|
ماذا يقول القانون الدولي عن القدس؟
حسين معلوم
صحيفة
الوطن القطرية 30/10/2003
قبل الحديث
عن الوضع الدولي لمدينة القدس، بعد الاحتلال الإسرائيلي لها. لابد من
الإشارة بداية إلى الوضع القانوني الدولي. الخاص. الذي ظل يحكم مدينة
القدس. فقد ظلت المدينة محكومة بالقواعد الخاصة بحماية الأماكن
المقدسة. التي أوردتها العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية. منها
على سبيل المثال، اتفاقية «لاهاي» لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات
الثقافية والدينية في أثناء المنازعات المسلحة؛ والإعلان العالمي
لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 (وهما الممهدان الدوليان للحقوق
المدنية والسياسية، وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
الصادران عام 1966).
كذلك، يأتي
الملحقان الإضافيان لاتفاقيات جنيف الأربع (الموقعان عام 1977)؛
واتفاقية فيينا لعام 1983، بشأن خلافة الدول في الممتلكات، والتي
أضفت حماية قانونية خاصة على المقدسات الدينية.
هذا فيما
يتعلق بالوضع القانوني الدولي الخاص. الذي يحكم مدينة القدس.. أما
فيما يخص وضع المدينة، كمدينة ذات طابع ديني متميز، لكونها تضم
المقدسات الدينية وأماكن العبادة لكل من المسلمين والمسيحيين واليهود
فقد ظلت المدينة، وعبر مراحل تاريخها المختلفة، مفتوحة دائماً أمام
الجميع من أتباع الديانات السماوية الثلاث.. فمثلاً بناء على
معاهدتي: باريس (عام 1856)، وبرلين (عام 1878)، بين الدولة العثمانية
والدول الأوروبية. واللتين تم التوكيد فيهما على ما تضمنه الفرمان
العثماني (الصادر عام 1852) بشأن: «احترام كل طائفة دينية في الإشراف
على أماكن عبادتها في القدس».. أيضاً. تم تأكيد الحقوق ذاتها في «صك
الانتداب على فلسطين». وعلى ألا يتم تغيير الوضع القائم في المدينة
إلا بموافقة جميع الأطراف.
أما فيما
يتمحور حول قواعد القانون الدولي بشأن الاحتلال العسكري، فإن هذه
القواعد لا تخول دولة الاحتلال إلا سلطات محدودة من أجل تمكينها من
إدارة الإقليم الخاضع لها.. وهذا يعني ضمنياً بطلان أي إجراءات
تشريعية أو إدارية تقوم بها سلطات الاحتلال لتغيير الأمر الواقع في
الإقليم المحتل، وهو ما ينطبق بطبيعة الحال على الوضع في مدينة
القدس.
في إطار هذه
الأمور الثلاثة.. فقد أضحى القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم
المتحدة (29 نوفمبر 1947). الشهير بعنوانه: «قرار التقسيم». والشهير
برقمه: «181».. (أضحى) المظلة الدولية القانونية لمستقبل فلسطين بعد
انتهاء الانتداب البريطاني (في: 15 مايو 1948).
وبناء على
قرار التقسيم هذا. كان من المفترض أن تقسم فلسطين إلى ثلاثة أقسام:
قسم تنشأ عليه دولة فلسطينية.. وقسم تنشأ عليه دولة يهودية.. ثم يأتي
القسم الثالث: القسم الذي - -كان مفترضاً أن - يقام عليه كيان منفصل.
يخضع لنظام دولي خاص. وتتولى الأمم المتحدة إدارته. ويتألف هذا
«الكيان» (الخاص). من مدينة القدس. التي تشتمل حدودها على: «بلدية
القدس الحالية. مضافاً إليها القرى المجاورة وأبعدها شرقاً أبو ديس.
وأبعدها جنوباً بيت لحم. وأبعدها غرباً عين كارم. وتشمل معها المنطقة
المبنية من منطقة قالونيا» (.. تم تحديد هذه المشتملات في خريطة
ألحقت بقرار التقسيم).
إلا أن هذا
«النظام الدولي» أو: «تدويل» القدس بالأحرى، لم ير النور لمعارضة كل
من البلدان العربية وإسرائيل له.. ولم ينفذ من قرار التقسيم. إياه
إلا الجزء الخاص بـ «إقامة الدولة اليهودية». وهي الدولة التي قامت
على رقعة أكبر من ما ورد في القرار. ومحتلة من القدس كل ما يعرف بـ
«القدس الغربية». أي: القسم الأكبر من القدس.
وأما الدولة
الفلسطينية. فلم تقم أساساً.. وتوزعت بقية الأراضي الفلسطينية بين
الأردن: الذي ضم إليه الضفة الغربية والقدس الشرقية (أي: القدس
التاريخية داخل السور. قدس المقدسات). وبين مصر: التي أصبحت مسؤولة
عن إدارة قطاع غزة. وبين سوريا: التي أصبحت مسؤولة عن منطقة الحمة.
وهكذا. نشأ
وضع «قانوني/واقعي» في فترة ما بين الحربين «1948 - 1967»؛ فتوزعت
السيادة على مدينة القدس بين "إسرائيل" والأردن.. ولم يعد قرار
التقسيم بالنسبة إلى القدس. وارداً لدى أي من الفريقين العربي
والإسرائيلي.
وفي 7 يونيو
1967. احتلت "إسرائيل" مدينة القدس بأكملها. عقب عدوانها الذي بدأ في
5 يونيو من نفس العام.. وفي أغسطس عام 1980 أقدمت "إسرائيل" على ضم
القدس المحتلة. واعتبرتها عاصمتها الموحدة.
وإذا لاحظنا
تاريخ الضم. ضم "إسرائيل" لمدينة القدس؛ وكذا تاريخ ما أقدم عليه
الكنيست الإسرائيلي من تشريع القانون الأساسي. الذي فحواه: أن القدس
عاصمة "إسرائيل"، حيث نصت المادة الأولى منه على أن: «القدس الكاملة
والموحدة هي عاصمة "إسرائيل"» (30 يوليو 1980). وهو
«القانون/التشريع». الذي قام على أساسه الضم.. نقول: إذا لاحظنا هذا
وذاك. يتبدى واضحاً أن "إسرائيل": وإن كانت. خلال سلامها مع مصر.
تخفي مطامعها في تكريس ضم القدس نهائياً وتوحيدها تحت السيادة
الإسرائيلية؛ فإنها فيما يبدو لم تعد تجد حاجة لإخفاء شيء بعد
التوقيع على المعاهدة «المصرية - الإسرائيلية» (في: 26 مارس 1979).
واستناداً
إلى قانون الكنيست المشار إليه، أصبحت "إسرائيل" تعتبر السيادة
الكاملة على القدس حقاً لها، لا ينازعها فيه أحد. ضاربة بعرض الحائط
القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن: إما تحذيراً لها من مغبة اتخاذ
قرار كهذا (القرار رقم 476). أو استنكاراً للقرار الإسرائيلي
واعتباره باطلا وفقاً لـ «الشرعية الدولية» (القرار رقم 478).
والواقع. أن
هذه لم تكن المرة الأولى التي تضرب فيها "إسرائيل" بعرض الحائط.
القرارات الدولية.. إذ يمثل قرار "إسرائيل" باتخاذ القدس عاصمة أبدية
لها. تحدياً صارخاً للشرعية الدولية وقراراتها.. وفي مقدمتها: القرار
رقم 250 لعام 1968. والقرار رقم 253 لعام 1968. الذي اعتبر جميع
الإجراءات الإدارية والتشريعية التي قامت بها "إسرائيل" - بما في ذلك
مصادرة الأراضي والأملاك - التي من شأنها أن تؤدي إلى تغيير في الوضع
القانوني للقدس. إجراءات باطلة.
وبالرغم من
عدم اعتراف كل الدول - تقريباً - بالقرار الإسرائيلي. بضم القدس
وتوحيدها وجعلها عاصمة موحدة لها.. إلا أنه مع مرور الزمن. فقد توالت
عملية نقل السفارات والبعثات الدبلوماسية من تل أبيب إلى القدس، بل
إلى أن جاء اليوم الذي ذهبت فيه أدراج الرياح رسالة الرئيس المصري
أنور السادات إلى عزيزه الرئيس الأميركي جيمي كارتر بشأن القدس. ثم
طمأنة كارتر له في خطاب وجهه له.
جاء في هذا
الخطاب (22 سبتمبر 1978). أن: «الموقف الأميركي من القدس هو عدم
الاعتراف بالإجراءات لتغيير موقع مدينة القدس». لكن موقف الولايات
المتحدة قد تغير. وذلك حينما اتخذ مجلس الشيوخ الأميركي قراراً ينص
على: «اعتراف رسمي بالقدس عاصمة لإسرائيل. مع إلزام الحكومة
الأميركية بنقل سفارتها إلى القدس». وأياً كان الأمر فإن التساؤل
الذي يفرض نفسه هنا هو: إذا كانت كافة الإجراءات التي اتخذتها
"إسرائيل" قد تمت بالمخالفة مع الأحكام العامة للقانون الدولي. بل
وبمخالفة صريحة لقرارات صادرة من مجلس الأمن. وكذا بالمخالفة مع
قرارات صادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة.. (إذا كان ذلك كذلك).
فما هي إمكانات التحرك العربي استناداً إلى القانون الدولي؟!.. وإذا
كانت جميع هذه القرارات الصادرة عن المنظمة الدولية. هي - في حقيقتها
- غير ملزمة؛ فهل من المفيد مثلاً اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
لطلب فتوى قانونية دولية حول عدم شرعية الإجراءات التي اتخذتها
"إسرائيل"؟!..
ثم هل من
المضمون أن تكون هذه «الفتوى» (القانونية) واضحة وحاسمة؟!.. وهل لها
صفة ملزمة. أم أنها مجرد رأي استشاري من قبل المحكمة الدولية؟!..
ثم من الذي
يستطيع أن يطلب مثل هذا الرأي (الاستشاري)؟!.. إذ أن الدولة لا يمكن
بحكم النظام الأساسي أن تطلب فتوى. الدولة يمكن أن تكون طرفاً في
نزاع. ولا يمكن عرض الصراع بين «العرب.. و"إسرائيل"» على محكمة العدل
إلا في الجوانب القانونية وحدها؛ وبموافقة الطرفين.
ورغم أن
الإجابة عن هذه الأمر الأخير ابتداءً هي أنه أمر لا يمكن أن يتحقق..
إلا أن التساؤل يظل مطروحاً: هل ثمة جدوى حقيقية في الالتجاء إلى
الفرع «القانوني/القضائي» للأمم المتحدة، وهو محكمة العدل الدولية؟!
|