاحبة الحق, ولم تفوض أحدا في القدس, وسيكون لمصير القدس ما بعده من تفجير للصراع وتأكيد على استمراره حتى يعود الحق كاملا لأصحابه الشرعيين.

 

خالد ترعاني (المدير التنفيذي للمنظمة الإسلامية الأمريكية للقدس - واشنطن):

ننظر إلى قضية القدس على أنها قضية فلسطينية وعربية وإسلامية، كما أنها تمسّ كل مسلمي العالم ومسيحييه، ونرى أن ما يحصل فيها الآن هو من أسوأ محاولات التطهير العرقي طويلة الأمد، وهي ليست عملية تطهير عرقي آنية كما حصل في كوسوفا أو رواندا. قضية القدس هي قضية فصل عنصري تقوم به قوات الاحتلال، ومحاولة من قبل الكيان والحركة الصهيونية لتحويل القدس إلى مدينة يهودية مفرغة من عناصرها العربية الإسلامية والمسيحية، باعتبار تلك العناصر الإرث التاريخي لها كمدينة عربية تأسست قبل ظهور اليهودية.

أهمية القدس تنبع من عدة جوانب، فهي مسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وأولى القبلتين، وهي واحدة من ثلاث أقدس بقع في الأرض لدى المسلمين، والمسجد الأقصى ذكره النبي صلى الله عليه وسلم على أنه واحد من ثلاثة مساجد تشد الرحال إليه، ومن هنا تنبع أهمية المدينة الدينية، إلى جانب أهميتها السياسية، كونها العاصمة العربية الواقعة تحت الاحتلال، في وقت انتهى فيه عصر الاحتلالات العسكرية.

أما موقفنا بشأن التنازل عن بعض أجزائها للدولة العبرية، فالقدس باعتراف المجتمع الدولي مدينة تقع تحت الاحتلال العسكري الصهيوني، وهناك فقط دولتان تعترفان بالقدس كعاصمة للكيان، وهما كوستاريكا والسلفادور، أما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن فهم لا يعترفون بالقدس كعاصمة للكيان، كما أن الأخيرة أخذت عضويتها في الأمم المتحدة بناء على قرار رقم 194 والذي يضمن حق عودة الفلسطينيين إلى أرضهم، وبناء على قرار التقسيم الذي يؤكد أن القدس محتلة وليست تحت السيادة الصهيونية أو اليهودية.

التنازل عن القدس أو عن بعض أجزاء المدينة، يعني إعطاء صفة شرعية لهذا الاحتلال بالموافقة عليه أو بعدم المطالبة بأجزاء من القدس، وهذا يشكل مخالفة للقوانين الدولية، بالإضافة الى أن هناك مخالفة للشريعة الدينية .. هناك إجحاف بحق المسلمين والمسيحيين من العرب من أهل القدس، وأي تنازل عن القدس يعني عدم إحقاق الحق لهؤلاء الذين ظلموا وعانوا من الاحتلال.

السيادة المشتركة بين الفلسطينيين والصهاينة من أجل إنجاح مسار التسوية هي تكريس للاحتلال، والسيادة المشتركة ستكون فقط لمصلحة الجانب الصهيوني، خصوصاً أن المساحة التي ستكون عليها تلك السيادة تساوي تقريباً واحدا في المائة من مساحة القدس الكبرى الآن، مما يعني إعطاء الشرعية مرة أخرى للاحتلال الذي صادر تقريباً مائة ضعف من مساحة القدس من أراضي الضفة الغربية، وأقام عليها المستعمرات، وقضية التدويل في عالم أحادي القطبية تتحكم في كثير من سياساته الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمر غير مقبول وغير معقول وسيكون فيه إجحاف للحق الفلسطيني والعربي والمسيحي والمسلم في مدينة القدس.

 

- خليل محمد عامر (أمين عام حركة الخلاص الإسلامي الأرتيرية - الخرطوم):

القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين وهي قضية كل المسلمين, وينبغي أن تظل كذلك, وواجب كل مسلم أن تكون, لا أقول قضيته الثانية, ولكن قضيته الأولى. فاليهود تجمعوا من كل الأصقاع لتحقيق وعد بلفور, وعلى المسلمين أن يوحدوا صفوفهم من أجل العمل على تحريرها. ولكن المشكل أن هذه القضية تحولت من قضية المسلمين كافة إلى قضية العرب لوحدهم, ولكن هي في الحقيقة قضية كل المسلمين, وينبغي أن تكون كذلك. ولا يجوز شرعا ولا واقعا التنازل عن أي جزء من أرض المسلمين, وهي أرض وقف, وينبغي أن تظل باستمرار حقا للمسلمين, وليس لأحد الحق في التنازل عن أي جزء منها, أو القبول بمشاركة الصهاينة في هذه البقعة المقدسة.

ونحن في حركة الخلاص الإسلامي الأرتيري نؤمن بحق, بل بواجب الحفاظ على المقدسات الإسلامية, ومنها فلسطين, ومنها القدس الشريف, فلا نرضى أبدا بضياعها, ولا بتقاسمها مع اليهود. وينبغي على إخواننا الفلسطينيين وإخواننا في السلطة الفلسطينية أن يقوّموا التقويم الصحيح للمحادثات السلمية منذ أوسلو والتي لم تصل إلى أي نتيجة.

صحيح أن هناك الآن وجود للسلطة الفلسطينية في غزة والضفة, ولكن أن يؤدي هذا إلى حصول تنازلات أو القبول بمشاركة الصهاينة للفلسطينيين في القدس فهذا غير مقبول. والفلسطينيون يعرفون أن فلسطين والقدس ليست لهم وحدهم, وإنما هي لكل المسلمين, وينبغي أن تظل كذلك. ونحن مع القدس الإسلامية وأن تظل إسلامية, وندعو الله عز وجل أن يرزقنا المشاركة في تحريرها, وأن يرزقنا شرف الصلاة في المسجد الأقصى المبارك, بعد تحريره إن شاء الله.

 

- عباس أحمد النهاري (عضو المجلس الاستشاري في اليمن - رئيس دائرة التوجيه في التجمع اليمني للإصلاح - صنعاء):

قضية القدس هي قضية الأمة الإسلامية كلها فهي تمثل أهمية عظيمة عندنا لأنها أرض مقدسة فهي أولى القبلتين ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله.

وخلافة الإسلام سوف تكون في أرض الشام ومركزها القدس الشريف بل هي قطب رحى المعارك الأخيرة. وموضوع السلام مع اليهود الغاصبين يُعد وهما وسرابا لأنه غير معتبر شرعا وغير مجد واقعا، ونواياهم التوسعية معروفة، وأساليبهم الماكرة غير خافية عنا.

ليس هناك من يحق له التنازل عن القدس وكل فلسطين لأن التنازل عن الحق العام هو للمسلمين جميعا وعلى هذا أجمعت فتاوى علماء المسلمين. أما الاستدلال أن هذا واقع، لا يجعلنا ننسى أن دوام الحال من المحال والقانون الثابت أن الأيام دول واحتلال فلسطين والقدس لن يكون دائما ولا بد أن تعود الأرض المحتلة إلى أصحابها الحقيقيين. وأعتقد أن تغيير الحال يتطلب الصبر والمصابرة والجهاد المستمر لاقتلاع الاحتلال الصهيوني.

 

- الدكتورة هدى سالم فاخوري (طبيبة - رئيسة لجنة مقاومة التطبيع في نقابة أطباء الأسنان - عمّان):

أرغب في التوضيح لكم أنني ابتداء لا أؤمن بما يسمى التسوية أو بمسارها. كما لا أؤمن بما يسمى "الدولة العبرية" أو بأي حق لها في فلسطين أو الأرض الفلسطينية العربية. فالقدس جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية أو من الأراضي العربية المحتلة. وهي مدينة عربية فلسطينية يقدسها العرب والمسلمون لوجود المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة. أما اليهود كمواطنين عاشوا في فلسطين، فهم "اليهود الشرقيون" جزء منهم عرب يدينون باليهودية، أو هم يهود شرقيون إذا رغبوا في هذه التسمية، ولهم الحق في العيش في فلسطين كمواطنين وليس كحكام، ولكن المهاجرين اليهود الذين أتوا إلى فلسطين من الغرب أو الشرق واحتلوا الأرض العربية الفلسطينية، وأنشأوا ما يسمى بـ"دولة إسرائيل" فليس لهم الحق في الاستمرار في اغتصاب حق الفلسطينيين في التواجد بديلا عنهم، فهذا استعمار استيطاني إحلالي غير شرعي.

لهذا أنا أؤمن أن الزمن قادم لتغيير هذا المنطق الذي طرحت من خلاله الأسئلة، وقد بدأت الصحوة العربية للحق العربي في الأرض المحتلة جميعها بما فيها القدس، والحق في البترول وحق السيادة على ممتلكات الأمة العربية.ولن يطول انتظارنا إذا حددنا هدفنا وعملنا من أجل تحقيقه.

 

- حمد موعد (كاتب - باحث في الشؤون الفلسطينية - دمشق):

 القدس جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية تاريخياً والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 مع مجموعة اعتبارات: أولاً: هي عاصمة فلسطين التاريخية, ثانياً: تضم الأماكن المقدسة, وثالثاً: هي استمرار للتاريخ العربي القديم و للتاريخ العربي الجديد، وبالتالي تشكل قضية القدس جزءاً لا يتجزأ من الأرض العربية المحتلة وجزءاً لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني, وجزءاً لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية السيادية. من هنا تعتبر قضية القدس واحدة من القضايا التي يواجهها الشعب الفلسطيني في نضاله لتحقيق هويته واستقلاله وسيادته ولتحقيق استمراريته على هذه الأرض.

هناك استطلاعات أجريت للرأي العام الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده في 48 وفي 67 وفي الشتات, وهذه الاستطلاعات أجراها جميل رابح وإيلي رادريك وعدد من المراكز البحثية الدولية والفلسطينية, وتؤكد أن قضية القدس تحتل مرتبة أولى بين كافة تجمعات الشعب الفلسطيني, وتليه فوراً كل القضايا الثانية, أي أن هناك إجماعاً فلسطينياً على مركزية قضية القدس وأولويتها وتصدرها سلم أولويات الشعب الفلسطيني في النضال، و بهذا لا يختلف الفلسطينيون في كل مكان على الأرض على هذا الشيء , وقد تجد فوارق في رسم جدول أولويات النضال الوطني الفلسطيني إلا أن هناك إجماعاً في جعل قضية القدس رقم واحد.

الثابت أن الكيان الصهيوني لا يفهم قضية التنازل و يريدون السيطرة على القدس, في البداية كانوا يتحدثون عن القدس الكبرى الآن هناك أشكال مختلفة للطروحات الصهيونية لقضية القدس, وجوهرها يريدون طمس الهوية الوطنية الفلسطينية والعربي والإسلامية والمسيحية في القدس, وهذه الطروحات وضعت على الطاولة حديثاً بعد كامب ديفيد, وبعد هذه القمة أعلن باراك ثلاث قضايا لا يجوز له التنازل فيها هي: أمن الكيان وشعب الكيان ومقدسات الكيان, ويقول علناً إنه يريد أن يستولي على الحرم القدسي الشريف, وباستيلائه على الحرم القدسي الشريف هناك إنكار للحق الفلسطيني في كل القدس, لأنه استناداً إلى الطروحات الصهيونية, فإن الفلسطيني المقيم في القدس هو أجنبي يقيم إقامة دائمة على أرض ليست له وعلى دولة ليست له ولدولة ليست له, وبالتالي يجوز حرمانه من هذه الإقامة في حال ارتكابه مجموعة من الإجراءات مثل ترك المدينة أو عدم تسديد فواتير أو .. الخ.

هناك إجماع في وحدة الخارطة الفلسطينية أنه حتى الآن هناك اجتماع على مركزية القدس في العمل الوطني الفلسطيني, ولا يمكن تقسيم الحرم القدسي إلى ثلاث مناطق أو تقسيم الأماكن المقدسة إلى ثلاث مناطق أو تقسيم الأماكن المقدسة إلى مجموعة جزر أو اعتبارها مدينة الله والسيادة فيها لله أو ترحيلها.

القدس لها قضية رمزية, دولة الكيان لا تريد أن يتحرر اليهودي من ذهنية "أوشفيتس" ولا تريد أن يتحول المجتمع الصهيوني إلى مجتمع مواطن، تريد تأبيد حالة الغيتو, ولذلك يريدون أن يفرضوا العيش على حافة الخطر وعلى حافة الخوف كما كانت تقول غولدا مائير. ولا يوجد فلسطيني على استعداد للتفريط في القدس حتى أصغر طفل فلسطيني ...

 

- حاتم أبو حاتم (عضو اللجنة المركزية للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري - صنعاء):

القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية للشعب الفلسطيني كما أنها أولى القبلتين وثالث الحرمين وأرض الإسراء والمعراج ومهد السيد المسيح بالنسبة للعرب والمسلمين.

وأهميتها تكمن في كونها رمز ا للوجود القومي العربي والإسلامي وهوية للشعب الفلسطيني. وإذا كان الصهاينة المحتلون يرتكزون على أساطير وخرافات وأوهام لتبرير احتلالهم أرض فلسطين ويسوّقون بضاعة الاحتلال أمام العالم فإننا نحن العرب والمسلمين نستند على حقائق التاريخ البعيد والقريب وبصمة الجغرافيا، وإذا كان الاحتلال يبحث هيكله المزعوم تحت ثرى القدس منذ سنين طويلة ولم يخجل من الأثريات التي وجدها والتي تنطق بعروبة القدس وفلسطين فإن لنا الصخرة وقبتها والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وكلها حية شاهدة شامخة على الأرض وليست مطمورة!.

ومن أراد من العرب والمسلمين أن يبوء باللعنة ويتلطخ بالعار ويغامر بوضع حياته ووجوده في يد شعبه فليذهب إلى تل أبيب أو واشنطن ليكتب صك الخيانة وليتنازل عن القدس أو أجزاء منها ثم ليبلّ ورقة التنازل في ماء وليشربها سما زعافا. إن أي اعتراف بالسيادة المشتركة أو التنازل عن بعض أجزاء من القدس للدولة العبرية اللقيطة أعدها خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين من العرب والمسلمين.

 

- الدكتور عبد الولي الشميري (سفير في وزارة الخارجية في الجمهورية اليمنية - صنعاء):

أنظر إلى قضية القدس على أنها قضية القضايا، وأهم ما يشغل بالي على الإطلاق، كيف لا، وهي جزء من عقيدتي التي أعلق عليها أمل الفوز برضوان الله عليَّ. وهي بالنسبة لي أهم من داري وأولادي، بل هي قضية مصير لأمتي بكاملها.

موقفي من التنازل عن بعض أجزاء منها لليهود موقف الرافض الذي لا يستحل ذلك، وإذا حدث شيء من التصالح والمسالمة بين الفلسطينيين واليهود على حساب القدس، فلن يكون السلام مطمئناً لما تخشاه دولة الكيان على مر العصور من ثورة المسلمين وجهادهم لتحرير القدس، وستظل نداءات التحرير قائمة بين الشعوب، ولو استسلمت لذلك الحكومات والدول حالياً، ولن تبقى دولة الكيان بالتأكيد قروناً من الزمن هي الأقوى عسكرياً.

كما لن تكون مناصرتها على الظلم من قبل الغرب دائمة ما دامت البشرية على الأرض؛ فالدنيا دول، وفي تاريخ المغالبة على القدس عبر كثيرة. أما  السيادة المشتركة بين الفلسطينيين والصهاينة فستكون السيادة عمليا للأقوى وهي دولة الكيان، وستكون عمليات الفوضى، والبطش، والتناحر مستمرة، وستتحول القدس إلى مسرح خلافات وتناحر دائمين، وأي تسوية تقوم على هذا الأساس فلن يكتب لها النجاح والاستمرار. ولن يكون السلام الذي تبحث عنه دولة الكيان وأمريكا. ولو قبل الفلسطينيون ذلك. 

 

-رفيق عبد السلام (مدير المركز المغاربي للبحوث والترجمة - لندن):

إن الذي يفرط في القدس كمن يقبل تسليم مخدعه لرجل أجنبي دون أن يستثير الأمر حمية المدافعة أو غريزة الغيرة في نفسه. والقدس التي نقصدها هنا ليست مجرد قبة الصخرة أو المسجد الأقصى على قدسيتهما وجلالهما, بل القدس التاريخية بكل أحيائها وحاراتها، بكل مآذنها وقبابها, وبكل مساجدها وكنائسها, التي هي ملك لثمانية ملايين من أهل فلسطين, وربع مليار عربي, وما يزيد عن المليار مسلم.

إذا لم يكن بمقدور السياسي أن يستعيد كامل الحقوق المغتصبة فليس من حقه أن يصادر مطلب الأجيال القادمة في استعادة الأرض, أو أن يورثها الهزائم والتفريط في المقدسات. لقد تمكنت دولة الاحتلال الصهيوني من قضم ما يقرب من 78 في المائة من أرض فلسطين التاريخية, وقد منحها معسكر أوسلو كامل الشرعية في ذلك، فأصبحت المفاوضات تجري على مساحة ما تبقى من أرض مقطوعة الأوصال, ومنزوعة السيادة والهوية.

والكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية تريدان لحلقة التنازلات والتفريط أن تستكمل مسارها النهائي فيتم التوقيع على معاهدة إذلال وتفريط في القدس, تحت حراب التهديد الممزوج بالوعود والمغريات الخلابة والمخادعة. ومن يتابع مجريات السياسة الأمريكية إزاء مصر بعد قمة كامب ديفيد يلاحظ هذا الأمر جليا وواضحا رغم أن القاهرة من الناحية النظرية على الأقل تعتبر حليفا طبيعيا ونافذة إطلال الإدارة الأمريكية على المنطقة العربية والشرق الأوسط عموما.

إن شعوب أمتنا وأجيالها القادمة لن تغفر لأي حاكم أو مفاوض فرط في أي شبر من القدس, كما ستظل تلاحقه لعناتها إلى يوم الدين, ولن يذكره التاريخ إلا ناكسا للملة والأهل والأرض, كما يذكر اليوم الفرنسيون حكومة فيشي المتعاملة مع الاحتلال النازي لبلادهم.

إن ملف الصراع العربي - الصهيوني يجب النظر إليه ضمن أبعاده التاريخية ومراميه الاستراتيجية, باعتباره مشروعا توسعيا غرس في قلب المنطقة العربية لإعاقة نهوضها ووحدتها, ولحماية مصالح الهيمنة الأجنبية.

ومشروع على هذه الدرجة من المطامح والأهداف ليس من المنتظر حله ببعض التسويات الجزئية, أو ببعض المفاوضات السرية والودية في هذه العاصمة الغربية أو تلك، كما أنه ليس من المحتم على الجيل الحالي أو القادم أن يتحمل بمفرده أعباء الصراع, أو حق اتخاذ القرار في إنهائه أو إغلاقه, لأن عبء التحرير ليس ملقى على كاهل قائد أو منظمة أو حزب أو قطر, بل على جموع أمة العرب والمسلمين وأجيالها القادمة.

يجب أن نحذر باستمرار من خديعة تشتم رائحتها مما يدور على ألسنة قادة الدولة العبرية والمسؤولين الأمريكان مفادها أن صخرة المفاوضات تصطدم بعقبة الإشراف على الأماكن المقدسة، وهذا يعني ضمنيا اختزال ملف القدس في مسألة الإشراف الروحي, كما لو أن بقية ملفات الصراع، مثل السيادة على الأرض والمياه والمعابر والاستيطان وحق العودة كلها قد طويت أو في طريقها نحو الطي.

أما مقولة اقتسام السيادة على القدس فهي في حقيقة الأمر مجرد حيلة لفرض سياسة الأمر الواقع, والاكتفاء ببعض التنازلات الشكلية, التي تضفي شرعية على واقع الاحتلال, إذ تنفرد دولة الكيان بمطلق السيادة على القدس الغربية, وتراهن على أن تكون لها سيادة شبه كاملة على القدس الشرقية.

لقد اشتق المكر الصهيوني المغلف بالإخراج الأمريكي من بدعة جديدة غير مسبوقة ولا معلومة في مجال الفكر السياسي والحقوقي الدولي, هي ما يسمى بالسيادة الأفقية والعمودية. وهذا الأمر إذا ما تمت ترجمته واقعا فهو يعني أن تحتفظ دولة الكيان لنفسها بحق السيادة على الأرض والسكان والمياه وكل شيء, وتكتفي بمنح الفلسطينيين حق رفع الأعلام في الجو, كرمز من رموز السيادة العمودية الموصولة بالسماء لا بالأرض.

 

- الدكتور داود عبدالله (أكاديمي - باحث في مركز العودة الفلسطيني - لندن):

مشكلة القدس جزء من المشكلة الفلسطينية .. فلا يمكن حلهما منفصلتين. بنى القدس أول مرة الكنعانيون العرب الذين جاء الفلسطينيون من نسلهم، وكانت عاصمة فلسطين لآلاف السنين، قبل وصول القبائل اليهودية من مصر. وتسجل هذه الحقيقة "الهيروغليفية" القديمة التي عُثر عليها في مصر العليا.

وبعد الفتح الإسلامي في القرن السابع (الميلادي) أصبحت أرض فلسطين كلها، بما فيها القدس، أرض وقف إسلامي، لا يمكن تأجير جزء منها أو بيعه أو التنازل عنه. وبذا فإن وعد بلفور عام 1917 والانتداب عام 1922 ثم قرار التقسيم عام 1947 كلها مجرد من الشرعية. ويؤكد "عدم القانونية" هذه حقيقة أن الشعب الفلسطيني لم يتنازل قط عن حقوقه السيادية على هذه الأرض.

بالنسبة للقدس، فقد استُولي على شطريها الغربي والشرقي كليهما بالقوة العسكرية في انتهاك للقانون الدولي. وإنني أستنكر بشدة أن المجتمع الدولي، بما فيه العالم الإسلامي، سلم بالاستيلاء على غرب القدس في عام 1948 - 1949، لأن مزاعم اليهود بشأن القدس ليس لها أساس في التاريخ أو القانون، وإنما استخدمت دولة الكيان القوة لتؤكد مزاعمها، ويجب أن ينتهي احتلالها غير القانوني للمدينة فوراً. ولا يجوز التخلي عن أي جزء من القدس لليهود، ومن أراد منهم الإقامة أو أداء الواجبات الدينية فيها، عليه أن يفعل ذلك تحت السيادة والسيطرة  الفلسطينية.

وفي ضوء هذه الحقائق التاريخية الثابتة، فإنني لا أتفق مع أي تسوية تصل إلى حل وسط بشأن الحقوق الفلسطينية والإسلامية في القدس. ومن ثم فإنني أتابع جهدي في توعية الرأي العام المسلم وحشده من أجل استعادة إرثنا الديني في القدس.

 

-صلاح الدين حافظ (الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب – رئيس تحرير "الأهرام الدولي"- القاهرة):

لقد أصبحت قضية القدس على سطح صفيح ساخن، يستحق منا الإسراع بطرقه عبر التحرك الجماعي المكثف على مختلف المستويات، حتى لا تنتقل القضية مرة أخرى إلى التهميش والانزواء، وبيئة التهميش هي البيئة التي تزرع فيها دولة الكيان وتحصد سياسة الأمر الواقع. ومن يقبل اليوم التنازل عن القدس، فقد حقت عليه اللعنة الدينية قبل وبعد الجريمة التاريخية، وكلتاهما في ميزان السيئات تعد كبيرة من الكبائر، لأنها خيانة للدين والعقيدة والحضارة، والتاريخ والماضي، والحاضر والمستقبل, ولا نعتقد أن هناك حاكما أو مسؤولا عربيا مهما علا شأنه, يستطيع أن يجاهر اليوم أو غدا بقبوله التنازل عن معتقد ديني وحق تاريخي، بدأ قبل الميلاد بآلاف السنين، حين بنى العرب الأوائل أساس هذه المدينة، قبل أن يظهر اليهود في سجلات التاريخ ويأتوا إليها، ثم تدعم البناء العربي مسيحيا وإسلاميا فيما بعد في القدس، حتى اليوم دون انقطاع طويل.

لكننا بعد ذلك قبلنا بقيام دولة الكيان الصهيوني على أسنة الرماح الأوروبية - الأمريكية، ثم رفضنا قرار التقسيم عام 1947، لنفقد ما تبقى من فلسطين عام 1967، وها نحن نفاوض ونساوم على شرائح مبعثرة من الأرض لنقيم عليها دولة تتحكم فيها دولة الكيان برا وبحرا وجوا، ثم ها نحن نفاوض على ما تبقى من القدس، من رفض لقرار التقسيم عام 1947 إلى قبول كامب ديفيد عام 1978، ومن رفض كامب ديفيد إلى توقيع أوسلو عام 1993 - 1995، ومن أوسلو - تناقصا - إلى اتفاقات الخليل وشرم الشيخ وواي ريفر، ومن التمرد على كامب ديفيد الثانية إلى قرب التوقيع في كامب ديفيد الثالثة، ومن السيادة الكاملة على القدس الشرقية إلى السيادة الغامضة باسم السيادة الإلهية على المسجد الأقصى.

تنازل مستمر هو عنوان مفاوضات التسوية، المصابة هذه الأيام بحمى اللهفة والعجلة، تحت ضغط أمريكي منحاز وسافر، إن كان فرض حمايته على الكيان الصهيوني فإنه فرض هيمنته وسطوته على العرب الذين يصرون على الانقسام حتى والقدس تضيع .. لقد آن أن نعي جميعا ما قاله صلاح الدين الأيوبي عندما صرخ فيمن حوله وهو يستعد لتحرير القدس: أريد سيوفكم لا دعاءكم.

 

- الدكتور أحمد السيد الصاوي (محاضر في كلية الآثار - قسم الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة - القاهرة):

ينبغي النظر إلى قضية القدس بوصفها جزءا لا يتجزأ من قضية الصراع العربي - الصهيوني، والنزاع حول هذه المدينة المقدسة يكاد يختزل فحوى هذا الصراع وطبيعته كصراع على رقعة جغرافية واحدة هي "فلسطين", وهي حسب مزاعم الحركة الصهيونية تسمى "إسرائيل", واختيار القدس كعاصمة موحدة وأبدية للكيان العنصري, وأيضا كعاصمة للكيان الفلسطيني تعكس الطابع التاريخي - الديني لهذا الصراع. إن قضية القدس تجسد حقيقة الصراع الحضاري بين الصهيونية كوريث إقليمي لحضارة الغرب الاستعمارية وبين الحضارة العربية الإسلامية.

وبالإضافة إلى الأهمية الدينية للقدس سواء بالنسبة للمسيحيين أو للمسلمين بوصفها أولى القبلتين وثالث الحرمين، فإن القدس تمثل نقطة الاستقطاب الأعلى والأوضح في حشد جهود العرب والمسلمين لمواجهة الخطر الصهيوني, إنها بالأدق الشعار العقائدي (الأيديولوجي) الذي لا يحتاج إلى مزيد من الشروحات أو التحليلات, والمدخل الرئيس للوصول إلى قلب وعقل رجل الشارع العادي.

وفي الآونة الأخيرة صار التنازل عن القدس والتسليم بأحقية تل أبيب فيها عنوانا على الانهيار الكامل والانصياع التام للمشيئة الأمريكية والرغبة الصهيونية, فهي بحق علامة دالة على طبيعة الموقف من الصهيونية رغما عن الاستمرار في تقديم تنازلات من أطراف عربية لا تقل من الناحيتين السياسية والاستراتيجية أهمية وخطورة عن التنازل عن القدس ذاتها.

وفيما يتعلق بالتنازل عن جزء من القدس, فأنا لا أوافق بالطبع على التنازل عن أي جزء من المدينة للصهاينة, ولا حتى التسلم بسيطرتها على الجزء الذي احتلته الدولة العبرية قبل عام 1967.

وقد كفانا الصهاينة بأنفسهم مؤونة الحديث في تدويل المدينة أو إخضاع أجزاء منها للسيادة الفلسطينية - الصهيونية المشتركة, بإصرارهم الذي لا يلين على الاحتفاظ بكامل المدينة بين براثن الاغتصاب الصهيوني.

ومن الناحية العملية فإن الاعتقاد بأن تنازل السلطة الفلسطينية في موضوع القدس من شأنه تحريك المسار الفلسطيني نحو تسوية للوضع النهائي, ليس سوى وهم, لأن الوضع النهائي نفسه "وهم كبير"، إذ لا يعدو الأمر حكما ذاتيا للسكان الفلسطينيين لا يرقى بحال من الأحوال إلى السيطرة على الأراضي, ناهيك عن الدولة الفلسطينية التي أرجئ إعلانها غير مرة.

 

- عائشة الأحلس (باحثة - عضو مجلس أمناء مجمع البحوث الإسلامية في المملكة المتحدة - اسكتلندا):

قضية بيت المقدس هي قضية الإسلام الأولى في عصرنا الذي نعيش فيه, وصراع الأجيال المتعاقبة حتى قيام الساعة. لأنها ثاني المسجدين, وأولى القبلتين, ومسرى المصطفى صلى الله عليه وسلم. فلقد بزغ شعاع الأمل للحبيب المصطفى في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس. وسيبقى شعاع الأمل إذا تكاتفت الأمة العربية والإسلامية, وتوحدت دون الرضوخ لأي سيادة على بيت المقدس سوى السيادة الإسلامية, برفع راية الجهاد خفاقة فوق ربوع بيت المقدس.

ولا حل لأي قضية في العالم العربي والإسلامي إلا إذا حلت قضية بيت المقدس, فحل قضايا العالم العربي والإسلامي مرهون بحل تلك القضية. فبيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك ليس خربة أثرية مشاعة للتنقيب فيها عن أباطيل ومزاعم واهية, لا توجد إلا في رؤوس حاقدة لا تعترف بأي قوانين أو شرائع, إلا ما هو مكتوب في تلمودها وبروتوكولاتها.

والعدو الصهيوني يثير, وبطريقة استفزازية, مشاعر المسلمين في كل أنحاء المعمورة باعتدائه على المسجد الأقصى, وهو ما حاولت حكوماته المتعددة كبته على مدار السنين, حتى لا ينفجر البركان الإسلامي الغاضب.

فهل ما يجري على أرض الإسراء والمعراج هو البداية أو الشرارة لمعركة القدس, التي بشرنا بها القرآن الكريم والأحاديث النبوية؟ لا شك أن ما يحدث على أرض الإسراء والمعراج, هو بداية النهاية لاكتمال دورة الباطل, يمكن فيها الدهماء من فرض سيطرتهم الجبرية على الشعب بعصا صهيونية, ليستمر عصر المخاض, الذي سيغربل الناس فيه إلى معسكرين لا ثالث لهما, كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم, في ما يرويه أبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, بقوله "حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه, وفسطاط نفاق لا إيمان فيه", لتكون بذلك نهاية مرحلة التحكم الجبري, الذي سيتبعه بزوغ النور في أرض الأمل والعدل والسلام, ولتصبح عقر دار السيادة الإسلامية وسلطتها, كما بشر عليه السلام.

وبإيجاز فعلى أرض الإسراء فقهنا جدية الأهداف وخطورتها وحقيقتها, وعرفنا طبيعة التحدي ونوعيته, وفيها سيقرر المستقبل العربي والإسلامي, ومنها سينطلق الفتح الإسلامي العالمي" "وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (الروم/ الآية 6).

 

- غازي الصوراني (محام - رئيس منتدى الفكر الديمقراطي - غزة):

إن الوضع القانوني للكيان الصهيوني بالنسبة لجميع الأراضي التي احتلتها قبل عام 1948 وبعده ينطبق تمام الانطباق على وضعها القانوني في ما يتعلق بالأراضي التي استولت عليها منذ الخامس من حزيران (يونيو) 1967. إنه وضع المحتل المحارب، إذ لا تستطيع دولة الكيان ولا تملك الحق في كل الأحوال بالسيادة على الأراضي التي احتلتها، لأن صاحب السيادة الشرعي هو الشعب الفلسطيني الذي يحتفظ بالسيادة القانونية التي لا يمكن أن تلغيها أي اتفاقات تعقد باسمه من أي جهة كانت، إذ أن الاتفاقات التي تتعارض مع حقوق الشعب القانونية والتاريخية تعطي العدو مؤقتاً سيادة في الواقع أو سيادة بالمعنى السياسي المرتبط بالقوة والإكراه، وبالتالي فإن انقضاء الزمن عاجز عن أن يجعل من احتلال الصهاينة الباغي لفلسطين عملاً مشروعاً.

في إطار هذه النظرة الشمولية، ننظر إلى قضية القدس باعتبارها قلب ومحرك ذلك الإطار من حيث الأهمية السياسية والدينية والتاريخية التي لا يمكن إزاحتها من الذهنية العربية الإسلامية والمسيحية في آن واحد، هذه الأهمية لا تتوقف عن الجانب المكاني أو الواقع المادي البشري أو الجغرافي بقدر ما تتغلغل في السيكولوجي الفلسطيني والعربي الداخلي الكامن رغم هذا الواقع المأزوم والمهزوم الذي نعيشه اليوم.

وبالتالي فإن التسليم بأن القدس مدينة موحدة - عاصمة للكيان الصهيوني - سيصيب بالضرر البالغ، الذي سيدفع إلى العزلة الكاملة بين الشعب الفلسطيني - وكافة الشعوب العربية والإسلامية - من جهة، وبين أي قيادة فلسطينية تقبل بهذا التسليم تحت أي ذريعة أو مبرر من جهة أخرى.

ذلك أن الإصرار على أن تكون القدس العربية عاصمة للفلسطينيين موقف تسنده الحقوق التاريخية والقانونية إلى جانب الشرعية الدولية، أما من ناحية السيادة المشتركة عليها، فهو أمر غير قابل للتحقق، خاصة في ظل السياسة العنصرية الصهيونية، عدا عن حقائق الواقع التي تشير إلى الوجود الموضوعي لمجموعتين سكانيتين في القدس - كما في فلسطين عموماً - لكل منهما هوية وطنية مختلفة ونقيضه للهوية الأخرى، وفي هذا السياق لا يمكن للهوية الفلسطينية أن تنتمي للهوية الصهيونية مهما امتلكت هذه الأخيرة من عوامل القوة والإكراه من جهة، ومهما تبدت عوامل الضعف والتراجع العربي في هذه المرحلة.

إذ أن مسألة التوحد أو الاندماج السياسي بين الهويتين لا يعني أن تتم وفق ضرورات الأمر الواقع، أو وفق شروط القوة الصهيونية، لأن رفض التوحد بين الهويتين المتناقضتين لا يعود إلى الحق التاريخي للفلسطينيين والعرب في مدينة القدس وكل فلسطين فحسب، ولكنه يمثل في الحاضر والمستقبل بصورة واعية تستند إلى أن وجود الفلسطينيين ومستقبلهم مرهون بالانتماء إلى محيطهم العربي في المكان والزمان، وهو وجود يعبر عن انتماء عضوي عميق لا تؤثر فيه الهزيمة المؤقتة أو عوامل القوة الصهيونية في اللحظة الراهنة في عالم متغير يقول لنا ببساطة إن المستقبل هو للأمة العربية شرط امتلاكها عناصر القوة والنهوض، وهو مستقبل يعكس نفسه على الفلسطينيين بما يعزز استحالة اندماجهم في إطار الهوية الصهيونية التي لا تتضمن في داخلها مقومات مستقبلها.

ومن هنا فلا مجال للحديث عن إنجاح مسار التسوية عبر التنازل عن السيادة الكاملة للفلسطينيين على القدس بجوامعها وكنائسها وأرضها، وهو موقف لا تنفرد به المعارضة الفلسطينية، ذلك أن المشروع الصهيوني بالنسبة للقدس واللاجئين وحق العودة له أهداف ومطامع يصعب قبولها أو التسليم بها من قبل الفريق الفلسطيني الذي وقع على اتفاقات أوسلو، فالتفاوض على الحل النهائي شيء يختلف جوهرياً في قيمته ومخاطره ومستقبله عن المرحلة الانتقالية، فالوطن لا يعوض، والقدس - بكل ما تمثله - هي درة هذا الوطن وما حوله من محيط عربي وإسلامي .. فهل يمكن تعويضها؟.

 

- محمد الحسناوي (كاتب وروائي من سورية - لندن):

قضية القدس قضية القضايا العربية والإسلامية، وكما يقال: قضية مركزية، بل هي القضية المركزية الأولى في قضايانا المعاصرة، أليست هي أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وفي القدس مسرى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي الأرض المباركة بنص القرآن الكريم، وأرض الوعد الحق بمعركة فاصلة بين المسلمين وأعداء الله، حيث ينتصر جيش الإيمان الحقيقي، ويندحر أعداء الله، حتى لا يبقى حجر ولا شجر إلا ويقول: يا مسلم ورائي يهودي فاقتله. هذه عقيدة إسلامية، قبل أن تكون موقفاً سياسياً أو مرجعاً حضارياً أو حقوقياً نتيجة العدوان والاحتلال بغير حق.

أهمية القدس ترجع إلى أسباب دينية (عقدية) وتاريخية وسياسية، وأسباب أخرى كثيرة، لا ضرورة لذكرها وحصرها هنا. ويكفي السبب الديني الذي أشرت إليه. أما الأسباب التاريخية، فهي كونها إرثاً عربيا إسلامياً قبل الإسلام وبعده، بل قبل اليهودية أيضاً. ولا يمكن لمخلوق كالإنسان العاقل الراشد أن يتخلى عن إرثه التاريخي كالشجرة إذا قطعت من جذورها.

أما أهمية القدس السياسية فهي كونها مهوى قلوب العرب والمسلمين أجمعين. فمهما اختلفوا على شيء، فإنهم لا يختلفون على تعظيم بيت المقدس وتحرير الأقصى السجين, والتضحية في سبيل ذلك بكل غال وثمين. إن رصيد القدس في نقوس العرب والمسلمين أضخم وأعمق من كل ما يتخيله المتخيلون من حكام ومن ساسة غربيين أو شرقيين، وإذا كان هناك ما يحول دون التعبير عن هذه المشاعر المكظومة، فإن يوماً ما سيكشف عن هذا الرصيد الدفين بالتأكيد.

أرفض بشدة وباستنكار أي تنازل عن أي جزء من القدس الشريف للدولة العبرية، وأعتبر ذلك كارثة، وبداية الهزيمة الحقيقية للقضية الفلسطينية برمتها، كما أنه لا يملك فرد ولا حك