|
القدس..
القضية المنسية في القمة التونسية!
بقلم: د. أحمد يوسف القرعي
صحيفة الأهرام
28/5/2004
بحثت عن
القدس ضالتي وضالة كل عربي في وثائق القمة العربية المعقودة في تونس
(22 ـ23 مايو الحالي) وأضناني البحث ولم أجد ضالتي (القدس)
إلا نادراً في 7 كلمات فقط وسط مئات الكلمات، وفي سطور معدودة وسط
مئات السطور، وفي فقرات ثلاث فقط وسط عشرات الفقرات، يحدث هذا بينما
تشهد المدينة المقدسة أحداث الفصل الأخير في تهويدها.. ونحاول
أولاً رصد مواقع القدس المحدودة في كم وثائق البيان الختامي وإعلان
تونس ووثيقة العهد والوفاق وقرارات القمة.
ونبدأ
بالبيان الختامي للقمة الذي يقع في نحو 4000 كلمة ولم ترد القدس
بالاسم سوى أربع مرات في سياق فقرتين اثنتين فقط من مجموع 49 فقرة
شملها البيان الختامي، فقد وردت القدس في البند السابع في سياق
توجيه التحية للشعب الفلسطيني لنضاله المشروع من أجل الحصول على
حقوقه الوطنية في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة
وعاصمتها القدس.. ووردت القدس في البند الثالث عشر عندما (أكد
القادة على عروبة القدس وعدم شرعية الإجراءات الإسرائيلية لضمها
وتهويدها وتغيير طبيعتها وتركيبتها السكانية والجغرافية ويدينون
إقامة الحائط العنصري المسمى غلاف القدس الذي يستهدف تقطيع أوصال
القدس وعزل سكانها الفلسطينيين عن امتدادهم الطبيعي في الضفة الغربية
كما يدينون استمرار الخدمات الإسرائيلية التي تهود الأماكن
المقدسة).
وبشأن إعلان
تونس الذي يقع في نحو 1200 كلمة فلم ترد القدس ولو لمرة واحدة،
بينما وردت مرة واحدة (عرضاً) في وثيقة العهد والوفاق مع إعلان
القادة تمسكهم بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة
وعاصمتها القدس.
أما بشأن
قرارات القمة والتي بلغت 27 قراراً، فقد حظيت القدس بالذكر
(عرضاً) مرتين فقط الأولى في سياق قرار تفعيل مبادرة السلام
العربية ومرة أخرى في سياق قرارات القضية الفلسطينية.
* * *
ومحاولة
الرصد هنا توضح أن مسألة القدس لم تحظ إلا بصورة شكلية فقط في وثائق
قمة تونس والتي تشكل كأمر واقع صياغة الخطاب العربي العام تجاه
القضايا المصيرية والقدس هي قضية تلك القضايا باعتبارها لب الصراع
العربي الإسرائيلي منذ احتلال القدس الغربية عام 1949.
ويعني هذا أن
وثائق قمة تونس باعتبارها الخطاب السياسي العربي كان من الأهمية أن
تحدد تفصيلاً معالم الموقف العربي من كل التطورات التي طرأت على
القضية المقدسة منذ القمة العربية السابقة في مارس 2003 وحتى
انعقاد قمة تونس الأخيرة.
وعلى سبيل
المثال نذكر أخطر تلك التطورات التي لم تمسها وثائق قمة تونس من قريب
أو بعيد.
أولاً: لم
تحدد وثائق القمة موقفها الواضح من وثيقة جنيف من أجل السلام في
الشرق الأوسط الصادرة في أول ديسمبر 2003 والتي تم التوقيع عليها
من قبل وزير الإعلام الفلسطيني ياسر عبدربه ووزير العدل الإسرائيلي
السابق يوسي بيلين وبحضور مئات من الشخصيات الدولية ولقد تعرضت
الوثيقة إلى مستقبل القدس ويشكل الحل المقترح حداً أدنى بكثير من
مقترحات الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون (محادثات كامب ديفيد-2)
فالأحياء العربية ستكون تحت سيادة فلسطينية دون تحديد لشكل ومضمون
تلك السيادة والأحياء اليهودية التي باتت تمثل من خلال عمليات الضم
والتهويد غالبية القدس وغلاف القدس يخضع للسيادة الإسرائيلية وأن
تكون منطقة الحوض المقدس (الأماكن الدينية أي الحرم وكنيسة
القيامة) بدون سيادة لأحد عليها وتحت رقابة دولية.
ثانياً:
الرد على مواقف وتصريحات المسئولين في الولايات المتحدة الأمريكية
بشأن القدس ومنها قيام سيناتور جمهوري بتقديم مشروع قرار في الكونجرس
في نوفمبر 2003 يدعو فيه المجموعة الدولية إلى اعتبار القدس عاصمة
لإسرائيل ويطلب من الإدارة الأمريكية نقل سفارتها من تل أبيب إلى
القدس ونص مشروع القرار على ضرورة اعتراف المجتمع الدولي بالقدس
الموحدة عاصمة لإسرائيل قبل ثلاثة أشهر على الأقل من اعتراف واشنطن.
ونذكر أيضاً تصريح (جيب بوش) حاكم ولاية فلوريدا وشقيق الرئيس
الأمريكي الحالي في أبريل الماضي بأن القدس ستكون عاصمة "إسرائيل"
الأبدية.
ثالثاً:
صدور خريطة الطريق الأمريكية وتقوم على ثلاث مراحل,، ولم تشر إلى
وضع القدس إلا في ثلاث فقرات سريعة وردت في سياق المرحلتين الثانية
والثالثة بينما تجاهلت ديباجة خريطة الطريق والمرحلة الأولى الإشارة
إلى القدس من قريب أو بعيد.
وما جاء في
سياق المرحلة الثالثة لم يقدم مقترحات بشأن مستقبل المدينة بل قام
بترحيل القضية برمتها. كما فعلت أوسلو(1) من قبل عام 1993 إلى
مؤتمر دولي تعقده اللجنة الرباعية بالتشاور مع الطرفين الفلسطيني
والإسرائيلي مطلع عام 2004 للمصادقة على اتفاق يتم التوصل إليه
يؤدي إلي حل دائم لقضايا الوضع الدائم في عام 2005 بما في ذلك
الحدود والقدس واللاجئون والمستوطنات.
يعني هذا أن
خريطة الطريق نهجت نهج أوسلو(1) في عملية الترحيل للقضايا الشائكة
بينما وثيقة جنيف آثرت تسجيل مقترحاتها بشأن القدس جنباً إلى جنب
مقترحاتها بشأن القضايا الشائكة الأخرى وكأنها حزمة واحدة.
* * *
يجري كل هذا
ولا تبادر قمة تونس بالرد على مثل تلك المشروعات تأييداً أو رفضاً أو
تحفظاً أو موضحة على الأقل الخطوط الحمراء التي لا يمكن لأي مشروع
عربي أن يتجاوزها وهو على مائدة المفاوضات إذا قدر لتلك المائدة أن
تقوم لها قائمة..
وما أحوج
قضية القدس إلى قرار أو بيان تفصيلي من القمة العربية إسوة بالقمة
الإفريقية التي كانت تحرص - ولسنوات طويلة - على إصدار قرار بشأن
قضية القدس إلى جانب قرار قضية الشرق الأوسط هذا ومن ناحية أخرى فإن
قمة تونس لم تؤكد قرار قمم عربية سابقة على تحذير أي دولة تقوم بنقل
سفارتها من تل أبيب إلى القدس.. ومثل هذا القرار تبدو أهميته اليوم
أكثر من ذي قبل نظراً للضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي تمارس على
مختلف الدول بهذا الشأن.
وما أحوجنا
إلى خطاب عربي متكامل بشأن القدس ليكون لسان حال التحرك الدبلوماسي
الإعلامي العربي المطلوب تجاه العواصم العالمية وفي المحافل
الدولية.
|