الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة

 

مطلوب قراءة صحيحة لتاريخ القدس

والاستعمار الاستيطاني الصهيوني فيها

بقلم: د. أحمد صدقي الدجاني

 

المصدر: تقرير القدس الصادر عن مركز الإعلام العربي /القاهرة- العدد التجريبي 0- كانون الأول (ديسمبر) 1998.

"حاجتنا ماسة -نحن العرب- هذه الأيام لقراءة صحيحة لتاريخ القدس، كي نحسن التعامل مع ملف قضية القدس، وذلك في وقت نشهد فيه قيام الحركة الصهيونية بهجمة قوية لتعميم قراءة خاطئة لتاريخ القدس على العالم أجمع. وقد رأينا من أمثلة هذه الهجمة الاحتفال الذي أقامته الحكومة الإسرائيلية "بمناسبة مضي ثلاثة آلاف سنة على دخول الملك داود القدس".

والهدف الصهيوني هو استكمال تهويد القدس بعد احتلالها واغتصابها، وتعميم الزعم "الإسرائيلي "بأن القدس عاصمة أبدية لدولة "إسرائيل" التي لها السيادة على المدينة"، وحصر قضية القدس في "كونها خلافاً مع مسلمين ومسيحيين حول أماكنهم المقدسة فيها.. كيف تتم إدارتها".

لقد دأبت الحركة الصهيونية على العمل لتحقيق هذا الهدف منذ انعقاد مؤتمر مدريد يوم 30/10/1991 بعد أن نجحت في إقناع "مصمم عملية التسوية" الأمريكي بتأجيل البحث في قضية القدس ودعمها في "عملية التهويد وفرض الأمر الواقع في المدينة".

وأغرى الدعم الأمريكي الحكومة "الإسرائيلية" أن تجاهر بإعلان زعم "العاصمة الأبدية" في "حواضر" عربية، وأن تقدم على مصادرة أراض أخرى لأهلنا المقدسيين العرب في الربيع الماضي "لإقامة مساكن لليهود عليها" معلنة هذا الهدف العنصري بلا مواربة.

عمدت الحكومة "الإسرائيلية" في الوقت نفسه -بينما هي تُوجِد واقعاً جديداً في المدينة- إلى تعميم قراءتها المضللة لتاريخ القدس في عدد من الندوات، انعقدت إحداها في مدينة عربية وفي محفل الأمم المتحدة. ومن المؤسف أنها نجحت في استدراج البعض في هذه الندوات إلى مناقشة القدس على أنها مجرد أماكن مقدسة تضمن حرية العبادة فيها، وليس على أنها قضية وطن وشعب وحضارة يواجهون استعماراً استيطانياً صهيونياً يسخّر المشاعر اليهودية لأغراضه. وبدت من خلال هذا كله الحاجة ماسة إلى قراءة صحيحة لتاريخ القدس والاستعمار الاستيطاني فيها.

إن بداية إسهامنا في التعامل مع ملف القدس، يتجلى في العمل للحفاظ على الذاكرة التاريخية للأمة وحمايتها من أن تُمحى أو تُزوّر في وقت تجرى فيه محاولات دائبة لمحوها أو تزويرها، وقد لفت انتباه بعضنا مؤخراً ما جاء في رسالة سيدة فاضلة لبريد الأهرام، لاحظت فيها أن أبناءها لا يتعلمون شيئاً عن الصراع العربي الصهيوني وتاريخه في مدارسهم، وتساءلت: كيف السبيل إلى تعليمهم؟ والتساؤل يدعونا إلى العناية بالذاكرة التاريخية، وإلى أن نعطيها حقها في مثل هذه الندوات وفي البيوت إلى أن تعود البرامج التعليمية لتُوفيها حقها.

 

المكان والنشأة

نستهل قراءة تاريخ القدس بوقفة أمام المكان والموقع، ونستحضر حقائق جغرافية، والجغرافيا -كما قال المرحوم جمال حمدان- هي مسرح الأحداث التاريخية، والمكان هو القسم الجنوبي من بلاد الشام، في موقع متميز من أرض فلسطين في موضع القلب من الوطن العربي، وفي مركز حيوي من دائرة الحضارة العربية الإسلامية، وموقع القدس يبيّن مدى أهميتها لفلسطين والوطن العربي والعالم الإسلامي، ويتداعى إلى الخاطر ما أورده (فيليب حتي) في كتابه تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، والنتيجة التي نستخلصها من هذه الوقفة هي أن تاريخ القدس لا ينفصل عن تاريخ فلسطين، وتاريخ الوطن العربي بمغربه ووادي نيله وشامه وعراقة وجزيرته العربية وتاريخ ديار الإسلام عامة، وأن موقع القدس يتميز بأهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لجميع "الحواضر" في منطقتنا من القاهرة إلى دمشق إلى بغداد إلى مكة وصنعاء.. وصولاً للرباط وطهران والأستانة، وقد شاء الله أن يجعل أهل القدس من خلال هذا الموقع في رباط إلى يوم القيامة.

حين ننتقل إلى بعد الزمان من تاريخ القدس، نجد أن هذا التاريخ جزء من تاريخ فلسطين والمنطقة، وأنه موغل في القدم ومتصل على مدى عصور وحافل بأحداث كثيرة، ويمكن أن نميز فيه بين قسمين تصل بينهما الانطلاقة العربية بالإسلام في القرن السابع الميلادي- الأول الهجري، لما لهذا الحدث من تأثير كبير.

لقد سكن الإنسان في منطقة القدس منذ فترة ما قبل التاريخ -حسب اصطلاح المؤرخين- وهناك آثار له فيها تم اكتشافها تعود إلى العصر البيلستوسيني، وأخرى من العهد الباليوليثي، وثالثة من العهد النيلوليثي الذي شهد حدوث الثورة الزراعية. وظهرت القدس مدينة في بدايات العصر البرونزي حين بناها الكنعانيون مع مجموعة مدن على طريق المياه بين الشمال والجنوب حوالي الألف الرابعة قبل الميلاد، على مرتفع الضهور قرب عين ماء جيمون في موقع حيوي، واكتسبت القدس منذ إنشائها مكانة دينية وكان ملكها هو عبد الإله "السلام" وهي مدينة سالم "أور سالم" وقد عرفت باسم سالم، وكونت مملكة مدينة، وعرفت من أسماء ملوكها: قدوم سالم وملكي صادق، وجاء ذكرها في نصوص مصرية قديمة تعود إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، وهناك تفصيل في البحث المرفق عما جاء في هذه النصوص، وعن أسمـاء القدس عبر العصور.

نتيجة أولى

النتيجة التي نستخلصها من حديث النشأة أن القدس ظهرت قبل قدوم نبي الله داود (عليه السلام) إليها في القرن العاشر قبل الميلاد بزمان طويل يمتد عشرين قرناً، وأن محاولات الصهيونية التوسعية اليوم ربط تأسيسها "بالملك داود" والاحتفال بمضي ثلاثة آلاف سنة على هذه المناسبة، هو استمرار في القفز فوق الحقائق التاريخية الذي دأبت عليه هذه الحركة العنصرية، كما أنه تحوير وتزييف للقراءة الصحيحة لتاريخ نبي الله داود-كما سنرى في جزء آخر من هذا الحديث.

 

بعد الزمان وعلامات سكانية

في بعد الزمان نقف أمام علامات سكانية، ونجد أن القدس سكنها منذ نشأت جزء من شعب فلسطين، وأن هذا الشعب هو واحد من شعوب المنطقة التي تعود جميعها إلى أصول واحدة تحركت بين أجزائها في هجرات متتالية، وحملت هذه الهجرات إلى فلسطين من قلب الجزيرة العربية العموريين والكنعانيين ثم العبرانيين والآراميين، وكان للهجرة الكنعانية أثر كبير فسميت فلسطين أرض كنعان مع أجزاء من سوريا ولبنان، واندمجت في الكنعانيين موجات هجرة تالية، وانصهرت في بوتقة شعب فلسطين جماعات من شعوب أخرى مرت بالبلاد أو اقتربت منها مثل الحيثيين والحوريين أو استقرت بها مثل الفلسطينيين الذين أعطوا أرض كنعان اسمهم، كما انصهرت في بوتقة شعب فلسطين جماعات من شعوب حكمت البلاد من فرس ويونان ورومان وروم آثرت البقاء وتوطنت بعد أن استأمنت. واستكمل لشعب فلسطين صورته وتحددت هويته في أعقاب الانطلاقة العربية بالإسلام، والفتح الذي حمل موجة جديدة من عرب الجزيرة، وانتقل من الحديث بالآرامية إلى اللسان العربي بسهولة: لأن اللغتين تنحدران من أرومة واحدة وكان اسم العرب قد تردد في تاريخ فلسطين من قبل، واعتنق جزء من شعب فلسطين الإسلام وبقي جزء آخر يدين بالنصرانية واليهودية، واستمرت فلسطين بعد الفتح وطناً لشعبها العربي هذا بملله كلها، واندمج في هذا الشعب مهاجرون جاءوا إليها آمنين ومتأمنون حملتهم غزوات اندحرت.

 

نتيجة ثانية

النتيجة التي نخلص إليها من الوقوف أمام هذه العلاقات السكانية، أن القدس وفلسطين وطن لشعب فلسطين العربي الذي تمتد جذوره فيها إلى أقدم العصور، والذي فيه مسلمون ونصارى ويهود، وهي لم تكن قط وطناً لشعبين كما تحاول الحركة الصهيونية أن تفرض بالقوة وبالأمر الواقع أن يتبنى هذا الزعم بعض أبناء فلسطين والعروبة، توطئة لفرض زعمها أنها وطن لشعب يهودي يسعى للاستئثار بها، وما العبرانيون الذين جاءوا إلى فلسطين إلا جماعة من جماعات عدة أتوا كما يقول (فيليب حتي) "بشكل متجولين ومغامرين ومرتزقة وجنود استقروا تدريجياً بين سكان كانوا أرقى منهم فتعلموا الحرث والبناء والقراءة والكتابة، وورثوا المظاهر الأساسية للحضارة الكنعانية، وتحاول الصهيونية اليوم بعد إبرام اتفاق أوسلو - واشنطن عام 1992 أن تنزع صفة الوطن عن قضية القدس وتقدمها للعالم على أنها قضية أماكن مقدسة يقوم نزاع حول كيفية إدارتها، ومن المؤسف أن البعض ينساق وراء هذه المحاولة فيخوض غمار حديث حول الأماكن المقدسة، ويغفل عن أن القدس وفلسطين وطن لشعبها بداية، وأن قضية القدس هي قضية وطن في الأساس هو وطن شعب فلسطين العربي الواحد بمسلميه ونصاراه ويهوده، وبكل من يلجأ إليه مستأمناً لا غازياً. هذا الشعب هو جزء من أمة عربية واحدة في وطنها العربي الكبير.

 

علامات دينية

نقف في بعد الزمان أمام علامات دينية لها أهميتها العظيمة وبخاصة في هذه المرحلة من مراحل هذا الصراع العربي الصهيوني التي يحتدم فيها الصراع حول القدس، وقد حدثنا المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي في كتابه الشهير: "تاريخ الأدب الجغرافي العربي" كيف برزت أهمية البعد الديني للقدس إبّان الغزو الفرنجي لمنطقتنا، فكثر التأليف عن المدينة المقدسة في الأوساط العربية والإسلامية.

البعد الديني للقدس يتمثل في ارتباط هذه المدينة المقدسة بأنبياء الله سبحانه عند المؤمنين، وإنا واجدون في التراث الديني قصصاً عن هذا الارتباط منذ آدم عليه السلام، وتاريخاً واضحاً منذ إبراهيم عليه السلام -أبي الأنبياء- وهو الذي جاء فلسطين مهاجراً ونزل بيبوس ضيفاً على العرب اليبوسيين وزار مصر وعاد منها ليستقر في الخليل وليحمل زوجه هاجر وابنه إسماعيل إلى واد غير ذي زرع عند بيت الله المقدّس في مكة.

وقد توالى ارتباط الأنبياء من أبنائه بالقدس في سلسلة مباركة فيها إسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وداود وسليمان وزكريا وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وصولاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي أسرى الله به إلى المسجد الأقصى وعرج به منه إلى السماء.

إن هذا البعد الديني جعل القدس قبلة المؤمنين، يحج إليها اليهود والنصارى، ويزورها المسلمون مقدسين حجتهم إلى بيت الله الحرام، وقد اعتز شعب فلسطين العربي بهذا الأمر، ونهض بمسؤولية استضافة الحجيج ورعايتهم أثناء حجهم وزيارتهم لبيت المقدس من موقع إيمانه بالله وبرسله، لا يفرق بين أحد من رسله، ونظر شعب فلسطين العربي إلى أنبياء الله نظرة احترام وإجلال باعتبارهم مسلمين لله سبحانه يدعون إلى الصراط المستقيم، ومنهم نبي الله داود الذي ينزهه المسلمون عما جاء في روايات دينية إسرائيلية عنه وعن ابنه نبي الله سليمان عليهما السلام، وهذه النظرة تفسر كيف يشيع في أوساط شعب فلسطين إطلاق أسماء جميع الأنبياء على الأبناء المولودين أياً كانت ملتهم.

وقد ميز شعب فلسطين العربي بين مؤمنين يأتون للحج والزيارة، وغزاة طامعين يأتون معتدين أياً كان دينهم وقد سئل ابن تيمية عن الموقف من المغول المسلمين الذين جاءوا غزاة فأجاب بوضوح: "قاتلوا الفئة الباغية، مشيراً إلى آية سورة الحجرات".

 

نتيجة ثالثة

النتيجة التي نستخلصها من الوقوف أمام العلامات الدينية في تاريخ القدس وفلسطين أن القدس قبلة روحية للمؤمنين، وأن شعب فلسطين العربي يرحب بمن يحج إليها منهم أو يزورها ويستضيفهم، ولكن ليس لأحد من أتباع الديانات أن يأتي غازياً طامعاً معتدياً مستعمراً مستوطناً بزعم أن فلسطين وطنه، لأن القدس قبلة روحية لأتباع دينه.

 

علامات سياسية

نقف في بعد الزمان أمام علامات سياسية، ونتأمل في تاريخ فلسطين القديم فنجد أنها كانت جزءاً من المنطقة تعيش حضارتها وتصل بين بابل ومصر، وقد أكدت كشوفات حضارة ايبلا أو عبلة في شمال سورية حقيقة التواصل بين أجزاء منطقتنا والترابط بين حضارة الوديان في الجزيرة العربية، وحضارة النهر في العراق ومصر والهلال الخصيب بعامة.

نجد أيضاً أن شعوباً من دائرة أوسط تحيط بوطننا العربي الكبير حكمت فلسطين وجاراتها لها فترات محدودة في مرحلة تالية، شأن الفرس واليونان والرومان الغربيين والروم الشرقيين، ويلفت نظرنا ما لاحظه المؤرخ (بريستد) من أن تأثير هؤلاء تركّز في المدن وبقي الريف كنعاني الطابع في فلسطين، وقد عاش بعض اليونانيين في المدن الفلسطينية ومنها القدس في ظل الحضارة الهلنتية، ولكن الحضارة الكنعانية كانت غالبة على حياة الناس الذين عزلوا عنهم الانغماسيين من أمثال هيرود الملك، وقد جعل المؤرخ (توينبي) اسمه رمزاً لهؤلاء فسماهم الهيروديين في دراسته للتاريخ.

سنلاحظ أن شعب فلسطين رحب بالفتح العربي الإسلامي، وقد رأينا كيف استقبل البطريرك صفرونيوس الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في بيت المقدس، تماماً كما رأينا في مصر البطريرك بنيامين يرحب بعمرو بن العاص وأعطى عمر العهد الشهير الذي حكم العلاقات بين المؤمنين في ظل دولة الخلافة الإسلامية من نصارى ومسلمين ويهود.

علامة أخرى سياسية بارزة نراها حين بدأت الغزوة الفرنجية، ونحن مع الصوت الذي سمعناه من الكنيسة القبطية بضرورة تسميتها باسمها الذي عرفها أجدادنا به لا باسم الحروب الصليبية الذي سماها به الأوروبيون، وقد استهدفت هذه الغزوة القدس واحتلتها، وتطلعت بعد ذلك للسيطرة على حواضر المنطقة الأخرى، ونذكر كيف استهدف الفرنجة دمشق والقاهرة ثم كيف تجرأ أرناط على التفكير بغزو مكة والمدينة، ونقف في هذه العلامة أمام الصحوة الرائعة التي حدثت في المنطقة استجابة لتحدي هذه الغزوة، وبدأت على صعيدي الفكر والروح، وكان من روادها علماء عظام ثم سياسيون كبار منهم عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، وبعض سلاطين المماليك.

وقد عبّرت السيرة الشعبية "الظاهر بيبرس" عن مدى ما اختزنه الوجدان الشعبي من عبر هذه الفترة ودروس هذه الصحوة، ونذكر أيضاً كيف تحررت فلسطين واندحر الفرنج مخلّفين وراءهم مستأمنين سرعان ما انصهروا في بوتقة شعب فلسطين العربي، ووفوا بحق انتمائهم له ولوطنهم. كما نذكر كيف هزم المغول في عين جالوت على أرض فلسطين أيضاً في معركة فاصلة تذكرنا بسابقتها معركة حطين الفاصلة التي هزم فيها صلاح الدين الفرنج.

 

نتيجة رائعة

النتيجة التي نستخلصها من الوقوف أمام هذه العلامات السياسية في تاريخ القدس وفلسطين أن القدس بقيت مطمعاً لغزاة معتدين، وأن جميع الغزوات العدوانية انتهت بالهزيمة والاندحار، وأن أرض فلسطين شهدت المواقع الفاصلة بعد أن قامت الأقطار العربية الأخرى بأدوارها.

لقد عاد الغزو الفرنجي في صورة جديدة يستهدف فلسطين والقدس والمنطقة في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، حين قام (بونابرت) بقيادة الخطة الفرنسية على مصر عام 1798، مم أن هذه الحملة كان مصيرها الاندحار والهزيمة، واضطر (بونابرت) أن يرتد عند أسوار عكا ثم يقفل راجعاً إلى مصر ويخرج منها مهزوماً بعد أن واجه مقاومة شعبية قادها الأزهر الذي خرج منه (سليمان الحلبي) ليقتل كليبر المعتدي خلف بونابرت -مع ذلك بقي الاستعمار الأوروبي في فصائله المختلفة مستهدفاً القدس وفلسطين والمنطقة، منذ ذلك الحين، وباشر مرحلة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين والقدس.

قراءة لتاريخ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني

في وقفتنا أمام تاريخ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في القدس، نستذكر بداية أن الاستيطان هو اغتصاب لأرض شعب آخر، يتخذ مفاهيم عدة اقتصادية وعقدية وسياسية ودينية وأمنية، ونستحضر ما وصل إليه جمال حمدان في كتابه "استراتيجية الاستعمار والتحرير" بشأن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي يمثله الكيان الإسرائيلي ونلخصه بسمتين رئيسيتين: أولاهما: عنصريته الحادة التي هي من نوع عنصرية البيض الأوروبيين الذين أبادوا شعوباً في أمريكا وأفريقيا، وفرضوا العبودية على ملايين الأفارقة. والأخرى تسلط فكرة الأمن المطلق عليه، وقد أحسن شرحها شيوخنا الاستراتيجيين -وليس خافياً لماذا تتسلط هذه الفكرة فنحن أمام مغتصب يسرق الأرض والماء ويخشى من صاحب الحق.

 

قطباه

نستذكر أيضاً أن التحالف الاستعماري الصهيوني كان وراء الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، ومنذ أوائل القرن التاسع عشر برزت بريطانيا قطباً رئيساً في هذا التحالف يسعى لاستعمار فلسطين، وبرزت أيضاً الولايات المتحدة الأمريكية التي ركزت أنظارها على القدس، وبكّرت في إقامة قنصلية فيها كُتب الكثير عن تحركاتها. وهناك إلى اليوم في القدس مبنى يحمل اسم "أمريكان كولوني" وكانت قوى يهودية أخرى بروتستانتية في بريطانيا وأمريكا قد أثارت الأطماع في فلسطين، ونذكر كيف كتب (دزرائيلي) عن القدس وأهميتها لبريطانيا قبل أن يصبح رئيس وزراء.

 

مراحله

لقد مرّ الغزو الاستعماري الصهيوني في فلسطين بأربع مراحل بعد أن تبلورت الحركة الصهيونية بتشجيع من القوى الاستعمارية الأوروبية، ونجحت في إرسال أول دفعة من المهجَّرين إلى فلسطين من يهود شرق أوروبا عام 1882 في العام الذي احتلت فيه بريطانيا مصر، فمن مرحلة التسلسل التي استمرت حتى عام 1917 إلى مرحلة التغلغل إبان الاستعمار البريطاني لفلسطين حتى عام 1948 إلى مرحلة الغزو بعد إقامة "دولة إسرائيل" وحتى عام 1967 إلى مرحلة التوسع بعد حرب حزيران/يونيو في ذلك العام. وقد وفق المرحوم جمال حمدان في اختيار أسماء هذه المراحل.

نجح الغزو الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في احتلال جزء كبير من القدس إبان حرب عام 1948، وأكمل احتلال الجزء الشرقي منها في حرب عام 1967، وقد رأينا اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يصرح لإذاعة "إسرائيل" رداً على إشارة عربية فلسطينية لأملاك عرب فلسطينيين في القدس الغربية "لقد أخذنا القدس في حربين".

وكما هو الشأن في كل استعمار استيطاني عمد الكيان الصهيوني بعد أن نجح في احتلال القدس إلى ضمها فوراً، ثم شرع في اغتصاب أراضيها تدريجياً بسبل مختلفة ليصل إلى تهويدها، وإننا مدعوون إلى أن نتأمل طويلاً في خطوات هذه العملية التي تبدأ بالتسلل فالتغلغل فالاحتلال فالضم فالاغتصاب فالتهويد، ونستحضرها في أذهاننا دوماً لأن أراض عربية مجاورة لفلسطين مستهدفة اليوم صهيونياً بمخططات التسلل -أولى خطوات هذه العملية.

 

الاستيطان في مرحلة التوسع منذ عام 1967

شهدت مرحلة التوسع في الغزو الصهيوني لفلسطين منذ عام 1967 تركيزاً خاصاً على القدس فصلت شرح مخططاته وما تم تنفيذه منها كتب كثيرة، فبعد إعلان ضمها جرت إقامة خمس عشرة مستعمرة وبناء ثلاثين ألف وحدة سكنية، وتم الاستيلاء على ثلاثة وثلاثين بالمئة من أراضي القدس بالمصادرة والاستملاك، وتفننت الحكومة الإسرائيلية في اتخاذ الإجراءات التي تسلب أهل القدس العرب من حقوقهم.

وبرزت في أعقاب حرب رمضان عام 1973م حركة غوش أمونيم (كتلة المؤمنين المخلصين) لتجاهر بضم كل فلسطين بزعم قدسيتها، فأعطاها (مناحيم بيجين) دعماً غير محدود هو وزميله في الإرهاب (أريئيل شارون) الذي تولى فترة وزارة الزراعة، وهكذا أصبحت القدس واحدة من نقطتين مركزيتين للاستيطان والأخرى تل أبيب، وقد أوضحت دراسة عن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بعد عام 1967 أعدها (إليشع إيفرات) "أن عناقيد المستوطنات المجاورة للتجمع السكاني في تل أبيب والقدس هي وحدها التي سيكون أمامها فرصة البقاء" حسب أمانيه.

ونحن نعرف أن هذه الأماني يواجهها عزم شعب فلسطين العربي على استرداد حقه بالتلاحم مع أمته في نضال طويل وطن نفسه عليه، ولقد لاحظت هذه الدراسة التي نشرتها مجلة (شؤون إسرائيل) في عددها الأول عام 1994 الفرق بين الاستعمار الاستيطاني من قبل مستوطنين غرباء وإعمار الأرض من قبل أهلها، فبينما ارتفع عدد قرى الضفة الغربية بين عامي 1948 و 1967 بنسبة 50 في المائة وزاد عدد سكانها بنسبة 111 في المئة نجد أن الاستعمار الاستيطاني فيها لم ينجح في إقامة الثكنات المسلحة.

وبينما نشأت القرى طبيعياً في إعمار منسجم مع الطبيعة المادية للإقليم وفق نمط سليم في مواقع القرى وتوزيعها وزراعتها وعدم تعديها على الأرض الزراعية وإدراكها للطقس وكمية المياه المتوافرة، نجد المستوطنات الصهيونية مصطنعة لا يحكمها إلا فكرة الأمن المطلق تتعدى على البيئة وتجور على الأرض والماء، وشتان بين الاستعمار والإعمار.

 

الاستيطان الصهيوني بعد اتفاق أوسلو 1993

ما أشد الخطر الذي بهدد القدس بفعل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بعد إبرام اتفاق أوسلو -واشنطن، فالجهود الصهيونية مركزة الآن لتهويدها. وقد فصلنا الحديث عن أخطار هذا الاتفاق على القدس وكيفية مواجهة هذه الأخطار في كتابي "لا للحل العنصري في فلسطين" وأوضحنا كيف تعامل اتفاق إعلان المبادئ مع قضية القدس مؤجلاً النظر فيها ليفسح للعدو الصهيوني فرض الأمر الواقع خلال الفترة الانتقالية.

كما أوضحنا كيف عمد "مصمم" عملية التسوية الأمريكي إلى استبعاد البحث في قضية القدس والالتفاف حول القضية وحصرها في نزاع حول الإشراف على مقدسات. وعرضنا الإجراءات الإسرائيلية في القدس والموقف الإسرائيلي الحالي من القدس، والموقف الأمريكي الناقض لقرارات الشرعية الدولية في حقيقته. كما بينا أصول هذين الموقفين وشرحنا المخطط الإسرائيلي للقدس الكبرى وخطوات تنفيذه وتعديه على الوقف الديني الإسلامي والمسيحي، وما نجم عنه من مشكلات لا حل لها وما ينبغي عمله.

 

ما ينبغي عمله

أختم هذا الحديث بكلمات حول ما ينبغي عمله في ضوء هذه القراءة والنتائج التي استخلصناها منها:

أول ما ينبغي عمله هو استحضار رؤيتنا الفكرية للصراع حول القدس وإرساء أساس فكري متين لنضالنا من أجل تحريرها.

وهذا يعني استذكار حقيقة أن القدس عاصمة فلسطين التي هي وطن لشعبها العربي الفلسطيني -أحد شعوب أمتنا العربية- وهي جزء من الوطن العربي الكبير ما يهددها يهدد الوطن كله. وهكذا فقضية القدس بداية هي قضية وطن وأرض وقضية تحرير. وفلسطين وطن واحد لشعب واحد فيه مسلمون ونصارى ويهود، ولم تكن قط وطناً لشعبين، واليهودية دين وليست قومية، بينما الصهيونية حركة استعمار استيطاني عنصري.

 إن علينا أن نستذكر آلية التحرير كما استذكرنا آلية التهويد. فإذا كان الغزو الصهيوني الاستعماري قد بدأ بالتسلل فالتغلغل فالاحتلال فالضم فالاغتصاب وصولاً إلى التهويد، فإن التحرير يبدأ بصمود الشعب فممارسة مقاومة الاحتلال فتصعيد هذه المقاومة بروح الفداء.. وصولاً إلى الحل الديمقراطي الذي هو بديل الحل العنصري الصهيوني.

إن لنا في ضوء آلية التحرير أن ندعّم صمود أهلنا في القدس وفي فلسطين عامة، وأن نؤكد على حق المقاومة لمن احتُلت أرضه، وندعم هذه المقاومة المباركة للاحتلال في فلسطين بكل السبل، ونبارك روح الفداء ونطرح خطوط الحل الديمقراطي لقضية فلسطين والقدس.

لابد إذاً من تحرك سياسي واسع ينطلق من أفكارنا الواضحة، نرفع فيه شعارات بسيطة مضيئة، وأول هذه الشعارات: لا للحل العنصري في فلسطين.. نعم للحل الديمقراطي الذي يعيش في ظله شعبها بمسلميه ومسيحييه ويهوده ومعهم كل من يستأمن في إطار وطن عربي كبير، في ظل حضارة عربية إسلامية منفتحة على حضارات العالم الأخرى.

ومن بين هذه الشعارات أن القدس عربية، وملفها يشمل القدس كلها بجزأيها الغربي والشرقي، وبقراها وأكنافها، كما أن من بين هذه الشعارات أن قضية فلسطين هي قضية عربية في نشأتها ومسئوليتها ومصيرها، وبقدر ما تخص شعب فلسطين العربي بقدر ما تخص الأمة العربية كلها، ولا يجوز أن ينفرد أحد في التصرف بها، وهذا شأن قضية القدس، وشعار نوجهه للغرب: إن أمتنا تمد يدها لتعزيز التعارف وصولاً للتعاون على البر والتقوى على أساس من التكافؤ والندية والمصالح المشتركة، ولكنها ستقاوم بكل قوة منطق الطغيان وغطرسة القوة ومحاولات إخضاعها، وهي أمة مواجهة وطنت نفسها على صراع النفس الطويل، وآخر هذه الشعارات نوجهه لليهود في عالمنا وهو: أن ينبذوا الصهيونية التوسعية العنصرية.

فهذا هو الشرط اللازم لبلوغ السلام القائم على العدل، ولكي يعيش اليهود في أوطانهم كلها آمنين، وطننا العربي يقبل المستأمنين ولكنه يطرد الغزاة.

ستبقى القدس في القلب ونصب العين، حتى تتحرر ويسود الحل الديموقراطي في فلسطين.

 (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا)..

وإليه نتوجه بالدعاء أن يأخذ بأيدينا لمتابعة العمل دفاعاً عن القدس ومن أجل تحريرها، وليعود السلام إلى مدينة السلام.