الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة

 

معركة القدس في قضية الجدار أمام المحكمة الدولية

 

بقلم : د‏.‏ عبد الله الأشعل

صحيفة الأهرام 13/3/2004

 

بدأت محكمة العدل الدولية في‏ 23‏ فبراير الماضي حتى ‏25‏ منه جلسات المرافعات الشفهية في قضية الجدار الإسرائيلي العازل وسط اهتمام دولي كاسح قررت بسببه المحكمة يوم ‏19/2‏ أن تنقل الجلسات العلنية كاملة على شبكة الأنترنت،‏ وكانت منظمة العفو الدولية،‏ قد أعلنت يوم‏ 19/2 أن الجدار ينتهك القانون الدولي‏.‏ وترافعت أمام المحكمة كل من فلسطين وجنوب أفريقيا والجزائر والسعودية وأندونيسيا وكوبا والأردن ومدغشقر وماليزيا والسنغال والسودان وتركيا وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي‏.‏

 

وعندما أعلنت محكمة العدل الدولية عن برنامج الاطلاع والاستماع إلى الأطراف المعنية في قضية الجدار العازل الإسرائيلي،‏ كانت تتوقع أن تشهد معركة قانونية ساخنة بين العرب و"إسرائيل" أمام المحكمة‏.‏ وقد سبق لنا أن فصلنا في مناسبات سابقة مضمون الدفوع الإسرائيلية،‏ والتي تنصب كلها علي نقطة واحدة وهي عدم اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية لأنها في نظر "إسرائيل" قضية سياسية،‏ كما أن المحكمة ليست المكان المناسب لنظر الموضوع،‏ مادامت عملية السلام مستمرة،‏ ومادامت قضية الجدار جزءاً من القضايا المعلقة التي تعالجها عملية السلام من خلال خريطة الطريق والتي أشاعت فيها "إسرائيل" فجأة الروح وتمسكت بها،‏ وقد صممت "إسرائيل" موقفها على أساس أنه عندما تبدأ المحكمة في ‏23‏ فبراير جلسات الاستماع إلى الأطراف المعنية،‏ فإن "إسرائيل" والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأعضاءه،‏ وانضمت إليهم دول عربية أخرى،‏ قد أعلنت مقاطعتها لجلسات الاستماع احتجاجاً على ما تعتقد أنه استكال لنظر القضية التي لا يعترفون للمحكمة باختصاص النظر فيها،‏ وهذه المناورة من جانب هذه الأطراف كان يقصد بها أن تؤثر على قرار المحكمة،‏ ولكنها أحدثت أثراً عكسياً لدى المحكمة، لأن حضور هذه الأطراف في المرافعات الشفوية هو مجرد جزء من مساعدة المحكمة على التوصل إلى قرار يتفق مع نظامها،‏ ولكن مادامت المعلومات الخاصة بالمواقف المختلفة واضحة،‏ وفي مقدمتها موقف الأمم المتحدة فإن هذه المناورة لن تؤثر على قرار المحكمة بأنها مختصة بنظر القضية‏.‏

 

من ناحية أخرى لجأت "إسرائيل" إلى حملة علاقات عامة ضخمة،‏ وتحركات إعلامية ودبلوماسية واسعة،‏ ولكنها تدفع كلها نحو هذه القضية فقد قام الرئيس الإسرائيلي بجولة في أوروبا مركزاً على أن معاداة السامية في فرنسا وأوروبا قد بلغت مرحلة خطيرة،‏ وأنه يعتبر أن تحويل قضية الجدار إلى محكمة العدل الدولية جزءاً من هذه الحملة أو هي العنوان الأنيق لهذه الحملة الظالمة وهدفه من ذلك بالطبع هو الضغط على فرنسا بالذات والاتحاد الأوروبي بشكل عام حتى لا يكرر الجزء من موقفه المتعلق بعدم الإقرار بشرعية الجدار العازل‏.‏ وأوضح الرئيس الإسرائيلي أن إحالة القضية إلى المحكمة تدل على عدم حساسية أوروبا،‏ وتفهمها وتعاطفها مع المشكلة الأمنية في "إسرائيل" ضد الإرهاب الفلسطيني‏.‏ وقد لوحظ أن زيارة الرئيس الإسرائيلي قد جاءت يوم صدور قرار من البرلمان الأوروبي لتحيته أكد فيه أن البرلمان الذي لا يعترف بشرعية الجدار لا يوافق على إحالته إلى المحكمة الدولية،‏ فاستخدم الإعلام الإسرائيلي الصهيوني هذا الجزء الثاني من الموقف الأوروبي بما يخدم الموقف الإسرائيلي‏.‏

 

ومن ناحية ثالثة فإن الاتحاد الأوروبي والرئيس الفرنسي شيراك قد حاولا أن يظهرا قدراً عاليا من الود تجاه "إسرائيل" في إطار هذه الحملة،‏ فصرح الرئيس الفرنسي بأنه يعتبر "إسرائيل" أوثق الحلفاء،‏ كما أن بناء الجدار لا يتطابق مع القانون الدولي،‏ وهي عبارة بالغة الضعف تعبر بشكل باهت تماماً عن الموقفين الفرنسي والأوروبي،‏ عقب التصويت على قرار الجمعية العامة بإحالة الجدار إلى المحكمة يوم ‏8‏ ديسمبر ‏2003.‏ بل إن الرئيس شيراك خرج عن الموقف الفرنسي التقليدي وكذلك الموقف الأوروبي فأعلن في حضور الرئيس الإسرائيلي،‏ أن من حق "إسرائيل" أن تحمي أمنها وأمن مدنييها بأي إجراء تراه مناسباً،‏ وهذه الصيغة بالغة الخطورة لأنها تعني أن فرنسا لا تعترض على بناء "إسرائيل" لجدار تزعم أن وظيفته الوحيدة هي الحيلولة بين مواطنيها وبين العمليات الفدائية الفلسطينية‏.‏ وهذا الموقف الفرنسي- إن صح أنه جديد - يتناقض تماماً مع الموقف الأوروبي الذي عبر عنه زعماء الاتحاد الأوروبي مراراً ومن بينهم المستشار الألماني شرودر الذي أكد أن قيام "إسرائيل" ببناء جدار على حدودها مع الضفة الغربية أو داخل أراضيها لا مأخذ عليه،‏ ولكن وضع الجدار الحالي وبناءه في أراض محتلة هو الذي يناقض القانون الدولي‏.‏

 

من ناحية رابعة،‏ فإن رئيس المفوضية الأوروبية قد حاول هو الآخر أن يجامل "إسرائيل"،‏ وأن يبدد مخاوفها من صعود تيار معاداة السامية في أوروبا فأبرم اتفاقاً رسمياً مع رئيس الوكالة اليهودية العالمية بالتزام الاتحاد الأوروبي بمقاومة هذه الموجة‏.‏ وقد لوحظ أنه بينما تجامل أوروبا "إسرائيل" والمنظمات الصهيونية فإن هذه الدول تتخذ إجراءات ضد العرب والمسلمين إمعاناً في إرضاء "إسرائيل" والولايات المتحدة،‏ ومثال ذلك الإجراءات الدانماركية الأخيرة ضد أئمة المساجد في الدانمارك،‏ والتصريحات الأوروبية الأخيرة حول الهجرة غير المشروعة لأوروبا من الدول العربية والإسلامية،‏ رغم أن دراسة الاتحاد الأوروبي حول هذا الموضوع الصادرة عام ‏1998‏ تعترف بأن أسباب الهجرة ترجع إلى الآثار السلبية للعولمة على جنوب المتوسط وإلى فساد حكومات دول الجنوب مما دفع الشباب إلى الهجرة،‏ فمنهم من نجح في الوصول إلى مقصده ومنهم من هجر الدنيا بأكملها بالانتحار أو الغرق،‏ وعينه معلقة على الشواطئ الأوروبية‏.‏

 

والحق أن موقف أوروبا من قضية الجدار سواء فيما يتعلق بإدانته،‏ أو فيما يتعلق برفض إحالته إلى المحكمة العالمية كان يتطلب دبلوماسية عربية قوية منذ صدور قرار الإحالة في ‏8‏ ديسمبر‏ 2003، ووضوح موقف الاتحاد الأوروبي وامتناع ‏74‏ دولة عن التصويت على هذا القرار،‏ لكي تتحرك الدبلوماسية العربية مع هذا العدد الضخم الذي يمثل نفس العدد الذي أيد الإحالة ‏(90‏ دولة‏)‏ إلا قليلا ولكي توضح الدبلوماسية العربية أن هذا الموقف سوف يستغل ويفهم خطأ ضد القضية بأكملها وأنه إذا كانت هذه الدول قد فضلت الامتناع عن التصويت بدلاً من المعارضة فهو موقف محمود،‏ ولكنه يدعو إلى التعاون للضغط على "إسرائيل" بدلاً من تسجيل هذا الموقف والركون إليه لكي تتسلم "إسرائيل" رموزه وتشوه محتواه، ولكن "إسرائيل" هي التي قامت بالجهد العكسي،‏ بينما الدبلوماسية العربية فضلت القعود لأنها لا تقوى على الحركة،‏ وهكذا طالبت "إسرائيل" هذا العدد الكبير من الدول لأن تترجم موقفها بمذكرات للمحكمة تعلن فيها رفضها لإحالة الموضوع إليها‏.‏ ومن الواضح أن "إسرائيل" قد طمست بهذا الموقف الذكي الفارق الدقيق الذي كان يمكن لدبلوماسية عربية ذكية أن تستخدمه،‏ بين عدم ارتياح هذه الدول لمعالجة.

 

الموضوع عن طريق المحكمة - وهي مسألة تتعلق بالمواءمة السياسية - وبين اختصاص المحكمة من عدمه بإصدار فتوى في هذه القضية - كما أن "إسرائيل" بذكائها المعهود قد حققت نصراً آخر بهذا الموقف من الناحية الدبلوماسية،‏ وهي أنها حولت،‏ من الناحية العملية،‏ موقف الامتناع عن التصويت وترجمته إلى موقف المعارضة لإحالة الجدار إلى المحكمة،‏ لأن الاتحاد الأوروبي قد ووجه بمحاصرة إسرائيلية دبلوماسية على المستوى الرسمي،‏ من خلال الاتصالات المكثفة والمفاتحات الجريئة،‏ وكذلك على المستوى الشعبي والإعلامي _ عندما أثارت "إسرائيل" رسمياً فزعها من معاداة السامية في أوروبا،‏ فجعلت القضية الأصلية هي معاداة السامية،‏ وأن قضية الجدار أمام المحكمة هي إحدى تجليات هذه المعضلة‏.‏

 

أما على المستوى الإسرائيلي،‏ فإن "إسرائيل" تحاول بكل الطرق أن تصرف الانتباه عن القضية،‏ وأن تشتت انتباه المحكمة العالمية،‏ ومن يدري لعلها تمارس إرهاباً شخصياً على أعضاء المحكمة،‏ مثلما طلبت منذ البداية استبعاد القاضي المصري لمجرد أنه أعلن أن الأراضي الفلسطينية أراض محتلة - وهو موقف المجتمع الدولي كله - وليس اكتشافاً أو حكماً أعلنه القاضي المصري،‏ ثم طالبت "إسرائيل" بأن تعين لها قاضياً في مواجهة القاضي المصري،‏ ولكن المحكمة رفضت الطلبين معا‏ً.‏

 

ولعل كل هذا المناورات الإسرائيلية والتحركات التي لا تهدأ،‏ ومن بينها الإعلان عن تعديل مسار الجدار،‏ ثم الإعلان أخيراً عن إزالة جزء من الجدار،‏ كان جميع أن توهم المحكمة العالمية أن القضية لم تعد تستحق النظر،‏ وأن مثل هذا الإجراء بالإضافة إلى معالجة الموضوع في إطار الاتصال بين الفلسطينيين والإسرائيليين،‏ يمكن أن يوفر على المحكمة مشقة البحث في قضية ليس لها موضوع‏.‏

 

ولعلنا نلاحظ أن "إسرائيل" في هذه القضية تظاهرت بعدم أهمية القضية،‏ بل تحدت المحكمة والمجتمع الدولي بالإعلان عن الاستمرار في بناء الجدار،‏ ولكنها في نفس الوقت تسابق الزمن لمنع المحكمة من نظر القضية،‏ ولو بالقوة،‏ فما هي الأسباب التي تشكل الموقف الإسرائيلي وتتحكم فيه،‏ ولماذا أصيبت "إسرائيل" بالحمى منذ قرار الجمعية العامة،‏ فاستعانت بالولايات المتحدة وبذلت كل ما تستطيع لقتل هذه القضية؟‏!.‏

 

سبق أن أوضحنا أن الأهمية البالغة التي توليها "إسرائيل" لهذه القضية ومدى النصر الهائل الذي حققته الدبلوماسية العربية في الجمعية العامة،‏ وعبرنا عن أملنا أن تدرس الدبلوماسية العربية استراتيجية متماسكة لإدارة القضية أمام المحكمة من جميع الزوايا القانونية والدبلوماسية والإعلامية،‏ بحيث يمكن أن تكون هذه القضية مصدراً للضغط على "إسرائيل" وسبباً في استثمار الموقف،‏ لأن الهدف في نهاية المطاف هو وقف بناء الجدار،‏ فإن لم يكن ذلك متاحاً،‏ فليكن الهدف هو إحراج "إسرائيل" ومحاسبتها،‏ وهي التي لم تتعود على الحساب،‏ وتستعصي على كل حساب،‏ ثم تسجيل نقطة للتاريخ والمستقبل،‏ وهي توثيق الحقوق الفلسطينية وسط هذا الطغيان العاتي والسطوة العسكرية والسياسية التي توشك أن تنال من هذه الوثائق‏.‏ والحقيقة أن "إسرائيل" تتوجس من نظر المحكمة لهذه القضية،‏ لأنها تخشى أن تستدعي المحكمة جذور الصراع العربي الإسرائيلي،‏ وهي تحاول أن تحدد بشكل موثق الطبيعة القانونية للأراضي الفلسطينية المحتلة عام ‏1967،‏ وأن تحدد سلطات الدولة المحتلة في مواجهة الأراضي المحتلة وسكانها‏.‏ وقد بحثت المحكمة العالمية في المناطق التي يمر بها الجدار،‏ وهي الضفة الغربية والقدس الشرقية‏.‏ وإذا كان وضع الضفة الغربية بالنسبة لإسرائيل قد حسم دولياً وعلى لسان شارون بأنها أراض محتلة،‏ فإن المشكلة الكبرى بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة،‏ هي تلك المتعلقة بالقدس الشرقية،‏ لأن الموقف الدولي بالنسبة للقدس الشرقية هو أنها جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة،‏ وهو ما أجمعت عليه قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة،‏ وتواضع عليه سلوك أجهزة الأمم المتحدة وأعضاء المجتمع الدولي،‏ وأبرز هذه المواقف هو موقف مجلس الأمن في قراره رقم‏ 478‏ في أغسطس‏ 1980،‏ والقرارات اللاحقة التي أكد فيها المجلس بطلان القانون الإسرائيلي بضم القدس إلى "إسرائيل"‏.‏ أما الموقفان الإسرائيلي والأمريكي وفقاً للقانون الذي أصدره الكونجرس وصدق عليه الرئيس في نوفمبر ‏2002‏ فهو أن القدس ملك لإسرائيل‏.‏ وأنها عاصمتها الأبدية والدائمة،‏ مما يفتح الباب لنقل السفارات من تل أبيب إلى القدس،‏ خاصة أن واشنطن قد أتمت بناء سفارتها في القدس الشرقية‏.‏ والخطورة التي تخشاها "إسرائيل" هي أن المحكمة سوف تؤكد الموقف الدولي بشأن القدس الشرقية التي يمر الجدار العازل بها،‏ فتـؤكد أنها أراض محتلة مما يعد صفعة للموقفين الأمريكي والإسرائيلي‏.‏ كما يمكن الاستفادة من هذا الموقف القضائي في الحملة القضائية العربية ضد هذين الموقفين في المستقبل،‏ كما أن موقف المحكمة يختلف عن مواقف أجهزة الأمم المتحدة الأخرى التي لا تقيم لها "إسرائيل" وزنا‏ً.‏

 

ولا تستطيع "إسرائيل" أن تنازع أمام المحكمة في أن القدس الشرقية أراض محتلة‏.‏ وتدعي أنها أراض إسرائيلية،‏ كما لا تستطيع أن تزعم أمام المحكمة أن اعتبارات الأمن الإسرائيلي وفقاً للمفهوم الإسرائيلي تتقدم على هذه القضايا القانونية الواضحة،‏ لأن مثل هذين الدفعين بشأن القدس والأمن سوف يدخلان "إسرائيل"،‏ رغماً عنها،‏ في ملفات أخري تتعلق بوضع القدس،‏ وكذلك بمفهوم الأمن وحقوق السلطة المحتلة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة،‏ وهو أمر على أي حال لن يكون بعيداً عن نظر المحكمة في سياق بحثها للآثار والتداعيات المرتبطة بإقامة هذا الجدار غير المشروع‏.‏

 

وأخيراً فإن واحداً من هذه التداعيات التي سوف تقررها المحكمة هي أن المحكمة سوف تلزم الدول،‏ بما فيها الولايات المتحدة بتأكيد الوضع القانوني للقدس الشرقية،‏ وهذا هو السبب الحقيقي في الموقف المتشدد الأمريكي،‏ كما أن هذه النقطة هي التي توحد بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي‏.‏ ولذلك نتوقع أن تستميت أمريكا و"إسرائيل" لمنع المحكمة من التقدم في عملها في قضية الجدار‏.‏